ثقافة وفن < الرئيسية

"تايجي تشيوان": رمز صيني يكتسب شعبية عالمية

: مشاركة
2018-07-31 12:28:00 الصين اليوم:Source دانغ شياو في:Author

من الرموز الفريدة للثقافة الصينية، ملاكمة "تايجي تشيوان" أي ملاكمة الظل، التي تصور غالبا على أنها نوع ساحر من مهارات الدفاع عن النفس. الواقع، أن "تايجي تشيوان" ليست إلا نوعا من التمارين البدنية الصينية التقليدية يكتسب شعبية متزايدة، إذ يمارسها كثيرون في أنحاء العالم المختلفة. ما الذي يجعل كثيرين يمارسون هذه الرياضة كنوع من الاستجمام؟ وكيف يمكن تعلم وإتقان مهارتها؟

فعاليات سحرية

يرجع تاريخ ملاكمة تايجي إلى أسرة تانغ (618- 907 م)، ولها خمسة أساليب تقليدية، أقدمها أسلوب تشن. إن لملاكمة تايجي تأثيرا إيجابيا على المفاصل والعظام، وممارستها تحسن الدورة الدموية وتقوي الجسم وتعزز العمر المديد، وخصوصا عند المواظبة عليها.

يكمن السر الذي مكن الأمريكي جيمس هيلي، البالغ من العمر 59 عاما، من التمتع بالمظهر الشاب والصحة الجيدة، في أنه يمارس "تايجي تشيوان" على مدار العام. جيمس هيلي، الذي يعمل حاليا محررا بصحيفة ((تشاينا ديلي))، يمارس ملاكمة الظل منذ أكثر من 33 عاما، وهو الطالب الأجنبي الوحيد في أكاديمية تشنغلي لملاكمة "تايجي تشيوان" في بكين.

قال جيمس هيلي: "بعد ممارسة ملاكمة تايجي تشيوان، أشعر بأن قدرتي على الاستجابة ورد الفعل تزداد بشكل ملحوظ." ممارسة هذه الملاكمة بانتظام يساعد في تنبيه "مخ" الجسم، بحيث يرفع من مستوى حساسية كافة أعضاء الجسم للتنبه للمحيط، حيث يكتسب الجسم القدرة على إدراك المخاطر قبل أن يقوم العقل بملاحظتها. بالإضافة إلى ذلك، يستطيع ممارسو تمرينات "تايجي تشيوان" التفاعل بشكل أسرع لدى الإحساس بخطر كامن.

وملاكمة الظل تعتبر أيضا علاجا جيدا لبعض الأمراض. كانت شيوي نينغ نينغ، وهي رسامة عمرها ثلاث وخمسون سنة، تعاني من الأرق والشعور بالضعف والوهن، حتى فقدت ثقتها بنفسها وشغفها بالحياة. ولكن تغيرت حالتها تماما بعد أن مارست ملاكمة الظل لأكثر من سنة. قالت: "أصبحت أشعر بقوة بدنية، وتحسّن نومي وازدادت ثقتي بنفسي. في كل مرة قبل ممارسة تايجي، أقوم ببعض التمارين لمفاصلي أولا. الآن، تلاشى ألم ركبتيّ الذي كنت أشعر به في السابق."

شيوي نينغ نينغ لا تغرد خارج السرب، فالسيد موه يوي تشوان، البالغ من العمر 62 عاما، كان يعاني من التهاب حوائط المفصل من الكتف، ولكن بعد أن مارس تايجي تشيوان صار طبيعيا تماما. السيد موه، وهو أستاذ في جامعة الصين للعلوم السياسية والقانون يتعرض لضغوط كثيرة في العمل والحياة. قال: "بعد يوم عمل قد يستمر أكثر من عشر ساعات، أشعر بالإنهاك تماما. حاليا، عندما أشعر بالإرهاق، أقف وأقوم ببضع التمرينات لمدة عشر دقائق تقريبا، فأستعيد طاقتي." إحدى ميزات ممارسة رياضة تايجي هي أنها لا تتطلب مكانا خاصا للتمرين، حيث يمكن القيام بحركاتها في المكتب أو الممر أو غرفة النوم.

أوضح تشانغ جين شي، المدرب الرئيسي في أكاديمية تشنغلي لرياضة تايجي، أن ممارسة "تايجي تشيوان" تساعد في علاج بعض الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، وهشاشة العظام. كما أنها تعزز عملية الأيض، وتزيد مرونة المفاصل، وتساعد على تأخير الشيخوخة وإنقاص الوزن.

أضاف السيد تشانغ: "أثناء ممارسة تايجي يتم التنفس من أعماق البطن، حيث يصل مفعوله إلى أسفل البطن، وهو بمثابة تدليك للأحشاء، مما يساعد في الحفاظ على الصحة. كما تتطلب ممارسة تايجي الاسترخاء الكامل للجسم، الأمر الذي يساعد على تقليل المقاومة في الأوعية الدموية، وتعزيز الدورة الدموية، مما يؤدي بدوره إلى تخفيف العبء عن القلب."

موضة رائجة

الحياة العصرية فيها كثير من الراحة والسهولة، ولكن سرعة وتيرتها تجلب ضغوطا هائلة، فصار القلق والتوتر شكوى مشتركة لسكان المدن حاليا. لعل هذا هو السبب في تزايد أعداد ممارسي "تايجي تشيوان" وانتشارها المتواصل. قال جيمس هيلي: "كل المفاهيم والفلسفات التي تنطوي عليها تايجي تشيوان، مثل التعامل اللبق والتواضع والطبيعة الطاوية، تساعدني في الحفاظ على الانسجام والتوازن مع العالم الخارجي، وهذا له أثر إيجابي على كافة جوانب حياتي."

كان وي وي، البالغ من العمر 29 عاما، يشعر دائما بالقلق والتوتر بسبب عدم حصوله على زيادة في الراتب والترقية في عمله خلال مدة طويلة، إلا أنه، بعد ممارسة تايجي، بدأ يشعر أن القلق ينحسر تدريجيا، بل وفهم بعض المبادئ الأساسية في السلوك الشخصي والتعامل مع الغير من خلال ممارسة ملاكمة تايجي تشيوان التي تجمع بين الحركة والسكون.

أظهرت ماريا أوسترلو، وهي باحثة شابة من بيرو، حماسة لتعلم تايجي تشيوان منذ أن تعرفت على تاريخ الثقافة الصينية لأول مرة. قالت: "كنت أظن أن هذه التمرينات تخص كبار السن فقط. عندما جئت إلى الصين العام الماضي، ضمن برنامج للتبادل التعليمي، أدركت أنه يمكن للشباب كذلك ممارسة تايجي تشيوان."

هذا صحيح، فهذه الرياضة الصينية القديمة لا تجذب الشباب الصينيين فحسب، وإنما انتشرت بالفعل في أكثر من 150 دولة في العالم، حيث يقوم بممارستها أكثر من 300 مليون شخص.

واظبت ماريا على ملاكمة الظل، حتى بعد عودتها إلى بيرو، وقد أصبحت إلى حد ما خبيرة في حركاتها التي تؤكد على السكون، وتشتمل على القوة والليونة معا. وقد أثارت ماريا اهتمام من حولها بتعلم "تايجي تشيوان"، فأعجبوا بالإيقاع البطيء لهذه الرياضة، وباتوا يرونها كموضة رائجة.

 في الحقيقة، "تايجي تشيوان" ليست مجرد فن قتالي، بل هي أيضا طريقة تفكير مفعمة بالحكمة الشرقية.

استطاع مؤسس شركة "علي بابا" الصينية ما يون (جاك ما) استخلاص الحكمة الأساسية التي تكمن في "تايجي تشيوان" وتطبيقها في إدارة شركته، بل إنه يمارسها في مكتبه الخاص. في بعض الأحيان، ينهض ما يون فجأة واقفا خلال اجتماعاته مع الموظفين، ليؤدي بعض حركات تايجي تشيوان لمساعدتهم على التفكير أو الحصول على بعض الإلهام.

يقدر ما يون بشكل خاص ثلاثة مفاهيم متأصلة في "تايجي تشيوان"، وهي بالصينية "دينغ" و"سوي" و"شه". بالنسبة له، يشير مصطلح "دينغ"، المرادف لمعنى "رباطة الجأش"، إلى تموضع وتنظيم إستراتيجية الأعمال، أي معرفة الذات وإدراك المستقبل بوضوح مهما حصل، ومواجهة كل شيء بهدوء. أما مصطلح "سوي"، ويعني "المتابعة"، فيشير إلى تحقيق أفضل ما يمكن ضمن ظروف وضع معين، فعلى سبيل المثال، فقط عندما تتمتع بالقوة يمكنك فهم كيفية الاعتماد على الآخرين وتتبع مثالهم. ويشير مصطلح "شه"، الذي يرادف كلمة "الانعتاق"، إلى حالة أسمى تعني تعلم كيفية التخلي، أي فقط من خلال تمكين الآخرين من معرفتك بوضوح واستيعاب ما لا ترغب فيه، يمكنك التأكد مما تريده بالفعل، وفقط من خلال معرفة ما ترغب فيه، يمكنك فهم ما يجب عليك التخلي عنه. قام ما يون بتوجيه مسار شركة "علي بابا" باستخدام مفاهيم "تايجي تشيوان" عن الحقيقة والزيف، والحركة والسكون، والانفتاح والانغلاق، والتقدم والتراجع.

بالإضافة إلى ذلك، أحد المبادئ الهامة عند ممارسة "تايجي تشيوان" هو رسوخ الأساس، حيث يعتمد الاستقرار على التناوب في حركة القدمين، وتحدد نوعية هذا التناوب والحركة مستوى العمل الذي يمكن للشخص أن ينجزه. يرى ما يون أن هذا المفهوم ينطبق على إدارة الأعمال أيضا. فقط عندما تكون التنمية مستقرة، يمكن التفكير في كيفية التطوير بشكل أسرع وأفضل.

إجادة "تايجي تشيوان"

تختلف ملاكمة الظل تماما عن معظم أشكال الرياضات المعاصرة الشائعة، فكيف يمكن إتقان ممارستها؟

أوضح المدرب الشهير تشانغ جين شي، أنه من أجل ممارسة "تايجي تشيوان" بشكل جيد، يجب اتباع بعض الأمور وهي أولا، التركيز على الجزء الأسفل من الظهر واستخدام العمود الفقري لتوجيه الذراعين والساقين ببطء. ثانيا، يجب الاسترخاء بحيث تكون ثابتا ومرنا في نفس الوقت ومتوازنا من دون أن تكون راكدا. ثالثا، يجب ربط كافة الحركات معا بسلاسة مثل سير السحاب وانسياب الماء. رابعا، يجب أن تظهر القدمان والظهر قوة، وأن تكون اللكمات ذات قوة خارقة.

تعلم "تايجي تشيوان" يتطلب الاجتهاد، كما يشرح الأستاذ موه يوي تشوان قائلا: "لكي تتعلم "تايجي تشيوان" يجب أن تكون منتبها وتراقب بعناية. بالإضافة إلى امتلاكك الحماسة اللازمة، ينبغي لك أيضا استخدام عقلك وتعلم كيفية استخلاص الاستدلالات من كل مثال."

كونه أجنبيا، لدى جيمس هيلي خبراته الخاصة فيما يتعلق بتعلم "تايجي تشوان". يرى أن من المهم فهم كيفية تحقيق التوازن بين الأطراف الأربعة، واستخدام القوة بشكل صحيح، والاسترخاء بشكل كاف. بالإضافة إلى ذلك، عند محاكاة حركات المدرب، من الأهمية بمكان تجنب التحرك مثل الإنسان الآلي.

 تعلم "تايجي تشوان" قد لا يكون بذلك القدر من الصعوبة، ولكن إتقان ممارستها ليس بالأمر السهل، وهذا ما يركز عليه جيمس هيلي. قال: "تعلم تايجي يتطلب المثابرة وقوة الإرادة. خلال تعلمك ستواجه انتكاسات، ولكن كما في حالة تسلق الجبال، طالما أنك تثابر ستتمكن من الوصول إلى قمم جديدة."

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037