رياضة < الرئيسية

الرياضة للجميع.. الحركة تصبح جزءا من الحياة اليومية

: مشاركة
2026-09-29 15:18:00 الصين اليوم:Source نان بي باو:Author

مع انحسار حرارة النهار، تدب الحركة في زوايا كثيرة من المدن الصينية؛ كرة السلة تتقاذفها الأيدي تحت جسر مرتفع، ودراجات تشق طريقها بمحاذاة النهر، وشباب يلتقون بعد الدراسة أو العمل في ملعب قريب. لا شيء استثنائيا في هذه المشاهد، وربما هنا تكمن دلالتها؛ فالرياضة لم تعد موعدا يحتاج إلى كثير من الترتيب، بل باتت تتسلل بهدوء إلى إيقاع الحياة اليومية.

في يوليو عام 2026، أصدر مجلس الدولة الصيني "خطة اللياقة البدنية الوطنية لأعوام 2026- 2030". وجاءت الخطة في وقت تبدو فيه الرغبة في الحركة أكثر وضوحا في الشوارع والأحياء والحدائق والملاعب، لتفتح فصلا جديدا في قصة الرياضة للجميع في الصين، قصة لا تكتب في المنشآت الرياضية وحدها، بل في تفاصيل الحياة نفسها.

خطة تجعل ممارسة الرياضة أقرب وأسهل

قد يكون من السهل بناء ملعب جديد على الورق، لكن التحدي الحقيقي يبدأ حين يطرح سؤال أبسط: هل يستطيع الناس الوصول إليه بسهولة؟ هذا السؤال حاضر بوضوح في "خطة اللياقة البدنية الوطنية لأعوام 2026- 2030"، التي لا تنظر إلى ممارسة الرياضة باعتبارها نشاطا منفصلا عن الحياة اليومية، بل خدمة عامة ينبغي أن تكون متاحة حيث يعيش الناس ويعملون ويدرسون.

ولهذا، تولي الخطة اهتماما خاصا للمساحات القريبة من التجمعات السكنية، ولا سيما في المدن المكتظة التي لم يعد التوسع فيها يعتمد دائما على العثور على أراض جديدة. فبدلا من ترك بعض الزوايا الحضرية بلا استخدام فعلي، تشجع الخطة على إعادة توظيفها، فالمساحات تحت الجسور المرتفعة والمصانع والمخازن القديمة وبعض المباني التجارية غير المستغلة، وحتى أسطح المباني، يمكن أن تتحول إلى أماكن للحركة. والاتجاه هنا واضح، منشآت أصغر حجما، لكنها موزعة بصورة أفضل وأقرب إلى السكان، من حدائق رياضية صغيرة ومراكز لياقة بدنية محلية إلى ملاعب متعددة الاستخدامات وملاعب مصغرة لكرة القدم ومساحات للتزلج والأنشطة الجماعية.

ولا تقف المسألة عند زيادة عدد المنشآت، بل تمتد إلى كيفية استخدامها. فوجود ملعب بالقرب من المنزل لا يعني الكثير إذا ظل مغلقا معظم الوقت أو كانت تكلفة دخوله مرتفعة. لذلك تدعو الخطة إلى مواصلة فتح المنشآت الرياضية العامة أمام المجتمع مجانا أو برسوم منخفضة، وإلى توسيع مشاركة المرافق التابعة للمدارس والهيئات والمؤسسات العامة مع السكان في الأوقات التي لا تكون فيها مستخدمة لأغراضها الأصلية. بهذه الطريقة، لا تضاف مساحات جديدة فحسب، وإنما أيضا يعاد استخدام مرافق ومساحات قائمة لم تكن متاحة للجميع من قبل.

وفي الوقت نفسه، تحاول الخطة أن تجعل كلمة "الجميع" أكثر دقة. فاحتياجات طالب يقضي ساعات طويلة في الفصل ليست نفسها احتياجات موظف يجلس أمام شاشة طوال اليوم، كما تختلف ظروف عامل توصيل كثير الحركة عن شخص يحتاج إلى برنامج تدريبي أكثر ملاءمة لمستواه أو توجيها متخصصا. ولهذا، تتضمن الخطة ترتيبات موجهة إلى الأطفال والناشئين والعاملين والنساء وذوي الإعاقة وسكان المناطق الريفية وغيرهم، مع اهتمام خاص بالفئات التي قد يصعب عليها الوصول إلى الخدمات الرياضية التقليدية. ومن بين الإجراءات الجديدة أيضا، توفير مرافق أكثر ملاءمة في أماكن العمل ونقاط الاستراحة للعاملين في المهن الجديدة.

وتضيف الخطة بعدا جديدا إلى خدمات اللياقة البدنية، من خلال توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. فالمطلوب لم يعد يقتصر على تطوير المنشآت الرياضية العامة وتجهيزها بصورة أكثر ذكاء، بل يشمل أيضا تحسين الطريقة التي تصل بها الخدمة إلى الناس. وتدعو الخطة إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الإرشاد الرياضي وتنظيم الأنشطة وتحليل الاحتياجات وتحسين توزيع الموارد، بما يساعد على ربط المستخدم بالخدمة أو البرنامج الأقرب إلى احتياجاته. كما يمكن لهذه التقنيات أن تدعم تقديم مقترحات أكثر تخصيصا وفقا للحالة البدنية ومستوى النشاط والهدف من ممارسة الرياضة، بحيث يصبح الوصول إلى الخدمة أكثر دقة ومرونة، وليس فقط أكثر سهولة.

وتضع الصين لهذه المرحلة مؤشرات قابلة للقياس. فبحلول عام 2030، يتوقع أن يصل نصيب الفرد من المساحات الرياضية إلى نحو أربعة أمتار مربعة، وأن يبلغ عدد المرشدين الاجتماعيين للرياضة نحو 3ر3 لكل ألف شخص، فيما تقترب نسبة من يمارسون الرياضة بانتظام من 40% من السكان. غير أن المغزى الأهم لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في ما تعنيه على أرض الواقع، بأن تكون هناك مساحة يمكن استخدامها وباب يمكن دخوله وخدمة يمكن الوصول إليها، ونشاط يناسب إيقاع حياة كل شخص.

من الخطة إلى أرض الواقع

بعد ما يزيد قليلا على أسبوعين من نشر "خطة اللياقة البدنية الوطنية لأعوام 2026- 2030"، حل الثامن من أغسطس، اليوم الوطني الثامن عشر للياقة البدنية في الصين، وهو الأول بعد صدور الخطة الجديدة. في ذلك اليوم، وفي الأيام التي سبقته وتلته، أمكن رؤية بعض ما ورد في الوثيقة وهو يتحول من كلمات إلى ممارسة؛ منشآت احترافية تفتح أبوابها أمام الجمهور وإرشاد علمي يصل إلى مواقع النشاط ومساحات أولمبية تستقبل جيلا جديدا من الشباب، فيما تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي بدورها إلى تجربة اللياقة البدنية.

في المركز الأولمبي الوطني ببكين، اقترب الجمهور هذه المرة من عالم كان يبدو في العادة خاصا بالرياضيين المحترفين. فقد فتح أمام الناس بعض مواقع وتجهيزات التدريب المستخدمة في خدمة المنتخبات الوطنية، وأتيحت لهم فرصة خوض اختبارات وتجارب بدنية مستمدة من التدريب الاحترافي. كما شملت الفعاليات خدمات لفحص اللياقة البدنية والتوعية بالتغذية والوقاية من الإصابات. هنا، أخذ مفهوم "تقاسم الموارد الرياضية" معنى ملموسا؛ منشآت وخبرات أنشئت في الأصل لخدمة الرياضة التنافسية، باتت في متناول المواطن العادي أيضا.

في مدينة تشنغدو، حاضرة مقاطعة سيتشوان في جنوب غربي الصين، جاء التركيز على سؤال مختلف: ليس فقط أين نمارس الرياضة، بل كيف نمارسها بطريقة سليمة؟ ففي حي ونجيانغ، جذبت فعالية اليوم الوطني للياقة البدنية أكثر من خمسة آلاف مشارك، وخصصت محاضرة للحديث عن أساليب التمرين والوقاية من الإصابات والتعامل معها، قدمها طبيب متخصص. وإلى جانب ذلك، فتحت عشر مناطق لتجربة أنشطة متنوعة، من كرة القدم الأمريكية بالأعلام والبيكلبول إلى اليوغا والرقص الجماعي في الساحات العامة، مع وجود مرشدين رياضيين يقدمون توجيها للمشاركين. وهكذا لم تعد الخدمة تنتهي عند توفير مكان للحركة، بل امتدت إلى مساعدة الناس على معرفة ما يناسبهم وكيف يمارسونه بأمان.

وكان للشباب حضور لافت في هذه السنة. فقد نظم مركز إدارة رياضتي الدراجات والمبارزة التابع للإدارة العامة للرياضة في الصين، يومي الثامن والتاسع من أغسطس، سلسلة من الأنشطة الخاصة باليوم الوطني للياقة البدنية، جمعت بين سباقات الدراجات على الطريق والدراجات الجبلية ودراجات بي إم إكس والترايثلون، مع تصميم الفعاليات بما يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة للناشئين. ففي صباح الثامن من أغسطس، شارك أكثر من ثلاثمائة شاب وشابة من أنحاء الصين في الدوري الصيني للشباب للدراجات على الطريق، قبل أن تنتقل المنافسات بعد الظهر إلى مسار للدراجات الجبلية أعيد تصميمه بالاستفادة من مسار أولمبي يعود إلى أولمبياد بكين الصيفية في عام 2008، حيث تنافس أكثر من مائة رياضي ناشئ من أكثر من عشر مقاطعات ومناطق ومدن. وفي الوقت نفسه، شارك نحو مائة طفل تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام وثلاثة عشر عاما في اختبارات لتحديد مستوياتهم في الترايثلون، مستفيدين من المسبح والمضمار والمسار الذكي، بينما استقطبت منافسات دراجات بي إم إكس أكثر من مائة ناشئ، موزعين على أربع عشرة فئة عمرية. تكمن خصوصية هذه السلسلة في الجمع بين تنمية قدرات الناشئين وإتاحة الموارد الرياضية العالية الجودة لجمهور أوسع.

وقد ظهر جانب آخر من ملامح الخطة الجديدة، هذه المرة خارج حدود الملاعب التقليدية. ففي اليوم نفسه انطلقت مسابقة وطنية عبر الإنترنت تحت عنوان "لا تدع عضلاتك تضيع"، صممت لتشجيع تدريبات القوة بصورة أكثر علمية. ومن خلال نموذج للذكاء الاصطناعي، يستطيع المستخدم إجراء تقييم لقدراته العضلية بواسطة كاميرا الهاتف والحصول على تقرير خاص به، إلى جانب مقاطع تدريبية تساعده على أداء التمارين بطريقة أكثر انتظاما. هكذا خرج مفهوم "الذكاء الاصطناعي+ اللياقة البدنية" من النصوص التقنية إلى الهاتف المحمول، وأصبح بإمكان الفرد أن يبدأ تقييما وتدريبا من المكان الذي يوجد فيه.

الرياضة تتجاوز حدود الملعب

لم تبدأ حيوية الرياضة الجماهيرية في الصين مع صدور "خطة اللياقة البدنية الوطنية لأعوام 2026- 2030". ففي السنوات الأخيرة، خرجت عدة بطولات محلية من نطاق المنافسة الرياضية البحتة وتحولت إلى ظواهر اجتماعية وثقافية لافتة. ففي مقاطعة قويتشو، جذب الدوري الممتاز للقرى لكرة القدم والدوري الممتاز لكرة السلة أنظار الجمهور إلى الملاعب الريفية، بينما أحدث "دوري جيانغسو الممتاز لكرة القدم، المعروف شعبيا باسم "سوتشاو"، صدى واسعا منذ انطلاقه في عام 2025. ومع ازدياد الإقبال الجماهيري، لم يعد أثر هذه البطولات يقاس بعدد الأهداف أو المتفرجين فقط، وإنما أيضا بما تولده من حركة في السياحة والاستهلاك والحياة المحلية.

وجاءت الخطة الجديدة لتضع هذا الاتجاه المتنامي ضمن رؤية أوسع للسنوات الخمس المقبلة؛ إذ تشجع على تطوير البطولات الجماهيرية لكرة القدم وكرة السلة، وتنمية اقتصاد الفعاليات الرياضية وربط الرياضة بمزيد من سيناريوهات الاستهلاك، إلى جانب دعم الأنشطة التي تتناسب مع ظروف المناطق الريفية وتخدم التنمية المحلية. غير أن هذا الزخم لا يقتصر على كرة القدم وكرة السلة، فبعض الرياضات الصينية التقليدية بدأت هي الأخرى تدخل أشكالا جديدة من المنافسة الجماهيرية. ومن الأمثلة اللافتة: بطولة أندية قوارب التنين بين المدن في مقاطعة جيانغسو. ففي مطلع يوليو عام 2026، قبل صدور الخطة الجديدة، اجتمعت على ضفاف نهر اليانغتسي في نانجينغ فرق تمثل المدن الثلاث عشرة التابعة للمقاطعة، وانضم إليها فريق من مدينة تشاويانغ بمقاطعة لياونينغ، ليتنافس نحو أربعمائة رياضي في سباق قوارب التنين لمسافة 500 متر. وبذلك ظهرت رياضة ذات جذور ثقافية عريقة في قالب "المنافسة بين المدن"، يجمع بين روح الفريق والانتماء المحلي والطابع الشعبي للرياضة.

لكن السباق لم يكن كل الحكاية. ففي الشوارع المحيطة بالموقع، أقيمت منطقة للتعريف بثقافة قوارب التنين، إلى جانب سوق ضمت علامات رياضية ومأكولات ومنتجات مستوحاة من التراث غير المادي، فاجتمعت المشاهدة والتسوق والترفيه في تجربة واحدة. تمتد مساحة موقع السباق، مركز إيه- بارك للرياضات المائية، على مساحة تقارب 292 ألف متر مربع، ويتيح للجمهور تجارب وتدريبات في التجديف وركوب ألواح التجديف وقوارب التنين. وهكذا لم ينته أثر الحدث عند خط النهاية؛ فالمنشأة التي استضافت المنافسة بقيت بعد ذلك فضاء يمكن لسكان المدينة دخوله وتجربة الرياضات المائية بأنفسهم.

وفي الأرياف، تتخذ العلاقة بين الرياضة والحياة المحلية شكلا آخر. ففي ربيع عام 2026، استضافت تشنغدو أول "فعاليات القرية للحلويات"، ودمجت أحياء مختلفة سلسلة من مسابقات اللياقة البدنية في الحقول والقرى والأسواق الريفية. وفي تشونغتشو، أقيمت سباقات الجري عبر الطرق الخضراء والتجمعات الريفية وحقول الزهور والقرى ذات الطابع المحلي، بينما انتشرت إلى جوار مسار السباق أسواق لبيع المنتجات الزراعية والأطعمة والمشغولات الثقافية. واجتذبت محطتان من سباقات الجري أكثر من 2500 مشارك، فتحولت رحلة بعض القادمين من المدينة من مجرد المشاركة في سباق إلى يوم يجمع بين الحركة والتجول والتسوق وتذوق المنتجات المحلية.

ولم تكن رياضة الجري وحدها حاضرة. ففي قرية تشانتشي بحي بيدو، أقيمت بطولة مفتوحة لرياضة ركل الريشة، وربطت المنافسة بسوق ريفية وعروض للتراث غير المادي ومنتجات زراعية وتجارب شعبية، كما أنشئت في القرية ورشة يدوية لصناعة أدوات اللعبة. وفي مناطق أخرى، تزامنت مسابقات الجري والمشي والكرة مع مواسم قطف الفاكهة والمهرجانات الشعبية. وبدلا من نقل نموذج رياضي واحد إلى كل قرية، انطلقت الأنشطة من الموارد الطبيعية والثقافية التي يتميز بها كل مكان، وهو ما منح الرياضة شكلا مختلفا من قرية إلى أخرى.

وفي النهاية، لا يحتاج مفهوم الرياضة للجميع إلى مشاهد ضخمة كي يبدو حقيقيا؛ فقد يبدأ بكرة ترتد في ملعب قريب، أو دراجة تنطلق على طريق أخضر، أو سباق صغير يجمع سكان قرية أو مدينة. ومع اتساع الخيارات وتنوع المساحات والخدمات، تصبح ممارسة الرياضة أقل ارتباطا بوقت محدد أو مكان بعينه، وأكثر اندماجا في إيقاع الحياة العادية. إن قيمة المرحلة الجديدة في هذا التحول البسيط، تكمن تحديدا في أن يجد كل شخص طريقته الخاصة إلى الحركة، وأن تصبح الرياضة جزءا مألوفا من اليوم، لا مهمة مؤجلة إلى الغد.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4