ثقافة وفن < الرئيسية

الأثاث الكلاسيكي الصيني بين العراقة والسحر والابتكار

: مشاركة
2018-06-28 12:13:00 الصين اليوم:Source :Author

إذا كان تاريخ الصين المسجل يرجع إلى خمسة آلاف عام، فإن تاريخ الأثاث الصيني الكلاسيكي أطول من ذلك بكثير، إذ يرجع إلى ثقافة خهمودو قبل أكثر من سبعة آلاف سنة.

في فترة أسرتي مينغ وتشينغ، بلغ الأثاث الصيني الكلاسيكي أوج مجده وذروة سنامه. في تلك الفترة، كان معظم الأثاث الصيني يصنع يدويا من الأخشاب العالية الصلابة، وفي مقدمتها خشب الصندل الأحمر والورد. لا تزال قطع الأثاث لذلك الزمان محتفظة بسحرها وجاذبيتها حتى يومنا هذا، والفضل في ذلك يرجع إلى بساطتها وأناقتها وصنعتها الجميلة وأسلوب النقرة واللسان المستخدم فيها وانسيابية شكلها.

مزيج مثالي لبراعة اليد والخشب

عاش الصينيون في مجتمع إقطاعي صبغ خطابهم وسلوكهم وعاداتهم وثقافاتهم بالطابع الطبقي الإقطاعي بشكل عميق. والأثاث المصمم على الطراز الصيني، كجزء أساسي من الحياة اليومية، يتأثر كثيرا بالثقافة الإقطاعية، كما يعكس الحياة اليومية للناس وخصائصهم الثقافية في العصور المختلفة.

الأثاث الكلاسيكي الصيني الذي يمثله الأثاث في فترة أسرتي مينغ وتشينغ، والمصنوع من خشب الصندل الأحمر وخشب الورد وغيرهما من الأخشاب الصلبة، يتميز بالصلابة والمتانة ومقاومة التآكل. ولكن هذه المواد الخام نادرة ومكلفة، فأصبح الناس اليوم يستخدمون أخشاب الصنوبر والدردار والزان.

على الرغم من ظهور أدوات النجارة الكهربائية وتحسن التقنيات، يتم تصنيع الأثاث الكلاسيكي في الغالب يدويا، وإن كانت بعض العمليات البسيطة تستخدم فيها الآلات، ولا يمكن أن تحل الآلات محل العمل اليدوي تماما. على سبيل المثال، الحصول على سطح الأثاث الأملس، يتطلب من العامل أن يستخدم سكينا حادا عريضا لكشط سطح الخشب بعد أن تكون الماكينة قد قامت بتسوية الخشب أولا، ثم يستخدم يده لتحسس التغير في النعومة من خلال اللمس بعد كل كشط. كما أن نحت قطع الأثاث لا ينفصل عن العمل اليدوي. قد تبدو الأشكال المنحوتة بالماكينات أنيقة ولكن خطوطها تكون جامدة وتفتقر إلى الحيوية. المنحوتات اليدوية أكثر دقة وإبداعا ومفعمة بالحيوية.

طريقة النقرة واللسان، أي التعشيق، تعد الجانب الأكثر روعة للأثاث الكلاسيكي الصيني.

طريقة النقرة واللسان هي الأسلوب الذي يستخدمه النجار الصيني التقليدي في جمع قطع الخشب معا من دون استخدام أي مادة غير الخشب. النقر هو حفر غائر في الخشب أما اللسان فهو جزء بارز في الخشب، يتم تثبيته في النقرة بتعشيقهما، مع استخدام الغراء في أحيان قليلة.

طريقة النقرة واللسان من تجليات حكمة الصينيين التي تجسد إبداعات وفنون الإنسان. عُرف هذا الأسلوب لأول مرة في هندسة نمط بناء اكتشفت في موقع أثري لثقافة خهمودو التي يرجع تاريخها إلى أكثر من سبعة آلاف سنة. استخدمت هذه الطريقة على نطاق واسع في عصر الربيع والخريف والدويلات المتحاربة (770-221 ق. م.)، وبلغت مرحلة نضوجها في زمن أسرة سونغ (960- 1279)، قبل أن تصل إلى ذروة ازدهارها في فترة أسرتي مينغ وتشينغ (1368-1911). الميزة الأبرز لهذه الطريقة هي حماية الخشب من الضرر الناجم عن استخدام المسامير، فضلا عن جعل قطعة الأثاث ثابتة ومستقرة. طريقة النقرة واللسان مهارة أساسية لجميع النجارين. ولأن مكان الربط في أثاث الخشب الصلب يتصف بدقة وروعة، فإن تصميم النقرة واللسان يستلزم من النجار أن يكون دقيقا وبارعا، وهذا يعتمد فقط على المسح اليدوي والانتباه للتفاصيل. إتقان هذه المهارة يحتاج إلى سنوات.

أثاث دقيق ومصقول بطراز مينغ

وصل الأثاث الكلاسيكي الصيني ذروة ازدهاره في فترة أسرتي مينغ وتشينغ؛ ولذلك يقسم الأثاث الصيني التقليدي إلى الأثاث بطراز مينغ والأثاث بطراز تشينغ. يعتمد التمييز بين الاثنين أساسا على أسلوب وشكل الأعمال والمهارة اليدوية للنجار.

تشتهر مدينة سوتشو والمناطق المجاورة لها في مقاطعة جيانغسو بتقنيات إنتاج الأثاث على طراز مينغ. ويعد الأثاث المصنوع في سوتشو نموذجا لأثاث مينغ، والمعروف أيضا باسم الأثاث بطراز سوتشو.

كانت أسرة مينغ العصر الذهبي لتطور الأثاث الكلاسيكي الصيني. يتميّز الأثاث بطراز مينغ بأنه مثالي من حيث الشكل والأناقة، ولا يضاهيه الأثاث من أي عصر آخر. يعتمد هذا النوع من الأثاث على ربط الهياكل الصغيرة. يتم التأكيد على العقلانية وتنويع الوظائف في التصميم. يراعي تصميم قطع الأثاث من طراز مينغ الخصائص الفسيولوجية للإنسان، فهو مزيج من الفن والوظيفة العملية. خشب الورد هو الأكثر استخداما في أثاث مينغ، وإن كان خشب الصندل الأحمر قد حل محله خلال أواخر فترة أسرة مينغ وأوائل فترة أسرة تشينغ بسبب نقص خشب الورد. أبرز قطع الأثاث المصمم على طراز مينغ هي الطاولات والمقاعد وخزائن الملابس، ولا تحتوي غالبا على أي تطعيم أو نقوش، مع القليل جدا من  الزخارف المحفورة.

قطع أثاث مينغ، التي يصممها في الغالب مثقفون وأدباء، تصبح بعد أن ينفذها نجارون ماهرون، مفعمة بالعناصر الثقافية. يدمج المصممون غالبا أفكارهم الإبداعية في التصميم، مما يجعله جذابا رزينا وبسيطا. يؤكد الهيكل على اتساق الوظيفة والعناصر الجمالية، وهو ما يتفق مع ما تسعى إليه الثقافة الصينية. يبدو من النظرة الأولى أنه متواضع، ولكن مع المزيد من الفحص، يظهر سحرا فريدا وتستحق كل تفصيل فيه تقديرا خاصا.

أبرز ميزة لأثاث مينغ هي استخدام الخطوط. على أساس التركيز على تلبية متطلبات الهيكل والوظيفة، تشكل الخطوط الانسيابية الجسم، ولكنها لا تكون على شكل واحد، لأنها إذا كانت كلها خطوطا مستقيمة فسوف تبدو مملة وجامدة، وإذا كانت كلها منحنيات فإنها تبدو ضعيفة جدا. لذا، فإن الأثاث على طراز مينغ هو مزيج من خطوط متنوعة، ويتم التنسيق بين المنحنيات والخطوط المستقيمة بشكل صحيح لتحقيق كل من التغيير والوحدة معا. وتجعل التأثيرات البصرية الفرد يشعر بالأناقة الطبيعية ومفهوم التصميم البسيط، وهو ما يتفق تماما مع  الموضة الحديثة للبساطة.

تشكيل الأثاث على طراز مينغ يظهر سحر فن الخطوط بشكل كامل، وينعكس استخدام الخطوط في التغيير الخطي لأجزاء الأثاث المختلفة. على سبيل المثال، تتبنى لوحة مسند الظهر في الكرسي منحنى على شكل حرف S، والذي يناسب المنحنى الطبيعي لجسم الإنسان، ويتوافق مع الهندسة البشرية. إنه منحنى علمي  للغاية.

في عام 2006، أدرجت تقنيات التصنيع للأثاث على طراز مينغ في الدفعة الأولى لقائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني.

الأثاث بطراز قوانغتشو

في منتصف فترة أسرة تشينغ، مع المزيد من توطيد سلطة حكم أسرة تشينغ، ظهر بوضوح اتجاه الدمج بين ثقافة قومية مان (مانتشو) وثقافة قومية هان. كما واصل فن الأثاث تطوره على أساس الإنجازات العظيمة التي حققها في فترة أسرة مينغ. من ناحية، ابتُكر وفقا لأذواق الطبقة الحاكمة، ومن ناحية أخرى، جاء عدد كبير من المبشرين الغربيين إلى الصين لتعزيز تبادل الثقافات الشرقية والغربية. وهكذا، تم دمج العديد من العناصر الغربية في الأثاث الصيني، مما أثرى محتوياته بشكل كبير.

أصبحت قوانغتشو في ذلك الوقت بوابة هامة للتجارة الخارجية والتبادلات الثقافية للصين بسبب موقعها الجغرافي المتميز. بدأت مؤسسات تجارية محلية تحاكي في بعض بناياتها أنماط المباني الغربية، فأحدثت "ولعا بالغرب" غير مسبوق. أصبح الأثاث على طراز قوانغتشو، الذي يواكب هذا الولع ويتميز بالحجم الكبير وثقل الوزن وكثرة المنحوتات، شائعا في الصين. هناك أساليب كثيرة لتصنيع الأثاث على طراز قوانغتشو، الذي يتميز بكثرة زخارف النحت، فبالإضافة إلى مساحة النحت الكبيرة، تستخدم في الأثاث مواد مطعمة مختلفة، مثل اليشم والرخام والسيراميك والمجوهرات، من أبرز هذه المواد الرخام والصدف.

تقع مدينة قوانغتشو في جنوبي الصين، وهي غنية بأخشاب الأثاث. كانت قوانغتشو منطقة إنتاج الأثاث الراقي التقليدي خلال أواخر فترة أسرة مينغ وأوائل فترة أسرة تشينغ. بعد أن أصبحت قوانغتشو ميناء تجاريا، استقدم الأثاث على طراز قوانغتشو أسلوب الباروك والروكوكو وغيرهما من أساليب الرسم والعمارة، ودمجها مع عناصر الجمال التقليدي للتصميم والفنون والحرف في منطقة لينغنان (منطقة لينغنان يقصد بها مقاطعة قوانغدونغ ومقاطعة هاينان ومنطقة قوانغشي الذاتية الحكم لقومية تشوانغ). تغير أسلوب إنتاج الأثاث من البساطة في فترة أسرة مينغ إلى الفخامة تدريجيا، واندمجت ثقافة لينغنان مع أسلوب الفن الغربي، فتشكل نمط فريد من الأثاث على طراز قوانغتشو، هذا النوع من الأثاث المتميز بتفوق إنتاج واستخدام مواد باهظة الثمن، حظي بإقبال كبير من النبلاء، فازدهر كثيرا في أواسط وأواخر فترة أسرة تشينغ وأصبح واحدا من الأساليب النموذجية للأثاث على طراز تشينغ.

معظم المواد المستخدمة في الأثاث بطراز قوانغتشو هي الأخشاب الصلبة الثمينة، ويتميز الأثاث بكبر حجم المواد ورزانة الأسلوب وكثرة الزخارف ووفرة المواضيع، حتى جمع فيه كل التقنيات التي يمكن أن تحدث تأثيرا جماليا. على سبيل المثال، المكونات الرئيسية للأثاث، مثل قوائمها وأعمدتها، بغض النظر عن درجة الانحناء، عادة لا تستخدم أساليب الربط، وبدلا من ذلك تصنع من قطعة خشب واحدة، كما تستخدم كل جزء من الأثاث نفس نوع الخشب، ولا يتم خلطه بخشب آخر. وبالإضافة إلى ذلك، يلفت الأثاث بطراز قوانغتشو الانتباه إلى ديكوره. فباستثناء الجانب الخلفي من الأثاث وسطوح ألواح الطاولات والمقاعد، يتم نحت جميع المكونات الأخرى برسوم زخرفية مناسبة. على الرغم من أنها تحفر يدويا وتصقل، تكون ناعمة، مما يترك سطح قطعة الأثاث لامعا من دون أي أثر للقطع. تأثر الأسلوب الزخرفي للأثاث على طراز قوانغتشو بالثقافة والفنون الغربية وأنماط الأثاث الغربية.

في عام 2008، أدرجت حرفة إنتاج الأثاث على طراز قوانغتشو في قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني.

الأثاث بطراز بكين

يقصد بالأثاث على طراز بكين الأثاث الذي كان يستخدمه البلاط الإمبراطوري وكان يُنتج في بكين رئيسيا. ولدت حرفة إنتاج هذا الأثاث في مدينة بكين الامبراطورية، والتي تعد واحدة من ثلاث مدارس رئيسية للأثاث الصيني الكلاسيكي.

ولد الأثاث على طراز بكين في فترة ازدهار أسرة تشينغ، حيث جمع إمبراطورها الأشياء من البلاد لاستخدامه الخاص، وقام بتجنيد حرفيين مهرة من سوتشو وقوانغتشو لإدخالهم في ورشة إمبراطورية، وهي وكالة خاصة لتصنيع المنتجات الإمبراطورية. بالنسبة للطبقة الأرستقراطية لأسرة تشينغ، كان اتجاههم الجمالي واسع الأفق وفخما. من أجل تلبية الذوق الجمالي للحكام والبيئة المعيشية للقصور، يجب أن يكون الأثاث ذا نمط وأسلوب مهيب، وبذلك، بالإضافة إلى جانب الموارد المالية والمادية والبشرية الوافرة، تشكّل نمط رائع للأثاث بطراز بكين. هذا الأسلوب الجمالي لم يحتفظ بجمال خطوط الأثاث على طراز سوتشو فحسب، وإنما أيضا اعتمد على الميزات الرائعة للأثاث على طراز قوانغتشو. بالإضافة إلى ذلك، شارك الأدباء وحتى الأباطرة شخصيا في تصميم الأثاث، حيث شكلوا تدريجيا أسلوبا رشيقا وأنيقا وفاخرا يعكس الثقافة الامبراطورية.

يستخدم في الأثاث على طراز بكين خشب الصندل الأحمر والورد وغيرهما من الأخشاب الصلبة الثمينة. قبل صنع قطعة الأثاث، كانت ورشة إمبراطورية تقدم مخططات الأثاث إلى الإمبراطور، إذ لا يمكن تصنيعها إلا بعد موافقته. ولذلك، فإن أحد خصائص الأثاث على طراز بكين هو "الطراز الإمبراطوري". صادف منتصف أسرة تشينغ فترة رخاء، وكان كل من البلاط والمسؤولين الكبار يسعون وراء الفخامة في جميع جوانب الحياة. كانت مواصفات الأثاث أكثر ترفا من طراز أسرة مينغ، كانت مادة  الأثاث أكبر حجما وكان النقش أكثر رزانة وفخما وجمالا. يزين سطح الأثاث بالذهب والفضة واليشم والمينا والنحاس وألواح الخزف الأزرق والأبيض، وغيرها من الزخارف الخاصة التي شكلت مزيجا من الفخامة والحرفية.

واحدة من السمات الزخرفية للأثاث على طراز بكين هي دمج عناصر البرونز لأسرة شانغ (1600-1046 ق. م.) والنحت الحجري لأسرة هان (202 ق. م.-220م) في زخرفة نحت الأثاث، مثل صور التنين والعنقاوات والنمور، وغيرها من العناصر التي تختلف تماما عن زخارف طرازي سوتشو وقوانغتشو. هذه الأشكال المختلفة للزخرفة الكلاسيكية هادئة وأنيقة وعتيقة. الأثاث المصنوع في عهد الإمبراطور يونغ تشنغ والإمبراطور تشيان لونغ، المحفوظ في القصر الإمبراطوري حاليا، معظمه من روائع الورشة الإمبراطورية، التي تتسق مع عمارة القصر والسقوف وزخارف النوافذ والمشغولات اليدوية الرائعة في القصر. الأثاث يتوافق مع البيئة.

ومع ذلك، بسبب السعي المفرط للرفاهية، قلت الوظيفة العملية لقطع الأثاث. هذا هو أكبر نقص في الأثاث على طراز بكين. وصلت تقنية تصنيع الأثاث على طراز بكين إلى ذروتها خلال فترة حكم كانغ شي وتشيان لونغ، وانتشرت الى الجماهير الشعبية في أواخر أسرة تشينغ. بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وبفضل السياسات التي اتخذتها الدولة لإنقاذ  أثاث طراز بكين وحمايته ودعمه الفعال، تمت استعادة وتطوير تقنيات إنتاج الأثاث على طراز بكين إلى درجة معينة. واليوم، على أساس الحفاظ على سحر وزخارف الأثاث التقليدي على طراز بكين، يسعى هذا النوع من الأثاث إلى الاستخدام العملي كجانب أساسي في تطويره، مما جعل الأثاث الحديث على طراز بكين نموذجا رائعا بلا منازع.

في عام 2008، أدرجت حرفة إنتاج الأثاث على طراز بكين في قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037