كان إدراج البولينغ، لأول مرة، ضمن المسابقات الجماهيرية في الدورة الخامسة عشرة للألعاب الوطنية الصينية، حدثا لافتا للأوساط الرياضية والجمهور على حد سواء. في مايو عام 2025، احتضنت مدينة خفي 225 متنافسا من مختلف المناطق للمشاركة في التصفيات الوطنية للتأهل إلى النهائيات التي أقيمت لاحقا في هونغ كونغ في أغسطس نفس العام. ولم يكن هذا الظهور مجرد إضافة جديدة إلى برنامج المنافسات، بل كان تعبيرا عن اهتمام متجدد بتنظيم منافسات البولينغ على المستوى الوطني، وإشارة إلى الخطوات المتواصلة التي تتخذ لتعزيز حضور هذه الرياضة ضمن منظومة الرياضات الجماهيرية في الصين.
دخول البولينغ في الصين
تشير البحوث الأثرية إلى أن جذور لعبة البولينغ تعود إلى تاريخ طويل. فقد عثر علماء الآثار في مقبرة صبي مصري من العصر الفرعوني يرجع تاريخها إلى سنة 3200 قبل الميلاد، على تسع قطع حجرية مصقولة مع كرة حجرية واحدة، يعتقد أنها استخدمت في ألعاب تعتمد على إصابة أهداف محددة. كما تظهر بعض ألعاب الرمي التي مارسها سكان جزر بولينيزيا في منطقة المحيط الهادئ قديما، من حيث طبيعة ساحاتها وأدواتها، أوجه تشابه لافتة مع رياضة البولينغ الحديثة. ويعد الباحثون هذه الشواهد من أقدم الأصول المعروفة لهذه الرياضة. وعلى الرغم من اختلاف القواعد والأدوات عبر العصور، فإن الفكرة الأساسية القائمة على دحرجة كرة لإسقاط أجسام ثابتة ظلت حاضرة، وانتقلت لاحقا عبر مناطق وحضارات متعددة.
تعود نشأة رياضة البولينغ الحديثة إلى أوروبا، ومع حركة الهجرة الأوروبية، انتقلت هذه الرياضة لاحقا إلى أمريكا الشمالية، حيث وجدت بيئة مناسبة للانتشار والتطور. وفي تلك المرحلة، استقرت أشكال اللعب الرئيسية، وتطورت لعبة البولينغ نحو ممارسة رياضية أكثر تنظيما، قبل أن تنتشر إلى مناطق أخرى من العالم كرياضة داخلية معروفة.
في الصين، يمكن تتبع بعض ملامح الحضور المبكر للبولينغ من خلال شواهد تاريخية متفرقة. وتعد مدينة يانتاي في مقاطعة شاندونغ شاهدا بارزا في هذا السياق، إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أنه تم إنشاء صالة للبولينغ داخل نادي تشيفو في المدينة عام 1870، وهي أقدم صالة معروفة لممارسة هذه الرياضة في الصين بل وحتى في آسيا. غير أن هذا الوجود المبكر ظل محدودا، ولم يمتد إلى نطاق المجتمع الصيني الأوسع.
شهدت رياضة البولينغ في الصين انطلاقة فعلية بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، حيث بدأت تدخل مرحلة جديدة اتسمت بالتوسع التدريجي والتنظيم المؤسسي. في عام 1981، أنشئت في نادي جينجيانغ بمدينة شانغهاي ستة مسارات بولينغ آلية، في خطوة رائدة على المستوى الوطني. ومثل إدخال التكنولوجيا الآلية نقلة نوعية في ظروف الممارسة، وأسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية ورفع مستوى اللعبة. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت مدن أخرى في مختلف أنحاء البلاد تشهد إنشاء مرافق مماثلة.
وعلى الصعيد الإداري، اتخذت الجهات الرياضية الرسمية خطوات حاسمة لتعزيز مكانة هذه الرياضة. في عام 1984، قررت اللجنة الوطنية للرياضة (الإدارة العامة للرياضة في الصين حاليا) إدراج لعبة البولينغ بنظام العشر قوارير ضمن المشروعات الرياضية التي تمارس رسميا في البلاد، وهو ما وفر أساسا مؤسسيا لتطويرها. وفي مايو عام 1985، تأسست الجمعية الصينية للبولينغ، التي تولت لاحقا تمثيل الصين في المنظمات الآسيوية والدولية المعنية، ففتحت بذلك قناة مباشرة للتواصل الخارجي في هذا المجال.
ومع اتساع انتشار البولينغ في مختلف المناطق، بدأت هذه الرياضة تجد موطئ قدم لها في الحياة الحضرية الصينية. على الرغم من أن انطلاقة البولينغ في الصين جاءت متأخرا نسبيا، فإن التحولات الاقتصادية وتحسن السياسات الرياضية وارتفاع مستوى الاستهلاك أسهمت في نشر هذه الرياضة في البلاد. خلال تسعينيات القرن العشرين، شهد قطاع البولينغ نموا سريعا. لم تكن هذه الرياضة موجودة إلا في بضع عشرة مدينة قبل عام 1993، مع ما يزيد على ستين صالة وثلاثمائة مسار فقط على مستوى البلاد. غير أن هذا الوضع تغير في فترة وجيزة، فبحلول نهاية عام 1995، امتد انتشار البولينغ إلى ما بين ستين وسبعين مدينة، وارتفع عدد الصالات إلى أكثر من مائتين، بإجمالي تجاوز ألفي مسار. ومع استمرار هذا الزخم، وصل عدد المسارات إلى نحو ثلاثين ألفا بحلول منتصف عام 1997، وهو ما جعل لعبة البولينغ تدخل فعليا حياة عامة الناس كنشاط رياضي وترفيهي واسع الانتشار.
مع دخول القرن الحادي والعشرين، بدأت رياضة البولينغ، التي شهدت نموا سريعا في فترة سابقة، تفقد زخمها تدريجيا وتدخل مرحلة من التباطؤ. ومع تنوع أنماط الترفيه الحضري وتغير هيكل الاستهلاك لدى السكان، تراجع الإقبال على هذه الرياضة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد من الصالات أو تحولها إلى أنشطة أخرى.
إعادة الحيوية مجددا
لم تكن عودة رياضة البولينغ إلى الواجهة في الصين وليدة لحظة واحدة أو نتيجة قرار مفاجئ، بل جاءت ثمرة مسار طويل من التراكم البطيء بعد سنوات من الركود. وبوصفها رياضة تجمع بين الطابع التنافسي والبعد الترفيهي والوظيفة الاجتماعية في آن واحد، بدأت رياضة البولينغ تستعيد مكانتها تدريجيا مع تعمق تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للياقة البدنية العامة في الصين، وازدياد وعي المجتمع بأهمية المحافظة على الصحة الجسدية والنفسية معا.
منذ العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، أخذت هذه الرياضة، التي كانت قد تراجعت عن دائرة الضوء في مطلع الألفية، تستعيد أنفاسها خطوة بعد أخرى. يمكن رصد بوادر هذا التعافي عقب دورة الألعاب الآسيوية في قوانغتشو عام 2010، حيث عادت بعض المنافسات المحلية إلى الظهور، غير أن عام 2017 شكل نقطة تحول حقيقية، عندما استضافت مدينة تشنغدو سلسلة من البطولات البارزة، من بينها مسابقات جولة البولينغ الاحترافية الصينية، وبطولة تشنغدو المفتوحة للبولينغ، إلى جانب تصفيات البطولة الوطنية للرجال في جنوبي البلاد. لم تقتصر أهمية هذه الفعاليات على بعدها التنافسي، بل أسهمت في إعادة تنشيط هذه الرياضة في البلاد، وجذبت أعدادا متزايدة من المولعين بها، مؤكدة أن رياضة البولينغ ما زالت لها قاعدة جماهيرية وقدرة كامنة على النمو متى توفرت المنصات المناسبة.
وشكل عام 2025 محطة رئيسية أخرى في مسار تطور البولينغ في الصين. فللمرة الأولى، أدرجت هذه الرياضة ضمن المسابقات الجماهيرية في دورة الألعاب الوطنية الصينية، الأمر الذي دفع مختلف المناطق إلى تنظيم تصفيات محلية وبرامج تدريبية مكثفة. وقد حظيت التصفيات التي أقيمت في مدينة خفي، حاضرة مقاطعة آنهوي، خلال شهر مايو، ثم النهائيات التي احتضنتها هونغ كونغ في أغسطس، بمتابعة واسعة من لاعبي البولينغ والجمهور المهتم. وبالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الوطنية نشاطا لافتا في بطولات الفئات العمرية المختلفة، من بينها نهائيات موسم 2025 لدوري أندية الناشئين، وبطولة الصين للشباب، وبطولة طلاب المدارس الإعدادية والثانوية، والجولة الصينية للبولينغ، مما ساعد على توسيع قاعدة المشاركة وترسيخ حضور هذه الرياضة بين الأجيال الجديدة.
وعلى الصعيد الدولي، حقق دو جيان تشاو إنجازا تاريخيا بتتويجه بلقب فردي الرجال في بطولة كأس العالم للبولينغ لعام 2025 التي نظمها الاتحاد الدولي للبولينغ، محققا أول لقب عالمي للصين في هذه البطولة. وبالنسبة لهذا اللاعب المخضرم، الذي واصل مسيرته في ملاعب البولينغ لأكثر من عشرين عاما، لم تكن هذه الميدالية الذهبية ثمرة جهد عابر، بل حصيلة سنوات طويلة من المثابرة والتراكم. ولا يمثل هذا الفوز تحقيق حلمه الشخصي باعتلاء منصة التتويج العالمية فحسب، وإنما أيضا يشكل دفعة معنوية قوية، تعزز ثقة الوسط الرياضي بقدرة البولينغ في الصين على المنافسة في أعلى المستويات الدولية.
إلى جانب المسار التنافسي، شهد قطاع البولينغ في الصين تحولات واضحة في نمط التطور. فمع انتقال طلب الجماهير من ممارسة رياضية بسيطة إلى تجربة تجمع بين "الرياضة+ الترفيه+ التفاعل الاجتماعي"، بدأت الصالات تتجه نحو نماذج تشغيل أكثر تنوعا. على سبيل المثال في تشانغشا، حاضرة مقاطعة هونان، يمكن أن نلمس هذا التحول بوضوح. فمن جهة، تنتشر صالات البولينغ ذات المعايير الدولية، تقام فيها سنويا بطولات وطنية وإقليمية متعددة، ويتوافد إليها اللاعبون المحترفون يوميا للتدريب والمنافسة. ومن جهة أخرى، ظهرت صالات ذات طابع ترفيهي شامل، تمزج البولينغ بألعاب إلكترونية وأنشطة القفز الترفيهي، فتحولت إلى مقاصد رائجة يقصدها الشباب للتجربة والتفاعل الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، جرى تطوير برامج بولينغ مخصصة لكبار السن تركز على اللياقة والصحة، فضلا عن فترات لعب مسائية تستهدف الموظفين الذين يعملون في النهار، كوسيلة فعالة لتخفيف الضغط اليومي واستعادة التوازن الجسدي والنفسي.
وجوه متعددة لممارسة البولينغ
وإذا كانت البطولات والإنجازات الدولية قد أسهمت في إعادة البولينغ إلى دائرة الضوء في الصين، فإن جذور هذا التعافي تمتد أعمق من منصات التتويج، لتلامس حياة الأفراد وتجاربهم اليومية. فيمكن القول إن تجدد حضور رياضة البولينغ يرتبط بطبيعتها الخاصة التي تجعلها قريبة من مختلف الفئات العمرية والخلفيات الاجتماعية. فهذه الرياضة لا تقوم على الاحتكاك الجسدي العنيف، ولا تتطلب جريا وقفزا كثيفين، كما أن قواعدها واضحة وسهلة التعلم، مما يمنحها درجة عالية من الأمان وسرعة الاندماج. فضلا عن ذلك، ومع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، أقبل كثيرون على صالات البولينغ، حيث لا يقاس التفوق بالقوة البدنية وحدها، بل بالتركيز والإحساس والإيقاع.
تمثل بنغ روي نموذجا بارزا لهذا المسار. بدأت ممارسة البولينغ في سن الثانية عشرة، ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى انضمت إلى المنتخب الوطني. واليوم، وقد بلغت الثلاثين من عمرها، تعمل معلمة للتربية البدنية، وتحمل في سجلها عدة ألقاب محلية ودولية. قالت بنغ روي إن لحظة انطلاق الكرة على المسار تمنحها شعورا بالتحرر من الضغوط، وإن البولينغ رياضة تشغل الجسد كله، وتسهم في شد العضلات والمحافظة على القوام.
وفي مكان آخر، يقدم لي بي تشينغ، وهو عامل في القطاع الطبي من مقاطعة هونان ويبلغ من العمر ستة وثلاثين عاما، تجربة مختلفة ولكنها متقاربة في الجوهر. فبالنسبة إليه، تمثل جلسة البولينغ في عطلة نهاية الأسبوع مساحة للتأمل الفردي أحيانا، وللتفاعل الجماعي أحيانا أخرى. يرى أن كل رمية هي حوار دقيق بين الجسد والإرادة، تساعده على تنمية الصبر وتعزيز القدرة على مواجهة ضغوط العمل والحياة.
أما آن ران، وهي أم متفرغة تعيش في بكين ولديها طفلان، فقد دخلت عالم البولينغ من بوابة الأسرة والحياة اليومية. فبينما اعتادت في المواسم الدافئة الخروج مع عائلتها لممارسة أنشطة خارجية مثل تسلق الجبال أو القرص الطائر أو التزلج على اللوح، كانت خيارات الشتاء محدودة. ذات مرة، صادفت مقطعا قصيرا عن البولينغ على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فقررت خوض التجربة. لم تتوقع أن تتحول الزيارة الأولى إلى عادة عائلية محببة، إذ تجد نفسها توثق خطوات الاقتراب ورميات الكرة في مقاطع فيديو قصيرة حصدت تفاعلا واسعا.
وهكذا، تتقاطع المسارات الفردية مع التحولات الأوسع التي شهدتها رياضة البولينغ في الصين، ليصبح التعافي الذي بدأ بالمنافسات والإنجازات حاضرا أيضا في تفاصيل الحياة اليومية، ومنعكسا في تجارب أشخاص عاديين وجدوا في هذه الرياضة ما يناسب إيقاعهم واحتياجاتهم.
مع تجدد حضور رياضة البولينغ في الصين خلال السنوات الأخيرة، لم تعد هذه اللعبة محصورة في ذاكرة مرحلة سابقة، بل عادت للظهور بهدوء في الحياة اليومية. فمن المنافسات المتخصصة إلى صالات المدن، ومن الرياضيين المخضرمين إلى العائلات والشباب، أخذت رياضة البولينغ تكتسب حيوية جديدة، لا تقوم على الضجيج أو المبالغة، بل ترسخت أسسها في الاستمرارية والتجربة المشتركة. وفي هذا المسار الهادئ، يجد كثيرون في البولينغ مساحة بسيطة للحركة والتواصل، تواكب إيقاع الحياة المعاصرة وتمنحهم قدرا من التوازن.
