رياضة < الرئيسية

ملامح جديدة للرياضات الخارجية بين الشباب الصينيين

: مشاركة
2026-04-21 11:08:00 الصين اليوم:Source نان بي باو:Author

مع حلول الربيع، تستيقظ الطبيعة من سباتها وتتفتح الأزهار تحت ضوء شمس أكثر دفئا، ويبدأ كثير من الناس في الخروج من الشتاء الرتيب إلى فضاء أكثر اتساعا وحيوية. في الحدائق وعلى أطراف المدن وعلى امتداد الجبال وضفاف الأنهار، تتجدد الرغبة في الاقتراب من الطبيعة، ليس لمجرد التأمل، بل لاستعادة الإحساس بالحركة والتنفس بإيقاع مختلف، والشعور بالحياة خارج الجدران المغلقة. لكن هذا الاقتراب لم يعد يكتفي بالأساليب التقليدية للأنشطة الخارجية، إذ يتنامى بين الشباب الصينيين، ميل واضح إلى البحث عن تجارب أكثر تنوعا وانفتاحا. ومن ثم، لم تعد الرياضات الخارجية مجرد وسيلة للاسترخاء، بل تحولت تدريجيا إلى مساحة لاختبار الجسد وكسر الرتابة، واكتشاف إمكانات جديدة في قلب المشهد الطبيعي.

الجري في المسارات الجبلية.. خطوات تتجاوز حدود المدينة نحو فضاءات أوسع من الحرية والحيوية

في السنوات الأخيرة، أخذت رياضة الجري في المسارات الجبلية تبرز كإحدى أكثر الأنشطة الخارجية حيوية وانتشارا في الصين. وفقا لبيانات الرابطة الدولية للعدو الريفي، تعد الصين من بين الدول الأسرع نموا في عدد المشاركين في رياضة الجري في المسارات الجبلية، حيث ازداد العدد بنحو مائتي ألف منذ عام 2013. يقوم هذا النوع من الرياضة على الجري عبر تضاريس طبيعية متنوعة، تشمل المرتفعات والغابات والمسالك غير المعبدة، حيث يندمج الجهد البدني مع مهارات التوجيه والقدرة على التكيف مع البيئة. وبهذا المعنى، لا يمثل الجري في الجبال مجرد نشاط رياضي تقليدي، بل تجربة متكاملة تتداخل فيها الحركة مع الاكتشاف والتفاعل المباشر مع الطبيعة.

على الصعيد البدني، يسهم ذلك في تعزيز كفاءة القلب والجهاز التنفسي بشكل ملحوظ، نظرا لتغير الإيقاع بين الصعود والانحدار، وما يرافقه من توزيع ديناميكي للجهد. كما يعمل على تنشيط مجموعات عضلية متعددة، خاصة في الجزء السفلي من الجسم ومنطقة الجذع، إلى جانب تحسين التوازن الحركي والقدرة على التحكم في الحركة فوق الأسطح غير المستوية. ويساعد هذا التنوع في الجهد على رفع قدرة التحمل وتحفيز عمليات الأيض، مما يجعله خيارا فعالا للمحافظة على اللياقة الشاملة.

أما من الناحية النفسية، فيوفر الجري في البيئات الطبيعية فضاء مختلفا يتيح الابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية. فعندما يكون المرء في محيط مفتوح، بعيدا عن الضجيج الحضري، فإن ذلك يسهم في تهدئة العقل واستعادة الصفاء الداخلي. كما أن مواجهة التحديات المرتبطة بطول المسافة وصعوبة المسار تعزز الإحساس بالإنجاز وتدعم الثقة بالنفس، وهو ما يمنح هذه الرياضة بعدا يتجاوز الجانب الجسدي ليشمل تنمية القدرة الذهنية والمرونة النفسية.

هذه الفوائد ليست مجرد توصيف عام، بل تنعكس بشكل ملموس في حياة من يسعون إلى التخفيف من ضغوطهم اليومية. في بكين، حيث تتسارع وتيرة الحياة اليومية، تعمل قاو شان مهندسة برمجيات في إحدى الشركات الكبيرة، تقضي معظم وقتها أمام شاشة الكمبيوتر تحت ضغط مستمر. ومع تزايد أعباء العمل، بدأت تبحث عن وسيلة تساعدها على تحقيق قدر من التوازن بين الجهد الذهني والراحة النفسية. بتوصية من أحد أصدقائها، تعرفت على الجري في المسارات الجبلية فوجدت في هذه الرياضة ما لم توفره لها الأنشطة التقليدية. بدأت رحلتها من جبل شيانغشان (الجبل العطري) في حي هايديان ببكين، ثم واصلت استكشاف مسارات أقدم، مثل طريق جينغشي التاريخي في حي منتوقو بغربي بكين. ومع كل تجربة جديدة، لم يعد الأمر مجرد تمرين بدني، بل تحول إلى فرصة لاستكشاف أماكن مختلفة واستعادة الإحساس بالحركة خارج حدود المدينة.

وترى قاو شان أن الإقبال المتزايد على هذا النوع من الرياضة بين الشباب لا يرجع إلى عامل واحد، بل إلى متداخلة عدة عناصر. فالجري في الجبال يفتح أمام المشاركين آفاقا غير مألوفة ويحول الجري إلى تجربة تجمع بين النشاط البدني وروح الاستكشاف، مما يضفي عليه طابعا أكثر تشويقا. وفي الوقت نفسه، يتيح هذا النشاط مجالات واسعة للتواصل، حيث يحرص الممارسون على مشاركة تجاربهم عبر منصات التواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات حول المسارات والمعدات، بل وتشكيل مجموعات تمارس هذا النشاط بشكل جماعي.

قاو شان واحدة من بين عدد متزايد من ممارسي الجري في المسارات الجبلية في الصين، الذين يعكسون تحولا أوسع في أنماط الحياة. فلم يعد هذا النشاط مجرد رياضة محدودة النطاق، بل أصبح خيارا يعبر عن أسلوب حياة جديد يتبناه كثير من الشباب الصينيين. في رحابة الطبيعة، يجد المشاركون فرصة لإعادة تنظيم نمط حياتهم وتحقيق قدر من التوازن بين العمل والحياة، والانطلاق بخطوات تتجاوز حدود المدينة نحو فضاءات أكثر انفتاحا وحيوية.

"فيا فيراتا".. تجربة تسلق تجمع بين التقنية وروح التحدي

تعد البيئات الجبلية من الفضاءات الطبيعية التي توفر ظروفا مثالية لممارسة أنماط جديدة من الرياضات الخارجية. ومع تطور مفاهيم الأنشطة في الهواء الطلق في الصين، لم يعد التفاعل مع هذه التضاريس يقتصر على المشاهدة، بل أخذ يتجه نحو المشاركة المباشرة، من خلال أنشطة تتطلب الحركة والتحدي والاندماج مع الطبيعة. وفي هذا السياق، تبرز رياضة "فيا فيراتا" كأحد أشكال التسلق التي تجمع بين التقنية والجرأة في آن واحد.

ويشير هذا المصطلح، ذو الأصل الإيطالي، إلى نمط من التسلق يعتمد على استخدام تجهيزات مثبتة على الصخور، مثل الكابلات المعدنية والدعامات، بما يتيح للمشاركين التحرك عبر الجدران الصخرية بأمان نسبي. ويختلف هذا الأسلوب عن التسلق التقليدي، إذ يفتح المجال أمام فئات أوسع لخوض تجربة التسلق، من دون الحاجة إلى مستوى احترافي عال، مع المحافظة على عنصر التحدي المرتبط بالطبيعة الجبلية.

لا تقتصر فوائد "فيا فيراتا" على الجوانب البدنية أو التجربة النفسية المباشرة، بل تمتد لتشمل تنمية قدرات إدراكية وسلوكية لدى المشاركين. ففي أثناء التسلق، يضطر الفرد إلى تحديد المسار أمامه بشكل مستمر، وتقدير المسافات والزوايا واتخاذ قرارات سريعة في بيئة متغيرة، مما يعزز مهارات التركيز والتحليل اللحظي. كما أن التعامل مع الارتفاعات يسهم في بناء وعي أكبر بالمخاطر، ويعلم المشاركين كيفية التحكم في ردود أفعالهم تحت الضغط.

ومن جهة أخرى، يفتح هذا النشاط المجال أمام تجربة حسية مختلفة، حيث يصبح التفاعل مع الصخور والهواء والارتفاع جزءا من الإدراك المباشر، لا مجرد خلفية للمشهد. فمع كل حركة، يشعر المشارك بتغير الإيقاع من حوله، سواء في سرعة التنفس أو في إدراك المسافة والفراغ، وهو ما يمنح التجربة طابعا حيا ومتكاملا.

وفي الصين، لم يعد التسلق عبر "فيا فيراتا" نشاطا منعزلا، بل بدأ يتشكل ضمن مشهد أوسع من الممارسات الجبلية التي تستقطب أعدادا متزايدة من المهتمين. ففي مناطق مختلفة، ظهرت مسارات تعتمد على خصائص التضاريس المحلية، لتقدم تجارب متنوعة من حيث الارتفاع وطبيعة التحدي. ومن بين هذه النماذج، يبرز المسار على جبل تشيشينغ في مدينة تشانغجياجيه بمقاطعة هونان، الذي يعد من أشهر المواقع التي توفر تجربة تسلق عمودية على ارتفاعات كبيرة. ويمتد هذا المسار على طول ألف ومائتي متر تقريبا، مع فارق ارتفاع يتجاوز ألف متر، حيث يبدأ التسلق من حافة صخرية معلقة على ارتفاع نحو ألف وأربعمائة متر فوق سطح البحر، مما يضع المشاركين في مواجهة مباشرة مع فضاء مفتوح شديد الانكشاف. ويشكل القطاع المعروف بـ"سلم السماء" أحد أبرز عناصر التحدي، إذ يبلغ طوله نحو مائة وثمانية وستين مترا بزاوية ميل تصل إلى إحدى وخمسين درجة، وهو ما يعادل ارتفاع مبنى مكون من ستة وخمسين طابقا، الأمر الذي يتطلب تحكما دقيقا في توزيع الوزن وثباتا مستمرا في الحركة. ولا يكمن التحدي في هذا النوع من المسارات في تجاوز كل قطاع على حدة فحسب، بل في المحافظة على إيقاع ثابت للتقدم عبر مراحل متفاوتة الصعوبة، حيث يتحول التسلق إلى عملية تراكمية تتطلب قدرة مستمرة على التكيف مع تغيرات المسار.

تسلق المجاري المائية.. اكتشاف يتشكل بين تدفق الماء وتحولات المسار

في السنوات الأخيرة، برزت رياضة تسلق المجاري المائية كأحد أكثر الأنشطة الخارجية تنوعا في الصين. ويعرف هذا النشاط أيضا في بعض السياقات باسم "التتبع العكسي للمياه"، إذ يقوم على التقدم داخل المجاري المائية الجبلية في اتجاه معاكس لجريان الماء، صعودا نحو المنابع، وليس السير مع تيار الماء كما هو الحال في بعض الأنشطة المائية الأخرى. وبهذا المعنى، فهو لا يندرج ضمن المشي في الطبيعة فحسب، بل يقترب من أساليب الحركة الجبلية التي تجمع بين الاستكشاف والجهد البدني والتعامل المباشر مع التضاريس المتغيرة. وعلى هذا، تتسم هذه الممارسة بطابع تركيبي، إذ تقوم على توظيف مجموعة من التقنيات ضمن سياق واحد. ففي أثناء التقدم، قد يضطر المشاركون إلى الانتقال بين أنماط مختلفة من الحركة، تشمل السير فوق أسطح غير مستقرة والعبور داخل المياه وتسلق مقاطع صخرية قصيرة، أو استخدام وسائل مساعدة عند مواجهة عوائق أكثر تعقيدا. كما أن مواجهة عناصر مثل تيارات الماء السريعة والأحواض العميقة والانحدارات المائية، تضفي على هذا النشاط بعد تحد واضحا.

وعلى الرغم من أن متطلبات التجهيز لا تخضع لنموذج موحد، فإن طبيعة البيئات التي تمارس فيها هذه الرياضة تستدعي الاستعانة ببعض الأدوات عند الحاجة، خاصة في القطاعات التي تتطلب دعما إضافيا لضمان استمرارية التقدم. كما أن اختلاف تكوينات الأودية من منطقة إلى أخرى يؤدي إلى تنوع في أساليب الحركة ووسائل التعامل مع المسار، وهو ما يمنح هذه الممارسة طابعا متغيرا ويجعلها مفتوحة على أشكال متعددة من الممارسة.

ومع ازدياد الإقبال على رياضة تسلق المجاري المائية، بدأت تظهر فعاليات متنوعة تتيح للمشاركين خوض هذه التجربة في إطار منظم، حيث لا يقتصر الحضور على الممارسة الفردية، بل يمتد إلى أشكال تجمع بين الحركة والتجربة المشتركة. ومن خلال هذه الأنشطة، يجد المشاركون فرصة لاكتشاف خصوصية هذا النوع من الرياضة، وما تحمله من تفاعل مباشر مع التضاريس الجبلية والمجاري المائية. ومن بين هذه النماذج، يبرز سباق تحدي تسلق المجاري المائية والعدو الجبلي في وادي شيتسي بمدينة تونغلو في مقاطعة تشجيانغ، الذي انطلق لأول مرة في عام 2023، قبل أن يتوسع خلال فترة قصيرة ليصل في نسخته الثالثة عام 2025 ليضم نحو ألفين وخمسمائة مشارك. لا يعكس هذا النمو السريع اتساع قاعدة المهتمين فحسب، وإنما أيضا يبرز جاذبية هذا النوع من السباقات التي تقوم على تنويع مستويات التحدي.

في نسخة عام 2025 من السباق، تم إعداد أربع فئات رئيسية لمسافة مائة كيلومتر، وستين كيلومترا، وخمسة وأربعين كيلومترا، وعشرين كيلومترا على التوالي. ويربط مسار السباق بين الوادي وقرية قديمة ومنطقة المناظر الطبيعية، إلى جانب عدد من المواقع الثقافية الأخرى. وتتجاوز نسبة الغطاء النباتي على طول المسار 90%، مما يجعل الجري أشبه بالتحرك داخل "ممر أخضر طبيعي". ويتكون المسار من مزيج متنوع يشمل الطرق الحصوية وقطاعات تسلق المجاري المائية والمسارات الجبلية داخل الغابات، حيث يحافظ هذا التنوع على الطابع الأصلي للعدو الجبلي، وفي الوقت نفسه يسهم في تحسين سلامة المسار من خلال تصميمه المنظم، بما يتيح لمختلف مستويات المشاركين خوض التحدي وفق قدراتهم والاستمتاع بتجربة ملائمة لكل منهم. بعد السباق، قالت المتسابقة ماو لي تسي، الفائزة بالمركز الأول في فئة عشرين كيلومترا للنساء، إن المسار يتميز بطابع فريد من نوعه، موضحة أن أرضية السباق مكونة في معظمها من صخور كبيرة وحصوات مستديرة، وهو ما يضع التوازن الدقيق على المحك، لكن هذا الطابع الطبيعي الخام هو بالضبط ما يجذب عدائي المسافات الجبلية.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول الفضاءات الطبيعية إلى ساحات مفتوحة تنبض بالحركة، يقبل عليها الشباب بحثا عن إيقاع أكثر حيوية خارج روتين الحياة اليومية. وسواء كان ذلك عبر الجري في المسارات الجبلية أو تسلق "فيا فيراتا" أو تسلق المجاري المائية، فإن هذه الممارسات تمثل طرقا مختلفة لاستكشاف الطبيعة والتفاعل معها. ومع تطور هذا الاتجاه، من المتوقع أن تظهر أشكال جديدة من الأنشطة الخارجية، تفتح آفاقا أوسع للحركة وتعمق سبل التواصل مع البيئة الطبيعية.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4