في أحد أيام شهر مايو عام 2026، وبينما كانت إحدى الأمهات برفقة طفلها بعد خروجه من المدرسة في حي شيتشنغ ببكين، أخرجت هاتفها المحمول وطلبت خدمة توصيل. نعم، خدمة توصيل، لكن ليس لوجبة طعام هذه المرة. فعند وصولهما إلى الحديقة الصغيرة المجاورة للتجمع السكني الذي يقطنانه، كان مدرب رياضي في انتظارهما حاملا حقيبة مليئة بمعدات تدريب مختلفة، من بينها الحبال الرياضية. تركت الأم طفلها مع المدرب، ثم صعدت إلى منزلها لتحضير وجبة العشاء، وبدأ الطفل حصته الرياضية التي تضمنت الجري والقفز وتمارين اللياقة.
لم يعد هذا المشهد غريبا في العديد من المدن الصينية. فخدمة "الرياضة بالتوصيل" أو ما يُعرف بـ"الرياضة الخارجية" تشهد انتشارا متزايدا، إذ يكفي أن يحجز المستخدم موعدا عبر الإنترنت، ليصل المدرب إلى التجمع السكني أو الحديقة القريبة ومعه مستلزمات التدريب لتقديم برامج تدريبية مصممة وفق احتياجات كل متدرب.
الرياضة أقرب من أي وقت مضى
إذا كانت تطبيقات التوصيل قد غيرت الطريقة التي يحصل بها الناس على الطعام والخدمات اليومية، فإنها فتحت أيضا الباب أمام أنماط جديدة من الخدمات المرتبطة بنمط الحياة الصحي. ومن بين هذه الظواهر التي أخذت تنتشر في عدد متزايد من المدن الصينية خلال السنوات الأخيرة ما يُعرف بـ"الرياضة بالتوصيل"، وهي تجربة تنقل التدريب الرياضي من المرافق المتخصصة إلى الأماكن الأقرب لحياة الناس اليومية.
وعلى خلاف الدروس الرياضية التقليدية التي تتطلب التوجه إلى صالة رياضية أو مركز تدريب في أوقات محددة، يقوم هذا النموذج على انتقال المدرب نفسه إلى المتدرب حاملا معه المعدات اللازمة، ليجعل ممارسة الرياضة أكثر سهولة ومرونة. وهكذا تحولت الساحات المفتوحة في التجمعات السكنية والحدائق القريبة والساحات العامة داخل الأحياء إلى أماكن لممارسة الرياضة وتلقي التوجيه المهني.
وخلال الأعوام القليلة الماضية، شهدت مدن مثل بكين وشانغهاي وهانغتشو وشنتشن توسعا ملحوظا في هذا النوع من الخدمات. ومع تطور المنصات الرقمية، أصبح حجز الحصص الرياضية واختيار المدربين أكثر سهولة من أي وقت مضى، الأمر الذي ساعد على انتقال هذه التجربة من نطاق محدود إلى ظاهرة آخذة في الانتشار في العديد من المدن الصينية. ولم تعد الخدمات المتاحة تقتصر على تدريبات اللياقة البدنية أو الإعداد للاختبارات الرياضية المدرسية، بل امتدت لتشمل طيفا واسعا من الأنشطة الرياضية، بدءا من كرة السلة وكرة القدم ووصولا إلى رياضات حديثة مثل البيكلبول والصحن الطائر.
وتشير بيانات إحدى المنصات المتخصصة إلى أن هذا النموذج بات حاضرا في أكثر من مائة مدينة صينية، فيما تجاوز عدد المدربين المسجلين ثلاثة آلاف مدرب محترف. وتتوسع أيضا قاعدة المستخدمين بوتيرة مستقرة، مدفوعة بالإقبال المتزايد على الخدمات الرياضية المرنة التي يمكن الحصول عليها في أي وقت تقريبا وفي أقرب ساحة مفتوحة إلى مكانك.
خدمة واحدة واحتياجات متعددة
مع اتساع انتشار خدمة الرياضة بالتوصيل، لم يعد الإقبال عليها مقتصرا على فئة عمرية محددة. فلكل شخص تقريبا هدفه الخاص؛ فهناك من يسعى إلى تحسين لياقته البدنية، وهناك من يستعد لاختبار مدرسي، فيما يسعى آخرون إلى إيجاد مساحة للحركة والتخفيف من ضغوط الحياة السريعة.
في مدينة تشونغشان بمقاطعة قوانغدونغ، كان لين يو، وهو طفل في العاشرة من عمره، يقضي معظم أوقات فراغه أمام الأجهزة الإلكترونية، الأمر الذي أدى إلى زيادة ملحوظة في وزنه. ولم تكن أسرته تتطلع إلى إنجازات رياضية أو نتائج تنافسية، بل كانت ترغب فقط في أن يتحرك أكثر ويستعيد نشاطه. وعندما سمع والداه عن خدمة "الرياضة بالتوصيل" التي بدأت تلقى رواجا متزايدا في المدينة، قررا تجربتها أملا في إيجاد وسيلة تشجعه على الحركة. ولهذا السبب، استعانت الأسرة بمدرب رياضي يشرف على حصص منتظمة تتناسب مع عمر لين يو وحالته البدنية. وكان المدرب خريج إحدى الكليات الرياضية المتخصصة ويتمتع بخبرة في العمل مع الأطفال. في البداية، كان الصبي يشعر بالإرهاق سريعا، لكن الأجواء التفاعلية التي جمعت بين التمارين والألعاب ساعدته على الاستمرار. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت الأسرة تلمس نتائج إيجابية فاقت توقعاتها. فبعد عدة أشهر، أصبح أكثر نشاطا وأقل تعلقا بالشاشات، بل صار يخرج أحيانا من تلقاء نفسه للعب الكرة أو ركوب الدراجة مع أصدقائه. وبالنسبة لوالديه، كان هذا التغيير أهم من أي رقم قد يظهر على الميزان.
أما تشن هاو، وهو طالب في الصف الثالث الإعدادي بمدينة هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ، فكان ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. فمع اقتراب موعد امتحان القبول للمرحلة الثانوية، بدأ يدرك أن الاستعداد للاختبار الرياضي لا يقل أهمية عن التحضير للمواد الدراسية الأخرى. لذلك، كان يتوجه في أمسيات عطلة نهاية الأسبوع إلى ملعب قريب من منزله، حيث كان مدربه في انتظاره. وهناك، لم تكن الحصص تقتصر على الجري أو تكرار التمارين البدنية فحسب، وإنما أيضا شملت تصحيح الحركات وتوزيع الجهد البدني والتعامل مع كل فقرة من فقرات الاختبار بطريقة علمية. وبالنسبة لتشن هاو، كانت تدريبات التحمل والوثب الطويل تتطلب قدرا من الصبر والمثابرة يفوق ما كان يتوقعه. ومع مرور الوقت، لم يقتصر التغيير على تحسن مستواه البدني فحسب، وإنما أيضا امتد إلى تعزيز ثقته بنفسه. فذلك الشاب الذي كان يشعر بالقلق كلما اقترب موعد الاختبار أصبح أكثر هدوءا وقدرة على مواجهة التحديات. وقال إن أكثر ما استفاد منه لم يكن مجرد اكتساب مهارة رياضية معينة، بل تعلم أهمية الالتزام والمثابرة وكيفية تحويل الأهداف الصغيرة إلى إنجازات متراكمة.
أما في شانغهاي، فقد وجدت لي نا، وهي شابة تعمل في إحدى شركات الاستثمار المالي، سببا مختلفا تماما للاستعانة بهذه الخدمة. فبين ساعات العمل الطويلة والاجتماعات المتلاحقة، كانت تجد صعوبة في الالتزام بمواعيد ثابتة داخل الصالات الرياضية، وكثيرا ما انتهى الأمر ببطاقات الاشتراك التي اشترتها إلى البقاء من دون استخدام فعلي. وعندما سمعت من إحدى صديقاتها عن خدمة "الرياضة بالتوصيل"، قررت أن تمنحها فرصة وتجربها بنفسها. وبعد ساعات متواصلة من الجلوس أمام شاشة الحاسوب ومتابعة التقارير، وصلت لي نا إلى ساحة رياضية قريبة من مقر عملها، حيث كانت المدربة قد سبقتها. وما إن بدأ التدريب حتى وجدت لي نا نفسها تنفصل تدريجيا عن ضغوط العمل وإيقاعه المتسارع. ولم تمض دقائق حتى حلت الحركة محل الجلوس الطويل أمام شاشة الحاسوب. قالت لي نا إن ما جذبها إلى هذا النوع من الخدمات لم يكن سهولة حجز المواعيد فحسب، وإنما أيضا قدرته على التكيف مع نمط حياتها المتغير. فبدلا من أن تبحث عن وقت لممارسة الرياضة وسط جدولها المزدحم، أصبحت الرياضة تجد لنفسها مكانا داخل يومها. وبالنسبة إليها، لا تمثل تلك الحصص مجرد وسيلة للمحافظة على النشاط البدني، بل لحظة قصيرة تستعيد فيها توازنها قبل أن تبدأ يوما جديدا.
شباب ينقلون شغفهم بالرياضة
لا ترتبط ظاهرة "الرياضة بالتوصيل" بالمستفيدين من الخدمة وحدهم، بل أتاحت أيضا لجيل جديد من الشباب فرصة تحويل شغفهم بالرياضة إلى عمل يومي يحمل قيمة اجتماعية واضحة.
في مدينة تشونغشان، يعد تشانغ جين ون واحدا من أوائل من خاضوا هذه التجربة. فبعد تخرجه في كلية قوانغتشو للرياضة، تعاون مع عدد من زملائه لإطلاق مشروع يقدم حصصا رياضية متنقلة داخل التجمعات السكنية. في البداية، اقتصر الأمر على عدد محدود من المتدربين الذين عرفوا الخدمة من خلال التوصيات الشخصية، لكن الإقبال أخذ يتزايد تدريجيا مع مرور الوقت. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق المشروع، أصبح الفريق يضم نحو خمسة عشر مدربا، منهم من يعمل بدوام كامل ومن يعمل بدوام جزئي، ويقدمون حصصا متنوعة للأطفال واليافعين وغيرهم من محبي الرياضة. وخلال فترات الذروة، ولا سيما في العطلة الصيفية، تمتلئ جداول المواعيد بطلبات الحجز، وهو ما يعكس تزايد الاهتمام بهذا النوع من الخدمات داخل المجتمع المحلي.
أما تشن يانغ، الطالب في جامعة بكين للرياضة، فقد وجد في "الرياضة بالتوصيل" فرصة مختلفة من نوع آخر. فبالنسبة إليه، لم تعد النظريات التي يتعلمها داخل قاعات الدراسة تقتصر على الكتب والمحاضرات، بل وجدت طريقها إلى الواقع من خلال الاحتكاك المباشر بالمتدربين. فحين يضع برنامجا تدريبيا لطفل يتطلب تحسين قدراته الحركية أو تعديل شدة التمارين وفقا لعمر المتدرب ومستواه البدني، يجد نفسه أمام أسئلة وتحديات لا يمكن الإجابة عنها نظريا فقط. ولذلك تحولت كل حصة بالنسبة له إلى مساحة للتعلم والتجربة في الوقت نفسه. قال تشن يانغ إن أكثر ما تعلمه من هذه التجربة هو كيفية التعامل مع الفروق الفردية بين الأشخاص. فحتى المتدربون الذين ينتمون إلى الفئة العمرية نفسها قد تختلف احتياجاتهم وأهدافهم بشكل كبير. ومن خلال هذه الخبرة الميدانية، بدأ ينظر إلى مهنة التدريب الرياضي بصورة أكثر عمقا، مدركا أن نجاح المدرب لا يعتمد على معرفته الرياضية فحسب، وإنما أيضا على قدرته على التواصل وفهم احتياجات الآخرين.
ومن ناحية أخرى، وجدت وانغ يويه، وهي مدربة رياضية شابة عملت لعدة سنوات في أحد مراكز اللياقة البدنية بمدينة شانغهاي، في "الرياضة بالتوصيل" تجربة مختلفة عما اعتادت عليه داخل القاعات الرياضية المغلقة. فبدلا من استقبال المتدربين في مكان واحد، أصبحت تتنقل بين التجمعات السكنية والساحات الرياضية المفتوحة، حيث يحمل كل يوم مشاهد وتجارب جديدة. ففي ساعات ما بعد الظهيرة، قد تشرف على حصة حركية مخصصة للأطفال داخل أحد التجمعات السكنية، بينما تنتقل في المساء إلى منطقة تجارية لتدريب موظفين شباب أنهوا يوم عملهم لتوهم. قالت إن تنوع الفئات التي تتعامل معها جعل عملها أكثر حيوية، إذ إن لكل شخص دوافعه الخاصة وأهدافه المختلفة. ومن خلال احتكاكها اليومي بالمتدربين، لاحظت وانغ يويه أن كثيرا من الشباب العاملين لا يفتقرون إلى الرغبة في ممارسة الرياضة بقدر ما يواجهون صعوبة في إيجاد الوقت المناسب لها. فبين ساعات العمل الطويلة والتنقل داخل المدن الكبرى، يصبح الالتزام ببرنامج تدريبي ثابت أمرا ليس سهلا دائما. ولهذا السبب، أتاحت لهم هذه الخدمة قدرا أكبر من المرونة، وجعلت ممارسة الرياضة أكثر انسجاما مع إيقاع حياتهم اليومية. وترى وانغ يويه أن مهمتها لا تقتصر على شرح التمارين أو متابعة الأداء البدني فحسب، وإنما أيضا تشمل مساعدة المتدربين على إيجاد مساحة للحركة وسط انشغالاتهم الكثيرة. وبالنسبة إليها، فإن أكثر اللحظات التي تمنحها شعورا بالرضا هي رؤية أشخاص كانوا يؤجلون ممارسة الرياضة باستمرار وهم ينجحون تدريجيا في جعلها جزءا ثابتا من حياتهم.
مع اقتراب المساء في كثير من المدن الصينية، لا يبدو مشهد المدربين وهم يحملون حقائبهم الرياضية متجهين إلى التجمعات السكنية أمرا استثنائيا كما كان قبل سنوات قليلة. ففي الساحات المفتوحة وبين المباني السكنية، تتقاطع يوميا قصص أشخاص جاؤوا لأسباب مختلفة، لكنهم يلتقون حول هدف واحد هو منح الحركة مساحة أكبر في حياتهم. وربما لهذا السبب تحديدا، وجدت "الرياضة بالتوصيل" مكانها في حياة كثيرين، ليس باعتبارها بديلا عن الرياضة التقليدية، بل كطريقة جديدة تجعلها أقرب إلى الناس وأكثر حضورا في تفاصيل يومهم العادي.
