رياضة < الرئيسية

تشاو شين تونغ.. صعود أحد أبرز وجوه السنوكر في الصين

: مشاركة
2026-05-25 16:09:00 الصين اليوم:Source نان بي باو:Author

في مواجهة بارزة ضمن بطولة العالم للسنوكر لعام 2026، احتضن مسرح كروسبل في مدينة شيفيلد البريطانية لقاء لافتا عرف بسباق "الديربي الصيني"، جمع بين تشاو شين تونغ ودينغ جيون هوي في الدور الـ16. ولم تكن هذه المباراة مجرد تنافس على بطاقة التأهل، بل مثلت محطة رمزية تعكس مسيرة تطور السنوكر في الصين وتلاقي جيلين من أبرز نجومه. اتسمت المواجهة منذ بدايتها بدرجة عالية من التوتر والتركيز، حيث تبادل اللاعبان السيطرة، وبرزت ملامح الصراع التكتيكي في معظم الجولات، وسط متابعة جماهيرية واسعة داخل الصين وخارجها. في السادس والعشرين من إبريل، دخل تشاو المرحلة الحاسمة متقدما بنتيجة 9 مقابل 7، ورغم نجاح دينغ في تقليص الفارق مستفيدا من خبرته، فإن تشاو تمكن من استعادة إيقاعه، وأحسن استغلال اللحظات الفاصلة، ليحسم اللقاء بنتيجة 13 مقابل 9 ويبلغ الدور ربع النهائي. وقد جسدت هذه المواجهة، بما حملته من تنافس واحترام متبادل، صورة حية لتقدم رياضة السنوكر في الصين، كما أبرزت بوضوح صعود تشاو شين تونغ بوصفه أحد أبرز وجوه الجيل الجديد، الساعي إلى ترسيخ حضوره على الساحة الدولية.

البدايات التي صنعت الحلم

لم تبدأ حكاية تشاو شين تونغ على طاولة السنوكر في قاعات البطولات الكبرى، بل من طاولة بلياردو بسيطة في ناد للبلياردو أسفل منزله في شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ، حيث أمسك العصا للمرة الأولى وهو في السابعة من عمره، بدافع الفضول الذي سرعان ما تحول إلى شغف عميق. وفي عام 2005، بدأ تدريبه بشكل جدي وهو في الثامنة من عمره، في عام مفصلي بالنسبة لرياضة السنوكر الصينية، إذ شهد تتويج دينغ جيون هوي بلقب بطولة الصين المفتوحة للسنوكر بعد فوزه على الأسطورة ستيفن هندري، ليصبح أول لاعب صيني يحرز لقبا في بطولات التصنيف. في ذلك السياق، بدأت ملامح حلم تشاو تتشكل، مستلهما مسار لاعب سبق أن فتح الأبواب أمام جيل كامل.

ولم تنظر أسرته إلى ممارسته للسنوكر بوصفها عائقا أمام دراسته، بل أبدت دعما واضحا وشجعت موهبته منذ وقت مبكر. ففي سن العاشرة، امتلك تشاو شين تونغ طاولته الخاصة في المنزل، حيث خصصت أسرته غرفة كاملة للتدريب، واستعانت بمدربين محترفين لمرافقته في بداياته. ومع تقدمه السريع في هذه الرياضة، والدعم الثابت من الأسرة، اتخذ تشاو شين تونغ قرارا حاسما بالتفرغ للتدريب وهو في سن الثانية عشرة، تحت إشراف المدرب وو ون تشونغ، أحد أبرز الأسماء في تدريب السنوكر في الصين، ليبدأ مرحلة جديدة من التكوين المنهجي.

في عام 2010، أعلن تشاو شين تونغ عن نفسه بقوة على الساحة المحلية، حين تألق في سلسلة بطولات الناشئين الصينية للسنوكر، فحقق المركز الثاني في فئة الشباب، قبل أن يحرز لقب بطولة شنتشن المفتوحة، مسجلا سلسلة مميزة بلغت 143 نقطة في شوط واحد، في إنجاز لفت أنظار الوسط الرياضي، حتى أطلق عليه آنذاك لقب "الفتى المعجزة".

ولم يتوقف زخم تقدم تشاو شين تونغ عند حدود البطولات المحلية، بل سرعان ما بدأ يخطو خطوات أكثر ثباتا نحو الساحة الأوسع. ففي عام 2012، حقق أول اختراق حقيقي له على طريق الاحتراف، عندما تمكن من بلوغ الأدوار النهائية في إحدى محطات جولة اللاعبين الآسيوية، ليحجز بذلك مكانه لأول مرة في الأدوار الرئيسية ضمن منافسات احترافية، في إشارة واضحة إلى قدرته على مجاراة مستويات أعلى من المنافسة. وفي صيف العام نفسه، جاءه استدعاء مهم يعكس مكانته المتنامية، حيث تم اختياره ضمن صفوف المنتخب الصيني للشباب للمشاركة في بطولة العالم للشباب (تحت 21 عاما). وكانت تلك المشاركة أول تجربة له في بطولة قارية للهواة، وقد فتحت أمامه آفاقا جديدة وجعلته يحتك بلاعبين من مدارس مختلفة، مما ساعده على توسيع رؤيته للعبة. وهكذا، ومع كل محطة، كان تشاو يقترب خطوة إضافية من عالم الاحتراف، محولا موهبته المبكرة إلى إنجازات ملموسة، وممهدا الطريق لمرحلة أكثر نضجا في مسيرته.

نحو آفاق الاحتراف العالمي

لم يكن انتقال تشاو شين تونغ إلى عالم الاحتراف خطوة سهلة أو مستقيمة، بل كان مسارا طويلا من التجربة والتعثر ثم النهوض. فبعد أن لمع اسمه في بطولات الشباب، بدأ يدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي في عالم السنوكر المحترف، حيث تختلف سرعة اللعب وقوة المنافسين وضغط البطولات الكبرى.

في موسم 2016- 2017، أصبح تشاو لاعبا محترفا، وخاض أولى مبارياته في بطولة ريغا ماسترز، حيث حقق فوزا بنتيجة 4 مقابل 3 على جيمس كاهيل. كان ذلك الفوز بداية رمزية، لكنه لم يلغ صعوبة الطريق. ففي المواسم الأولى، حقق بعض النتائج اللافتة، لكنه واجه أيضا هزائم مؤثرة، وكان عليه أن يتعلم كيف يتعامل مع عالم لا يرحم التردد ولا يمنح النجاح بسهولة.

وبعد أن مر بتقلبات في نتائجه خلال المنافسات، قرر تشاو أن يصقل موهبته في بيئة السنوكر الأكثر احترافا. كانت تجربة التدريب في بريطانيا مختلفة تماما؛ لغة جديدة وثقافة مختلفة وإيقاع يومي صارم. وقد تحدث لاحقا عن صعوبة البدايات هناك، لكنه لم يتوقف. كان يستيقظ مبكرا؛ يبدأ التدريب في التاسعة صباحا ثم يواصل بعد الظهر، قبل أن يذهب إلى صالة اللياقة البدنية. وبحسب ما قاله، كان يحافظ غالبا على ست ساعات تدريب على الأقل يوميا، مع تدريبات خاصة قبل البطولات المهمة.

هذا العمل الشاق بدأ يؤتي ثماره. بين عامي 2019 و2020، تحسنت نتائجه تدريجيا، فبلغ أدوارا متقدمة في عدد من البطولات، وارتفع ترتيبه العالمي إلى المركز التاسع والعشرين في نهاية موسم 2019- 2020. وفي عام 2021، سجل أعلى سلسلة في مسيرته حتى ذلك الوقت، بواقع 144 نقطة في دوري أبطال السنوكر، في إشارة جديدة إلى دقته الهجومية وقدرته على صناعة اللحظات الكبيرة.

لكن الانطلاقة الكبرى الحقيقية جاءت في بطولة المملكة المتحدة عام 2021. هناك، في مدينة يورك، لعب تشاو واحدة من أهم بطولات حياته. دخل المنافسات بلا ضجيج كبير، لكنه خرج منها حاملا للقب. في النهائي، واجه البلجيكي لوكا بريسيل، وقدم أداء واثقا جمع بين الجرأة والدقة والهدوء، ليسجل سلسلة مائة نقطة وست سلاسل فوق الخمسين، ويفوز بنتيجة 10 مقابل 5. بذلك، أحرز أول لقب له في بطولات التصنيف وأول كأس له في البطولات الثلاث الكبرى، كما أصبح أول لاعب من جيل التسعينيات يحقق لقبا في هذه البطولات. لم يكن ذلك اللقب مجرد انتصار شخصي، فقد جعله ثالث لاعب صيني يحرز إحدى البطولات الثلاث الكبرى بعد دينغ جيون هوي ويان بينغ تاو، وقفز بترتيبه العالمي إلى المركز التاسع. ومن لاعب عانى الهبوط وفقدان الثقة في بداياته، تحول تشاو إلى أحد أبرز الأسماء الصاعدة في السنوكر العالمي.

مع ذلك، لم يتعامل مع النجاح بوصفه نهاية الطريق. فقد أدرك تشاو شين تونغ أن أسلوبه الهجومي، رغم جماله وقوته، يحتاج إلى مزيد من الصبر والدقة الدفاعية. وكان كثيرا ما يشير إلى أن الفوز في بطولة المملكة المتحدة منحه ثقة أكبر، لكنه في الوقت نفسه كشف له أن الطريق نحو القمة لا يزال يحتاج إلى عمل طويل.

وفي مطلع عام 2022، واصل تشاو تأكيد حضوره. فبعد مشاركته الأولى في بطولة الماسترز، بلغ نهائي بطولة ألمانيا، ثم حقق لقبه الثاني في بطولات التصنيف بعد فوز كاسح على يان بينغ تاو بنتيجة 9 مقابل صفر، ليرتقي لاحقا إلى المركز الثامن عالميا، ثم أنهى موسم 2021- 2022 في المركز السادس، وهو أعلى ترتيب في مسيرته حتى ذلك الوقت.

هكذا، لم تصنع نجاحات تشاو شين تونغ من لحظات التألق وحدها، بل من الهزائم التي أعادت تشكيله، ومن الغربة التي صقلت عزيمته، ومن التدريب اليومي الذي حول الموهبة المبكرة إلى قوة حقيقية على الطاولة. ومن هنا، أصبح صعوده أكثر إقناعا، لأنه لم يكن طريقا بلا عقبات، بل رحلة لاعب تعلم أن الفوز الكبير يبدأ غالبا من القدرة على النهوض بعد الخسارة.

زخم متواصل يفضي إلى تحقيق اختراق تاريخي

في مرحلة جديدة من مسيرته، عاد تشاو شين تونغ إلى المنافسات بزخم استثنائي، مؤكدا أن تطوره لم يكن مجرد ومضة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من العمل والتراكم. فقد فرض حضوره سريعا في بطولات كيو تور الأوروبية، محققا سلسلة من الألقاب المتتالية، ومقدما أداء هجوميا عالي الدقة، توج بتسجيل ضربات كاملة، في مؤشر واضح لجاهزيته للعودة إلى أعلى مستويات المنافسة.

وقد تجلى هذا الزخم بشكل واضح في بطولة العالم للسنوكر عام 2025، حيث خاض تشاو شين تونغ واحدة من أكثر المسيرات إثارة في تاريخ البطولة. فقد بدأ مشواره من الأدوار التأهيلية، واضطر إلى خوض أربع مواجهات متتالية ليحجز مكانه بين نخبة اللاعبين في الدور الرئيسي. ومع كل جولة، كان أداؤه يزداد ثباتا وثقة، متجاوزا منافسين أقوياء، ومظهرا قدرة لافتة على التحكم في إيقاع اللعب تحت الضغط.

وفي الدور نصف النهائي، واجه أسطورة السنوكر، الإنجليزي روني أوسوليفان، المتوج باللقب سبع مرات. قدم تشاو شين تونغ أداء استثنائيا توج بفوز كبير بنتيجة 17 مقابل 7، في مباراة عكست نضجه الفني وقوة حضوره الذهني في المواجهات الكبرى. هذا الانتصار لم يكن مجرد عبور إلى النهائي، بل إعلانا واضحا عن جاهزيته الحقيقية للمنافسة على اللقب. أما النهائي، فقد حمل طابعا خاصا، حيث واجه البريطاني المخضرم مارك ويليامز، بطل العالم ثلاث مرات، في مواجهة جمعت بين جيلين. ومع انطلاق المباراة، فرض تشاو أسلوبه سريعا، متقدما بفارق كبير في المراحل الأولى، قبل أن يوسع الفارق تدريجيا بفضل دقته العالية في الضربات الطويلة وقدرته على استثمار الفرص، ليضع نفسه على أعتاب التتويج باللقب. وفي اللحظة الحاسمة، حافظ على هدوئه، ليحسم اللقاء بنتيجة 18 مقابل 12، ويحقق انتصارا تاريخيا بكل المقاييس.

عقب الفوز، ظهر تشاو شين تونغ وهو يلف العلم الصيني حول كتفيه، رافعا كأس البطولة التي تمثل أعلى درجات المجد في عالم السنوكر، في مشهد حمل دلالات رمزية تتجاوز حدود الإنجاز الفردي. فقد أصبح أول لاعب صيني وآسيوي يعتلي منصة التتويج في هذه البطولة العريقة، فاتحا بذلك صفحة جديدة في تاريخ السنوكر في الصين. فقد كان دينغ جيون هوي، لسنوات طويلة، الأقرب إلى تحقيق هذا الحلم، خاصة عندما بلغ النهائي في عام 2016، ليحقق آنذاك أفضل نتيجة للاعب صيني في تاريخ البطولة. واليوم، يأتي إنجاز تشاو ليكمل هذا المسار، ليس كقطيعة مع الماضي، بل كامتداد طبيعي له، وتحويلا لذلك الحلم الذي راود أجيالا من اللاعبين إلى واقع ملموس.

واصل تشاو شين تونغ زخمه الهجومي منذ مطلع عام 2026 من خلال إنجازات ملموسة، ففي فبراير، توج بلقب بطولة العالم للجائزة الكبرى ليصبح أول لاعب صيني يحرز هذا اللقب. ولم تمض أشهر قليلة حتى عاد ليؤكد تفوقه، بإحرازه لقب بطولة الجولة العالمية في إبريل بعد فوزه على جود ترامب بنتيجة 10 مقابل 3، وهو اللقب الرابع له في الموسم والسابع في مسيرته الاحترافية. وتعكس هذه النتائج قدرة تشاو على تحويل الزخم إلى إنجازات متواصلة، وترسيخ حضوره بين نخبة لاعبي السنوكر عالميا.

وهكذا، تعود الحكاية إلى تلك المواجهة التي افتتحت المشهد، "الديربي الصيني" بين تشاو شين تونغ ومواطنه دينغ جيون هوي، والتي لم تكن مجرد مباراة، بل صورة مكثفة لمسار السنوكر في الصين، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتتواصل الأجيال على طاولة واحدة.

واليوم، لم يعد هذا المشهد مقتصرا على اسمين فقط، بل باتت الساحة تشهد بروز مجموعة من اللاعبين الشبان مثل وو يي تسه، بطل العالم الجديد للسنوكر لعام 2026 وسي جيا هوي وغيرهما، ممن يواصلون توسيع حضور الصين في هذه الرياضة. ومع ذلك، يبقى تشاو شين تونغ واحدا من أهم الوجوه في هذه المرحلة، بوصفه نموذجا للاعب جمع بين الموهبة والعمل، وحول الطموح إلى إنجاز. وبين جيل فتح الطريق، وآخر يواصل السير عليه، تتشكل ملامح مرحلة جديدة للسنوكر في الصين، مرحلة لا تقوم على حلم فردي، بل على حضور جماعي يتجه بثبات نحو القمة.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4