رياضة < الرئيسية

الصينيون يتألقون في أولمبياد ميلانو- كورتينا 2026

: مشاركة
2026-03-20 17:27:00 الصين اليوم:Source نان بي باو:Author

برغم مرور أربعة أعوام على أولمبياد بكين الشتوية، لم يخفت وهجها مع انطفاء الشعلة الأولمبية، بل تحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في مسيرة رياضات الشتاء الصينية. في أولمبياد ميلانو- كورتينا التي أقيمت في الفترة من السادس إلى الثاني والعشرين من فبراير 2026 بالتوقيت المحلي، شارك الوفد الصيني بثقة أكبر وخبرة أعمق، محققا أداء لافتا في عدد من المنافسات، ومؤكدا استمرار الزخم الذي تكرس في بكين. وقد أحرز الوفد الصيني في هذه الدورة خمس ميداليات ذهبية وأربع ميداليات فضية وست ميداليات برونزية، مسجلا بذلك أفضل حصيلة له في تاريخ مشاركاته في الألعاب الأولمبية الشتوية خارج الأراضي الصينية، في مشهد يعكس تراكما مدروسا للجهود وتقدما متدرجا نحو مستويات أعلى من التنافسية.

إنجازات صنعت التاريخ

في خضم المنافسات المحتدمة في أولمبياد ميلانو- كورتينا الشتوية، لم تختزل قصة الوفد الصيني في الأرقام وحدها، بل تجسدت في لحظات حاسمة ارتبطت بأسماء بعينها. ففي مواقف الضغط القصوى، برزت شخصيات قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة، وعلى إعادة رسم ملامح المنافسة في لحظة واحدة.

في مقدمة هؤلاء برز سو يي مينغ، الذي أهدى الصين أول ميدالية ذهبية لها في هذه الدورة الأولمبية الشتوية في نهائي سباق التزلج اللوحي الحر على المنحدرات للرجال، في الثامن عشر من فبراير، مثبتا أن البطولة لا تحسم بالموهبة وحدها، بل بالصبر والاجتهاد في التدريب والثبات تحت الضغط. استهل سو محاولاته الأولى بنتيجة 41ر82 نقطة، واضعا نفسه في صدارة الترتيب منذ البداية. وفي الجولتين التاليتين سجل 90ر79 و18ر82 نقطة على التوالي، ليكون المتسابق الوحيد الذي أنهى محاولاته الثلاث من دون سقوط أو خطأ حاسم. وقد حسم اللقب بفضل أعلى نتيجة حققها، ليصادف تتويجه يوم عيد ميلاده الثاني والعشرين، في لحظة حملت بعدا شخصيا خاصا ومنحت الوفد الصيني دفعة معنوية مهمة في مشاركته في هذه الدورة من الأولمبياد الشتوية. وقبل تتويجه بالميدالية الذهبية، كان سو يي مينغ قد افتتح رصيد الصين في هذه الدورة بحصوله على الميدالية البرونزية في سباق الهواء الكبير في الثامن من فبراير، بعدما جمع 50ر168 نقطة في المجموع.  

ومن بين اللحظات الفارقة خلال هذه الدورة، جاءت مشاركة قو آي لينغ لتجسد معنى المهارات والتنوع في آن واحد. ففي نهائي سباق التزلج الحر داخل نصف أنبوب للسيدات، الذي أقيم في الثاني والعشرين من فبراير، بعد أن تأجل بسبب سوء الأحوال الجوية، بدأت الجولة الأولى بنتيجة 30 نقطة فقط إثر خطأ في الهبوط، لتتراجع مؤقتا في الترتيب. غير أنها سرعان ما استعادت تركيزها، وفي الجولة الثانية سجلت 94 نقطة بحركات عالية الصعوبة، قبل أن تعزز تقدمها في الجولة الثالثة بنتيجة 75ر94 نقطة، لتفوز بالميدالية الذهبية وتمنح الصين خامس ذهبياتها في الدورة.  ولم يتوقف حضورها عند هذا الإنجاز، إذ ظهر تألقها في منافسات التزلج الحر على المنحدرات للسيدات، حيث أحرزت الميدالية الفضية بنتيجة 58ر86 نقطة. كما أضافت ميدالية فضية أخرى في مسابقة الهواء الكبير بمجموع 179 نقطة، رغم تداخل البرنامج الزمني وتقليص فترات التدريب. وبهذه الحصيلة اللافتة، رفعت قو آي لينغ رصيدها الأولمبي إلى ست ميداليات في ست مشاركات خلال دورتين من الألعاب الشتوية، محافظة على حضور كامل على منصة التتويج، لترسخ مكانتها كأكثر لاعبات التزلج الحر تتويجا بالميداليات.

غير أن الدلالة الأوسع لم تقتصر على إنجاز فردي، بل تمثلت في اتساع القاعدة التنافسية للوفد الصيني. فقد أحرزت اللاعبة الصينية لي فانغ هوي الميدالية الفضية في منافسات نصف الأنبوب لفئة التزلج الحر للسيدات بنتيجة 93 نقطة، مؤكدة دخولها مصاف النخبة العالمية. كما نجح العديد من المتزلجين والمتزلجات الصينيين في بلوغ النهائيات في أكثر من فئة، مما يعكس انتقال الرياضات الثلجية الصينية من الاعتماد على اسم واحد إلى بناء منظومة قادرة على المنافسة الجماعية المستدامة.

الصمود يتغلب على التحديات

لم تكن هذه الميداليات وليدة لحظة عابرة، بل ثمرة سنوات من الإصرار والعودة بعد التعثر. فعلى المنصات الأولمبية، وقف رياضيون خاضوا دورات متعددة، عرفوا الخيبة كما عرفوا المجد، لكنهم اختاروا الاستمرار حتى بلغوا القمة.

في مسابقة القفزات الهوائية، سجل كل من شيوي منغ تاو ووانغ شين دي صفحة خاصة في تاريخ الألعاب الأولمبية الشتوية، إذ أصبحا أول زوجين يحرزان ميداليتين ذهبيتين فرديتين في نفس الفئة في تاريخ الألعاب الأولمبية الشتوية. وإلى جانب ذلك، عاد الثنائي مع المتزلج الصيني الآخر لي تيان ما ليصعدوا معا إلى منصة التتويج في مسابقة الفرق المختلطة، محرزين الميدالية البرونزية.

 بالنسبة إلى شيوي منغ تاو، شكلت هذه الدورة محطتها الأولمبية الخامسة في مسيرة امتدت لسنوات طويلة، تخللتها إصابات متكررة في الركبتين وعدة عمليات جراحية كبيرة أعادتها أكثر من مرة إلى نقطة البداية. وبعد أن توجت بالميدالية الذهبية في أولمبياد بكين الشتوية عام 2022، لم تعتبر ذلك الإنجاز خاتمة طبيعية لمسيرتها؛ فبعد تفكير متأن وتجارب في مجالات مختلفة خارج المنافسة، قررت الاستمرار والسعي للدفاع عن اللقب في دورة جديدة أكثر تنافسا. وقد استلزم الطريق إلى الأولمبياد إدارة دقيقة للحمل التدريبي، والمحافظة على الاستقرار البدني، مع تطوير التفاصيل الفنية من دون المخاطرة بتفاقم الإصابات السابقة. في هذا السياق، كان حضور وانغ شين دي إلى جانبها عاملا داعما مهما، من خلال تبادل الخبرة اليومية والتشجيع المتبادل في فترات الضغط، لتصبح عودتها إلى القمة ثمرة سلسلة متراكمة من الانضباط والالتزام المهني عبر سنوات طويلة.

وفي الوقت نفسه، جسد وانغ شين دي معنى الصمود بطريقته أيضا. ففي مشاركته الأولمبية الثالثة هذا العام، بدا أكثر نضجا وهدوءا. وكان الإخفاق في الدورتين السابقتين في أولمبياد بيونغ تشانغ الشتوية وأولمبياد بكين الشتوية، إلى جانب فترة التعافي الطويلة من إصابة في الركبة، اختبارا قاسيا لمسيرته، لكنه اختار المواصلة بدلا من التراجع. فطور أسلوبه التدريبي، وركز على رفع ثبات الحركات ذات الصعوبة العالية حتى أصبحت جزءا راسخا من أدائه التنافسي. ومع اقتراب أولمبياد ميلانو- كورتينا الشتوية، كانت نتائجه المتصاعدة في محطات كأس العالم تعكس تحولا تدريجيا في مستواه وثقته بنفسه.

في لحظة الحسم في السباق النهائي للقفزات الهوائية للرجال، قدم وانغ شين دي قفزة متكاملة نال بها 60ر132 نقطة، ليحول سنوات الانتظار والعمل المتواصل إلى واقع ملموس على منصة التتويج. وقبل أيام قليلة كانت زوجته شيوي منغ تاو قد اعتلت القمة، وقد شكل حضورها وخبرتها في التعامل مع ضغط النهائيات سندا معنويا مهما له. تبادلا النقاش حول التفاصيل الفنية، وتقاسما لحظات التوتر قبل الانطلاق، ثم راجعا الأداء بهدوء بعد الهبوط. هكذا تحول الدعم المتبادل بينهما إلى قوة داخلية عززت ثقته بنفسه، ومهدت لتلك القفزة التي اختزلت مسارا طويلا من الإصرار والثبات.

وفي سباق التزلج السريع، شهد نينغ تشونغ يان مسيرة صعود لم تكن خالية من العثرات. ففي أولمبياد بكين الشتوية 2022، لم تكن نتائجه في سباقي 1000 متر و1500 متر على قدر طموحه، وغادر المنافسات بإحساس ثقيل تحت ضغط التوقعات المحلية. إلا أن تلك التجربة لم تتحول إلى قيد، بل أصبحت حافزا لإعادة البناء. وخلال السنوات الأربع التي تلت أولمبياد بكين، اختار نينغ تشونغ يان أن يواجه خيبته بالصبر والعمل الصامت، فسافر إلى الخارج، وانضم إلى فريق دولي محترف، وخضع لتدريبات قاسية بعيدا عن الأضواء. هناك، في عزلة شبه كاملة، حول الضغط إلى دافع، وصقل تفاصيل سباقه بدقة حتى أصبح أكثر نضجا وثباتا في اللحظات الحاسمة.

وفي التاسع عشر من فبراير، حول نينغ تشونغ يان سنوات الصبر والعمل المتراكم إلى إنجاز تاريخي في سباق التزلج السريع لمسافة 1500 متر، حيث سجل زمنا قدره دقيقة و98ر41 ثانية، محطما الرقم الأولمبي، ومتفوقا على أبرز المرشحين للقب. ولم يكن هذا الفوز مجرد ميدالية ذهبية جديدة، بل إنهاء لاحتكار الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية دام 102 عام، حيث كانت جميع الميداليات الذهبية الست والعشرين السابقة منذ عام 1924 قد ذهبت إلى متزلجين من تلك الدول، ليعيد نينغ رسم معالم المنافسة في واحدة من أكثر سباقات الجليد رسوخا في تقاليدها.

الميداليات، مهما بلغت قيمتها، ليست المقياس الوحيد لما يقدمه الرياضيون في ساحات التنافس؛ فبعض اللحظات الأكثر صدقا جاءت من أولئك الذين واصلوا الحلم حتى من دون صعود المنصة. ففي نهائي سباق التزلج اللوحي الحر داخل نصف أنبوب للسيدات، احتلت تساي شيويه تونغ المركز السادس، وبعد السباق قالت إنها قدمت أفضل ما لديها، مؤكدة أن هذه المرة الأخيرة التي تخوض فيها الألعاب الأولمبية الشتوية كلاعبة، لكنها لا تنوي الابتعاد عن هذه الرياضة، بل تفكر في تدريب الجيل الجديد. وعلى الجليد أيضا، اختتم الثنائي سوي ون جينغ وهان تسونغ مسيرتهما الأولمبية بسباق التزلج الحر الأخير في ليلة رأس السنة الصينية؛ ورغم بعض الهفوات، أنهيا العرض بانسيابية ووقار، مسجلين 98ر135 نقطة في التزلج الحر وبمجموع 64ر208 نقطة واحتلا المركز الخامس. تبادل الاثنان التحية قبل أي شيء آخر، وكأنهما يودعان سنوات طويلة من الشراكة بشكر متبادل، في مشهد يذكر بأن الصمود قد يتجلى أحيانا في "إكمال الرحلة" بقدر ما يتجلى في الفوز بها.

من المنصات الأولمبية إلى المشاركة المجتمعية

لم تبق قصص الإنجازات والتقدم حبيسة المنصات ولا سجلات النتائج، بل امتد أثرها إلى حياة الناس اليومية. بفضل تحفيز الأولمبياد الشتوية، تحولت الرياضات الشتوية في الصين من مشهد تنافسي يتابع عبر الشاشات إلى ممارسة يشارك فيها عدد كبير من الناس على امتداد البلاد. ويأتي ذلك في سياق وطني يستند إلى إستراتيجية "دفع ثلاثمائة مليون شخص للمشاركة في رياضات الجليد والثلج". وهكذا، لم يعد الحديث مقتصرا على أبطال بعينهم فحسب، وإنما أيضا عن قاعدة جماهيرية تتسع عاما بعد عام.

في مقاطعة هيلونغجيانغ في أقصى شمال شرقي الصين، وخلال موسم الشتاء من ديسمبر 2025 حتى مارس 2026، أطلقت النسخة الأولى من دوري هيلونغجيانغ الممتاز لرياضات الجليد والثلج، في صيغة جمعت بين المنافسات الرياضية والتجربة السياحية. شملت الفعاليات هوكي الجليد، وكرة السلة على الجليد، وسباقات الجري فوق المساحات المتجمدة، والسباحة الشتوية، إلى جانب أنشطة ترفيهية مثل الطائرات الورقية على الجليد، وسباقات الزلاجات على الجليد، وشد الحبل فوق الجليد. وبذلك أتيحت للزوار فرصة الانتقال من المشاهدة إلى المشاركة المباشرة في تجربة متكاملة. كما جرى إدماج العناصر الثقافية المحلية من خلال عروض تراثية وتجارب الصيد الشتوي، فصار النشاط الرياضي مساحة تجمع بين الحركة والثقافة في آن واحد.

وفي منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم، حيث تتوافر الثلوج الطبيعية في المناطق الجبلية، تشهد منتجعات التزلج الشتوية إقبالا متزايدا من الهواة. وفي الثامن من فبراير، اختتمت الدورة الأولى لبطولة "كأس جبال يانشان" للتزلج على الجبال العالية للهواة في محافظة ووشي، بمشاركة 302 متسابق من 27 مقاطعة ومنطقة. وأكدت المتسابقة وانغ يي شيوان من أورومتشي أن المنافسة مع هواة من مختلف أنحاء البلاد كانت مليئة بالتحدي والحماسة، مضيفة أن أجواء السباق منحتها شعورا كبيرا بالسعادة والإنجاز، في مشهد يعكس اتساع المشاركة في الرياضات الشتوية.

من شمالي إلى جنوبي الصين، ظهرت أشكال متنوعة من المشاركة في الأنشطة الجليدية، من مهرجانات الجليد في منطقة منغوليا الداخلية إلى ساحات التزلج الجديدة التي تقام في بعض الأماكن الجنوبية خلال العطلات الشتوية. هذا التنوع الجغرافي يجسد تنامي رقعة الاهتمام، بحيث لم تعد الرياضات الشتوية حكرا على مناطق بعينها، بل أصبحت جزءا من المشهد الرياضي الوطني.

إن هذا التحول من الإنجاز الأولمبي إلى الحراك المجتمعي الواسع يؤكد أن زخم الأولمبياد الشتوية لم يكن عابرا، بل أسهم في بناء منظومة مستدامة تعزز المشاركة الشعبية، وتدعم في الوقت ذاته تطوير الأكفاء والاقتصاد المرتبط بالجليد والثلج، في مسار يربط بين المنافسة العالية المستوى والتنمية الشاملة.

من أولمبياد بكين الشتوية إلى دورة الألعاب الشتوية التي اختتمت في ميلانو- كورتينا، وصولا إلى دورة الألعاب المقبلة في جبال الألب، تمضي الرياضات الشتوية في الصين في مسار متصل، تتعاقب فيه المحطات ولا تنقطع فيه الروح. فما تحقق من إنجازات لم يكن سوى حلقات في رحلة أطول، تتقدم فيها الخبرة جيلا بعد جيل، ويتسع فيها حضور الجليد والثلج في حياة الناس. وبين وهج المنصات ودفء المشاركة الشعبية، تتشكل قصة مستمرة عنوانها المثابرة والشغف، تمهد الطريق لفصل جديد على مسار الجبال البيضاء.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4