مجتمع < الرئيسية

الابتكار العلمي يفتح فصلا جديدا والأفكار المبدعة تضيء المستقبل

: مشاركة
2026-10-30 14:47:00 الصين اليوم:Source فان يوي تشينغ:Author

في حديقة شوقانغ ببكين، كان مشهد مجموعة الأطفال المنشغلين بابتكاراتهم العلمية لافتا؛ فبعضهم منكب على تعديل الدوائر الإلكترونية وفحص المعدات، فيما يشرح آخرون للمُحَكمين أفكار ومنطق تصاميمهم، بينما يقدم فريق ثالث بحماسة ابتكاراتهم المصقولة بعناية لأقران لهم لم يعرفوهم من قبل.

جهاز صغير ولوحة إلكترونية بسيطة وبرامج مكتوبة؛ تحولت هذه الأشياء المألوفة، التي قد لا تلفت الانتباه عادة، بين أيدي الأطفال إلى عناصر قابلة للتفكيك والتأمل، لتعاد صياغتها خطوة بخطوة وتحويلها إلى "اختراعات" ملموسة وعملية. وقد شهدت فعالية جائزة سونغ تشينغ لينغ لاختراعات الأطفال، التي أقيمت مؤخرا هذا المشهد. تجمع هنا شباب من مختلف المقاطعات والمناطق الذاتية الحكم والبلديات المركزية في الصين ومنطقتي هونغ كونغ وماكاو الإداريتين الخاصتين ومن ماليزيا. ومن خلال المعارض وتبادل الأفكار، تلاقت رؤاهم الإبداعية لتبرز الرؤية التكنولوجية التي يحملها هؤلاء الشباب للعالم.

من "علامة الاستفهام" إلى الإبداع.. البحث عن جذور الابتكار في تفاصيل الحياة

"لماذا لا تحاكي تدريبات حراس المرمى أجواء المباريات الحقيقية بشكل أدق؟" وهو تساؤل قاد إلى ابتكار جهاز تدريب يعتمد على التكنولوجيا لجعل الممارسة أكثر دقة واستنادا إلى أسس علمية. ومثال آخر: "النوم جزء من حياتنا اليومية؛ فكيف يمكننا مراقبة جودته من دون إزعاج النائم أو مقاطعة نومه؟" وأثمر ذلك وسادة لمراقبة النوم من دون إزعاج، وتعالج المشكلات الشائعة المتعلقة بالنوم، وتحول غرفة النوم إلى مختبر طبيعي. وكذلك: "ما حجم الطعام الذي يهدر يوميا في مقصف المدرسة؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في الحد من هدر الطعام؟" ويعالج نظام "المقصف الذكي الأخضر"، المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مشكلة هدر الطعام في المدارس، مستفيدا من التكنولوجيا الذكية لتحويل شعار الترشيد إلى واقع ملموس.

"هذا هو المستشعر؛ يمكنه مراقبة..." "انظر، لقد صممتُ هذا الهيكل ليكون قادرا على رصد..." داخل القاعة، تتعالى أصوات الأطفال وتخفت؛ فبالنسبة لهم، لم تعد المعروضات مجرد "مشروعات فائزة"، بل هي تجسيد لكل سؤال طرح، ولكل تجربة أجريت، وللنتائج النهائية التي تحققت بعد عمليات تعديل وتحسين عديدة.

جاء أعضاء فريق سي روي تشه، ويو تشيه تشي، ولين يي شنغ من مدرسة بنانغتشونغ لينغ الثانوية الخاصة في ماليزيا، إلى موقع المسابقة ليطرحوا سؤال "لماذا لا يمكن اكتشاف الخطر مسبقا؟" وقد طوروا نظاما أطلقوا عليه اسم "نظام حارس موقع البناء الذكي القائم على تقنية الحوسبة الطرفية المنخفضة زمن الانتقال- راصد المخاطر". وهو نظام يركز على التغيرات غير المعتادة في مواقع البناء، وهي تغيرات غالبا ما تمر من دون أن يلاحظها أحد. وفي هذا الصدد، قال يو تشيه تشي: "لقد لاحظنا أن تغيرات طفيفة تظهر غالبا قبل وقوع العديد من الحوادث."

غالبا ما تسبق حوادث مثل الانهيارات وتسرب الغاز والحرائق الناجمة عن التماس الكهربائي مؤشرات غير طبيعية في البيئة المحيطة، كتغيرات درجات الحرارة أو ميلان الأرض أو ظهور الدخان، في حين أن أنظمة الإنذار التقليدية لا تطلق تحذيراتها عادة إلا بعد أن يبلغ الخطر حدا معينا. وفي هذا الصدد، قال سي روي تشه: "إذا تمكنا من رصد هذه التغيرات مسبقا، فسيتسنى لنا منح العاملين في الموقع مزيدا من الوقت."

من جهة أخرى، رصد تشو هونغ تشن وتشنغ جيون يوان، وهما تلميذان في مدرسة نانيي الابتدائية بمدينة شينغتشنغ في مقاطعة لياونينغ، مشكلة محددة أثناء مشاركتهما في تدريب حول الوقاية من العنف المدرسي؛ إذ تطلب التدريب من أفراد الأمن مواجهة المخاطر المحتملة بشكل مباشر. وتساءل التلميذان: "هل يمكن لروبوت أن يتولى هذه المهام الخطيرة؟" مما أدى إلى نشوء فكرة تطوير روبوت أمني يتم التحكم فيه عن بعد.

يستطيع الروبوت الذي طوراه، والقادر على تقييد مصدر التهديد والسيطرة عليه، المناورة بمرونة عبر الممرات الضيقة والتعامل مع الهدف عن بعد. وقال تشو هونغ تشن: "نحن ببساطة نريد إبعاد أفراد الأمن عن دائرة الخطر."

يفتح كل مشهد من مشاهد الحياة اليومية، الذي يثيره تساؤل "لماذا؟"، الباب أمام إمكانية الابتكار. فمن الفكرة الأولية وتصميم الحل، مرورا بالتجارب المتكررة والتعديلات المستمرة، تكون ولادة أي مشروع محفوفة بالتحديات والصعوبات، غير أن هذه العملية بحد ذاتها تشكل درسا جوهريا لنمو هؤلاء الأطفال.

من الفكرة إلى الابتكار.. تحويل الخيال إلى واقع

داخل صالة منافسات الكيرلينغ بحديقة شوقانغ، يعكف المخترعون الصغار الذين وصلوا إلى الجولة النهائية لجائزة سونغ تشينغ لينغ لاختراعات الأطفال، على تجهيز أجنحة العرض الخاصة بهم. وتجسد كل منصة صغيرة فهم الأطفال للعلوم؛ إذ تضم أجهزة ميكانيكية مصنوعة يدويا وبرمجيات جرى ضبطها بدقة عبر اختبارات متكررة، وتصاميم مبتكرة تهدف إلى تحسين الحياة اليومية. وفي هذه الفعالية العلمية العملية، يتعين على الأطفال عرض أفكارهم بوضوح وصياغة المنطق الذي تقوم عليه تجاربهم، محولين بذلك مفاهيمهم الإبداعية إلى واقع ملموس مرة بعد مرة.

كونغ شيانغ ون من مجموعة ونسان التعليمية (المدرسة الرئيسية) في هانغتشو، وجه اهتمامه إلى فن خيال الظل التقليدي. ورغم أن هذا الفن يعد شكلا من أشكال التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني، فإنه يواجه تحديات تتعلق بالمحافظة عليه ونقله للأجيال القادمة، مثل تقدم ممارسي هذا الفن في العمر وصعوبة تعلمه وأدائه. وقد تساءل كونغ شيانغ ون قائلا: "إذا كان الناس يحبون فن خيال الظل ولكنهم يجدون صعوبة في أدائه، فما الذي يمكنهم فعله؟"

رأى كونغ شيانغ ون أن التكنولوجيا قد تخفف من الأعباء المرتبطة بفن خيال الظل التقليدي. وعليه، شرع في دمج تقنيات التقاط الحركة والتعرف القائم على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التحكم الميكانيكي. إذ تلتقط الكاميرات حركات الجسم، بينما تتولى مكتبة "MediaPipe"، وهي إطار عمل مفتوح المصدر ومتعدد المنصات لتعلم الآلة، تحديد النقاط الرئيسية في الجسم. بعد ذلك، تقوم منصة "Arduino"، وهي منصة إلكترونية مفتوحة المصدر لعمل النماذج الأولية، بتشغيل محركات صغيرة، مما يتيح للدمى أداء حركات متزامنة مع حركات الإنسان. وأخيرا، دُمجت هياكل مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مع إضاءة "LED" لتقديم تجربة تحاكي إلى حد كبير مسرح خيال الظل التقليدي.

عندما يرفع المشارك يده، ترفع شخصية الظل يدها أيضا، وحين يغير الشخص حركته، تتغير حركة الظل كذلك. لقد تحول فن خيال الظل، الذي كان يتطلب في السابق إتقان تقنيات محددة، إلى تجربة تفاعلية أكثر بساطة وسهولة في الاستيعاب. فبمجرد الوقوف أمام المنصة، سرعان ما أدرك الأطفال أن المتعة الحقيقية لا تكمن في بناء جهاز معقد، بل في مشاهدة أطفال آخرين غرباء وهم يتقدمون لتجربته. وعن ذلك، قال كونغ شيانغ ون مبتسما: "إن رؤيتهم وهم يستمتعون بوقتهم كثيرا تجعلني أشعر بأن هذا المسار يستحق المضي فيه".

أما لي شين يويه من مدرسة دونغتشن للغات الأجنبية بمدينة تشنغدو في مقاطعة سيتشوان، فهي تأمل أن يصبح الذكاء الاصطناعي بحق "شريك تعلم" للطلاب. فخلال دراستها للغة الإنجليزية، أدركت أن الواجبات المنزلية في مادة الإملاء تتطلب وقتا طويلا من الآباء. ولذا، سعت إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات التي يواجهها طلاب المرحلة الابتدائية فيما يتعلق بالتحدث وحفظ المفردات. قالت لي شين يويه: "آمل ألا يقتصر الأمر على طرح بضعة أسئلة، وأن يرافقنا الذكاء الاصطناعي حقا طوال رحلة التعلم."

أمام منصة المدرسة الثانوية رقم 5 لأبرشية سانت جوزيف في ماكاو، عرض فريق تشن كاي لين‌، وقوه آي لين، وقوه جين يو "تطبيق استشارة الأعشاب الطبية"، وهو العمل الحاصل على الجائزة الذهبية لجائزة سونغ تشينغ لينغ لاختراعات الأطفال، الذي يحاول استخدام الذكاء الاصطناعي لتسهيل فهم عامة الناس للمعارف. قالت تشن كاي لين: "نأمل أن يتمكن الجميع من التعرف على الطب الصيني التقليدي من دون الحاجة لتعلم الكثير من المعارف المتخصصة أولا."

المحافظة على الغاية الأصلية للابتكار العلمي ومنح الأطفال عالما واسعا للخيال

تمثل كل جائزة وشهادة تقدير محطة مجد في رحلة الأطفال نحو الابتكار العلمي، وتعد المكافأة الأسمى لجهودهم الدؤوبة في البحث والتجريب والتحسين المستمر. ومع ذلك، فإن ما يفوق هذا التكريم الباهر أهمية، وما يرسخ حقا في قلوب الأطفال ويرافقهم طوال رحلة نموهم الطويلة، هو تلك المهارات العلمية والعقلية الابتكارية التي يكتسبونها من خلال التجريب والاستكشاف المتواصلين.

عندما يقف الأطفال أمام منصاتهم ويتحدثون عن أعمالهم، غالبا لا يقولون: "لقد فزت بجائزة"، بل يقولون: "إليكم السبب الذي دفعني للقيام بذلك"، أو "هنا، ما يمكن تغييره أيضا."

بعد فوز جهاز عرض "خيال الظل" الذكي، الذي ابتكره كونغ شيانغ ون، بالجائزة الذهبية، بدأ يفكر في نسخة جديدة. قال: "إنها حاليا لعبة مخصصة للاعب واحد، لكنني أرغب في تجربة نمط اللعب الثنائي؛ فإذا أضفنا حركات القفز، ستصبح اللعبة أكثر متعة."

أما لي شين يويه، فقد طورت فكرة "اختراعها الصغير"، إذ لاحظت في البداية أن الواجبات المنزلية المتعلقة بإملاء الكلمات الإنجليزية تستغرق وقتا طويلا من الآباء، وأن بعض الأطفال يخشون التحدث باللغة الإنجليزية. قالت: "تساءلت عما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي مرافقة الأطفال أثناء تدريبهم". وانطلاقا من ذلك، شرعت في بناء نظام تعليمي تفاعلي لتعلم اللغة الإنجليزية يعتمد على الذكاء الاصطناعي ليكون بمثابة رفيق للمتعلم. أضافت بحماسة: "إذا أراد الطفل التدرب على المحادثة، فيمكنه القيام بذلك في أي وقت، إذ لا داعي لانتظار المعلم، ولا داعي للقلق بشأن ارتكاب الأخطاء أثناء التدرب بمفرده." في ثنايا كل عبارة بسيطة، تكمن نوايا الابتكار العلمي الحقيقية للأطفال.

 

الطفولة تخبئ الجبال والبحار، والابتكار العلمي يتجه نحو المستقبل. إن الأسئلة التي لم تجد إجابات بعد والأفكار التي لم تتحقق والرغبة المتوقدة في الاكتشاف، هي البذور الأثمن للابتكار التكنولوجي. والفضول الذي تتم رعايته بعناية والخيال الذي يُغذى جيدا سيتجاوزان الحدود ويزدهران، وسيواصل الشباب مسيرتهم، من دون تراجع، نحو تحقيق أحلامهم في الابتكار، مستفيدين من ذكائهم الفتي لاستكشاف المزيد من الإمكانات، ومن قوة الابتكار للانطلاق نحو مستقبل بلا حدود.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4