يصادف عام 2026 الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، كما يتوج بوصفة "عام التبادلات الشعبية بين الصين وأفريقيا"، لقد أصبحت دراسة الآثار، كوسيلة أساسية للعودة إلى جذور الحضارات، حلقة حاسمة للتبادلات الثقافية والإنسانية. فمن حوض النهر الأصفر إلى ضفاف نهر النيل، تلتقي أقدم حضارتين في العصر الحديث، وتحيي أدوات علم الآثار والتكنولوجيا الرقمية ذاكرة ظلت في سبات آلاف السنين.
التعاون الأثري.. من "مستهلك للمعرفة" إلى "منتج مشارك"
في يوليو عام 2016، أطلق مشروع "رحلة إلى مصر للاكتشاف والبحث الأثري"، وهو مبادرة رئيسية ضمن المشروع الإبداعي للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية. وقد دعا معهد الآثار التابع للأكاديمية ستة من علماء المصريات الصينيين والأجانب، ونظم ثلاث عشرة محاضرة أكاديمية تناولت الكتابة المصرية القديمة والاكتشافات الأثرية والتسلسل الزمني وعلم اللاهوت، وغيرها من المجالات الرئيسية. بعد تحضيرات استمرت عامين، انطلق مشروع التعاون الأثري لمعبد مونتو في نوفمبر عام 2018، ليسجل بذلك أول مرة منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية يسمح فيها لبعثة أثرية صينية بالدخول إلى المواقع الأثرية الأساسية لحضارة قديمة أخرى لإجراء التنقيب المنهجي والعلمي.
ومنذ عام 2018، أجرت البعثة الأثرية الصينية- المصرية المشتركة ثمانية مواسم من العمل الميداني، بلغ مجموعها أكثر من ثلاثمائة يوم، في معبد مونتو، مما يعكس مفهوم "دراسة الآثار لمدة طويلة وعدم نهبها فور العثور عليها". قامت البعثة برسم المخطط المساحي لموقع الأطلال، وهو ما صحح الخطأ الشائع في الأوساط الأكاديمية منذ وقت طويل. كما كشفت البعثة عن الجدار المحيط بمقصورة الإله أوزوريس، مما ساعد على إعادة تفسير المخطط العام لمجمع معبد أوزوريس. واكتشفت البعثة أرضية من الطوب اللبن تحمل اسم الملك أمنحتب الثالث، وهو ما قدم دليلا أثريا مباشرا لتحديد التسلسل الزمني للمعبد وفهم مراحل بنائه. فضلا عن ذلك، اكتشفت البعثة بقايا بحيرة مقدسة داخل نطاق المعبد، وهذه البحيرة عبارة عن خزان مائي اصطناعي من العصور القديمة. ويمثل هذا الكشف سابقة في علم الآثار المصري، كونه أول عملية تنقيب علمي ومنهجي لبحيرة مقدسة. إن هذه النتائج تعمق فهم المجتمع الأكاديمي الدولي لمعبد مونتو، وتقدم دعما أكاديميا بالغ الأهمية لدراسة تاريخ وحضارة مصر القديمة.
بفضل نجاح مشروع معبد مونتو، أخذت مجالات التعاون في التوسع، ففي عام 2022 تم إطلاق مشروع لدراسة الآثار المكتشفة في منطقة سقارة باستخدام التقنيات الرقمية، بالتعاون بين معهد تاريخ الفن العالمي بجامعة الدراسات الدولية بشانغهاي والمجلس الأعلى للآثار في مصر، بهدف جمع بيانات ثلاثية الأبعاد وإنشاء نماذج رقمية، وبناء قاعدة بيانات لآلاف القطع الأثرية المكتشفة. ويعد ذلك أول مشاركة مباشرة لعلماء المصريات الصينيين في الدراسة التكنولوجية والعلمية للآثار، وتنظيم القطع الأثرية والأنشطة المعنية الأخرى، وهذا يعني أن علم المصريات في الصين يتحول من "مستهلك للمعرفة" إلى "منتج مشارك".
من موقع التنقيب على ضفاف النيل إلى قاعة العرض على ضفاف نهر هوانغبو، تسهم عملية إصلاح نمط السرد من خلال المعارض في نشر مفهوم "البحث المشترك والمنفعة المشتركة" من الأوساط الأكاديمية إلى عامة الناس.
التبادلات عبر المعارض.. من "النظرة الأحادية" إلى "الحوار المتبادل"
في الفترة من يوليو عام 2024 إلى أغسطس عام 2025، أقيم معرض "على قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة" في متحف شانغهاي بالصين، الذي جذب 77ر2 مليون زائر، محققا رقما قياسيا لأكبر عدد من الزوار لمعرض آثار بتذاكر مدفوعة. لم يتبع المعرض النمط السابق في تقديم الحضارة المصرية القديمة كـ"أحفورة سحرية" لإرضاء رغبة الزوار في البحث عن الغرائب والعجائب، بل اتخذ من المفهوم الأساسي لمصر القديمة، المتمثل في النظام والحقيقة والتناغم، محورا رئيسيا، وشرحه بمفاهيم صينية تقليدية، كاشفا عن الحكمة الإنسانية المشتركة في الموضوعات الأساسية، من خلال أوجه التشابه بين الحضارتين، ومجسدا السحر الفريد لكل منهما من خلال اختلافاتهما. وقام العلماء الصينيون ببحوث الحضارة المصرية القديمة استنادا إلى مواد أصلية لأول مرة، مما أضاف منظورا شرقيا لشرح الحضارة المصرية القديمة، مغيرا بذلك مفهوم "النظرة الأحادية" إلى حوار متبادل، وجعل المعرض الأثري قناة حيوية للاستفادة المتبادلة بين الحضارات.
بعد هذا المعرض في شانغهاي، أقيم معرض بعنوان "مصر القديمة تكشف عن نفسها.. كنوز من المتاحف المصرية" في هونغ كونغ في الفترة من نوفمبر عام 2025 إلى أغسطس عام 2026، ويعد هذا المعرض أكبر معرض للآثار المصرية القديمة في هونغ كونغ حتى الآن. بينما عرضت الآثار الصينية في مصر، حيث أقيم في ديسمبر عام 2023 معرض بعنوان "عشرة آلاف عام من شانغشان.. مصدر زراعة الأرز وضوء التنوير" في متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية، لتشهد أرض شمالي أفريقيا عرضا لبدايات نشأة الزراعة في الصين. وفي المتحف المصري الكبير الذي افتتح في نوفمبر عام 2025، يطبق نظام الإرشاد باللغة الصينية بقيادة مركز الصين لمعلومات واستشارات التراث الثقافي، والذي يربط التسلسل الحضاري من خلال مسار سردي يناسب معرفة الجمهور الصيني، مما يرتقي بمستوى التعاون بين الجانبين الصيني والمصري من "دعوة الجانب الآخر لإقامة المعارض" إلى "مساعدة الجانب الآخر في بناء المتحف".
بفضل تعمق التعاون الثقافي والإنساني بين الصين ومصر، شهدت المعارض ترحيبا حارا من قبل الشعبين، بل ويتحول هذا التعاون إلى حوار منتظم. ومع ازدياد فهم الجمهور للقطع الأثرية المكتشفة، وتنامي الحوار بين الحضارتين بشكل فعال، يصبح تحويل هذا التعاون إلى آلية طويلة الأمد وفعالة خطوة حاسمة نحو تعميق التعاون بين الجانبين.
وضع الآلية.. من التعاون في المشروعات إلى التطوير المشترك للبرامج
تتطور آلية التعاون بين الصين ومصر لحماية التراث الثقافي يوما بعد يوم، لتشكل هيكلا مؤسسيا متعدد المستويات وشاملا. وتعد ((اتفاقية التعاون وتبادل المساعدة)) بين معهد الآثار التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ووزارة السياحة والآثار المصرية الموقعة في عام 2018 إطارا أساسيا. وفي يونيو عام 2025، وقع مركز حماية الآثار بمدينة تشيوانتشو وإدارة الآثار بمدينة الإسكندرية مذكرة للتعاون والتبادل الثقافي حول حماية التراث العالمي. وفي أغسطس من نفس العام، وقع المركز الوطني الصيني للآثار التابع للإدارة الوطنية للتراث الثقافي والمجلس الأعلى للآثار في مصر، مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجالي الآثار البحرية وحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه. وفي مايو عام 2026، افتتح المركز الصيني- المصري لدراسات التراث الثقافي في الأقصر، الذي أنشئ بالتعاون بين جامعة العاصمة للمعلمين في بكين وجامعة الأقصر، ليكون أول مؤسسة متخصصة في مصر تعنى بالدراسات المشتركة للتراث الثقافي للدولتين، مما يرمز إلى تطور التعاون بين الجانبين من مجرد تبادل الخبرات عبر المعارض إلى مرحلة جديدة تتكامل فيها حماية التراث والبحث الرقمي وتنمية الأكفاء.
تعمل المؤسسات الصينية والمصرية المعنية بحماية التراث الثقافي على المستويين الوطني والمحلي. وقد انضمت مراكز دراسة الآثار التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية والإدارة الوطنية للتراث الثقافي وجامعة بكين وجامعة الدراسات الدولية بشانغهاي، ومراكز دراسة الآثار على مستوى المقاطعة في شاندونغ وتشجيانغ وغيرهما، إلى الجهود المشتركة في مجال البحوث الأثرية وحماية التراث خلال العامين الماضيين. أما على الجانب المصري، فتعمل وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار والجامعات والمتاحف المحلية، على تعزيز تواصلها مع الجانب الصيني. وقد أنشأ الجانبان آلية تشاور سنوية ومجلس خبراء مشترك، يركز على التغلب بشكل مشترك على المشكلات المستعصية للتقنيات الأساسية، مثل ترميم ورق البردي والوقاية من الأضرار التي تصيب الآثار الحجرية ومعالجتها. وقد أسهم الفريق الصيني بتقنية المسح الثلاثي الأبعاد ورقمنة التصنيف والحفظ، بينما قدم الخبراء المصريون خبرات محلية قيمة في أساليب البحث الميداني الأثري والتحقيقات التاريخية في الآثار وتفسير الطبقات الأثرية. يعزز هذا النهج التعاوني الاستخدام المشترك للتقنيات وتبادل الاعتراف بالمعايير والتطوير المشترك للأكفاء، مما يحول حماية التراث الثقافي من مجرد المساعدة في حفظ المواقع الأثرية الفردية إلى جهد منهجي وتعاوني.
في إطار التعاون الثنائي المؤسسي، يتسارع تشكيل سلسلة من منصات وقوائم التبادل المتعددة المستويات، مما يضيف حيوية مستمرة للاستفادة المتبادلة بين الحضارتين الصينية والمصرية. في يوليو عام 2025، عقد مؤتمر الحوار الصيني- المصري للحضارات القديمة على هامش الدورة الحادية عشرة لمنتدى نيشان للحضارات العالمية، حيث أجرى علماء من كلا البلدين مناقشات معمقة ركزت على التبادلات بين الحضارات والتعاون في دراسة الآثار وحضارات الأنهار الكبرى، وأطلقوا مبادرة للتعاون في التبادلات بين الحضارات. ويرمز إنشاء آلية الحوار هذه إلى تقدم التبادل الثقافي والشعبي بين الصين ومصر، من المعارض والتبادلات الأكاديمية الأحادية الجانب إلى التبادل المستمر للأفكار والتنمية المشتركة للقيم. فمن المناقشات الأكاديمية إلى بناء المؤسسات المشتركة، لم تعد التبادلات بين الصين ومصر مقتصرة على فعاليات مؤقتة، بل باتت تتميز بإطار مؤسسي قابل للاستمرار.
إن بناء المنصات لا ينفصل عن تنمية الأكفاء وتطوير القدرات الأكاديمية. وقد نجحت جامعة الدراسات الدولية بشانغهاي في إقامة برنامج الدعوة المتبادلة للأساتذة مع جامعة القاهرة وجامعة الجيزة الجديدة، بهدف إعداد أكفاء متخصصين في علم الآثار وعلم المتاحف بمنظور دولي، وذلك من خلال جهود مشتركة، متجاوزة بذلك النمط التقليدي للتعاون الدولي القائم على "تدريب طرف للآخر"، ومحققة تكاملا في أنظمة المعرفة عبر مشاركة باحثين صينيين ومصريين في تقديم درس واحد وتوجيه الطلاب بشكل مشترك. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على تأليف كتاب ((السجلات العامة للآثار المصرية)) باللغات الصينية والعربية والإنجليزية. سينظم هذا الكتاب، ولأول مرة، ثروة الآثار المصرية بشكل منهجي، وهو لا يعد مشروعا أكاديميا فحسب، وإنما أيضا ممارسة لإنتاج المعرفة بلغات متعددة، مما يوفر دعما أكاديميا ملموسا لـ"تقليل الاعتماد على الأنماط والمعايير والمفاهيم الغربية في أبحاث علم المصريات".
إلى جانب السعي المستمر لتنمية الأكفاء، بدأت خطط إعداد الثروة البشرية والعقلية المتخصصة التي تواكب المستقبل. في عام 2022، أصدر متحف تلال بايخليانغ المغمور بالمياه في تشونغتشينغ والمجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية مبادرة مشتركة للتقدم بترشيح مشترك لإدراج مقياس النيل بجزيرة الروضة في القاهرة ونقوش صخرة بايخليانغ في حوض نهر اليانغتسي على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). يفتح هذا التعاون في مجال التراث المغمور بالمياه العابر للحدود عبر أحواض الأنهار الرئيسية بعدا جديدا لحماية التراث الثقافي في البلدين. في عام 2025، شارك متخصصون مصريون في دورة تدريبية حول علم الآثار تحت الماء نظمتها الصين. وخلال التدريب العملي المنهجي، انخرطوا في تبادل معمق للخبرات مع زملاء من مختلف البلدان، مما أرسى أساسا متينا للتعاون الصيني- المصري في حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه. من الآثار البرية إلى الآثار المغمورة بالمياه، ومن التنقيب الميداني إلى الحماية الرقمية، توسع التعاون الصيني- المصري من مجال واحد إلى إطار شامل يضم جوانب متعددة من حماية التراث الثقافي. ويشكل هذا التعاون ثروة بشرية وعقلية مستدامة لتعميق الاستفادة المتبادلة بين حضارتي البلدين.
من "تقديم المساعدة" إلى "البحث المشترك".. التحول العميق لدور الصين
تطور دور الصين في التعاون الصيني- المصري في دراسة الآثار، من تقديم المساعدة التقنية المتمثلة في "حمل الأجهزة لتقديم المساعدة" إلى شريك في النماذج "يبذل جهودا مشتركة في بحث الحضارة".
من الناحية التقنية، أتاحت مجرفة لويانغ الصينية المعدلة أعمال حفر غير ضارة أثناء أعمال الاستكشاف في بحيرة مقدسة. وبفضل تقنيات المسح الثلاثي الأبعاد والعالي الدقة، والتصوير المتعدد الأطياف ومسح الآثار الدقيقة، وغيرها من التقنيات المتقدمة، يتم حل المشكلات التقنية المعقدة في التنقيب والترميم وتفسير النقوش. كما ساعد الجانب الصيني الجانب المصري على إنشاء قاعدة بيانات للكنوز الأثرية والقوانين والتقنيات المصرية القديمة، لتوفير مرجع علمي لترميم الآثار. هذا لا يعني أن الجانب الصيني يقدم التقنيات في مشروع محدد، بل يقوم باستمرار ببناء البنية التحتية لإنتاج المعرفة.
جدير بالذكر أن الجانب الصيني شارك في جلسات بحث أثرية جوهرية، ويستفيد مع الجانب المصري من كل البيانات الأصلية والنتائج البحثية. وقد قال مسؤول مصري: "إنهم يستخدمون المعدات والتقنيات الصينية، بل ويشاركوننا جميع البيانات والنتائج. هذا تعاون متكافئ حقا ومفيد للطرفين." وهكذا، لم يعد "موطن الآثار" مجرد مزود للكنوز الأثرية، بل أصبح "مشاركا في المعارف" على قدم المساواة.
في الجانب الأكاديمي الدولي، كسر نمط التعاون الصيني- المصري نمط البحث الأكاديمي الغربي المتمثل في "الاكتشاف والأخذ ونشر النتائج"، وأنشأ نموذجا جديدا للتكنولوجيا يخدم البناء المشترك للبيانات وتنمية الأكفاء وبناء القدرات، وبالتالي يقدم "نموذجا شرقيا" للعمل الأثري المشترك العالمي.
عندما يزيح الأثريون الصينيون والمصريون الغبار عن آثار تعود لآلاف السنين على ضفاف النيل، لا يقتصر دورهم على حفظ الذاكرة المشتركة للحضارة الإنسانية فحسب، وإنما أيضا يبرهنون للعالم أن التكنولوجيا جسر لا حاجز، وأن الخبرات يجب أن تُشارك لا أن تُحتكر، وأن الأكفاء يجب أن يتم تطويرهم بجهود مشتركة لا أحادية. وهذا يجسد قيمة العصر التي تتجلى في النضج اليومي لآلية التعاون الصيني- المصري.
--
تشو فانغ، أستاذ مساعد في كلية اللغة العربية بجامعة الدراسات الدولية بشانغهاي.
