مجتمع < الرئيسية

حينما يزهر العلم وتتقارب الشعوب في حقول التعاون

: مشاركة
2026-08-25 12:21:00 الصين اليوم:Source د. سالم محمد سالم دربين:Author

تعد العلاقات المصرية- الصينية نموذجا متفردا للشراكة الإستراتيجية التي تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس عمق الاحتياجات التنموية للشعوب. وفي قلب هذه الشراكة، يبرز التعاون الزراعي كركيزة أساسية لا تقتصر على التبادل التجاري، بل تمتد لتشمل تبادل الخبرات العميقة ونقل التكنولوجيا الزراعية المتقدمة والعمل المشترك لمواجهة التحديات العالمية التي تهدد الأمن الغذائي، وعلى رأسها التغيرات المناخية المتسارعة وتناقص الموارد المائية، وانتشار الآفات الزراعية العابرة للحدود التي تستنزف الاقتصاديات الزراعية. إن ما يجمع القاهرة وبكين اليوم هو إرادة سياسية وعلمية مشتركة لتحويل مفاهيم التعاون إلى ممارسات ميدانية ملموسة تخدم المزارع والمؤسسات الزراعية، معتمدتين في ذلك على إرث حضاري عريق يولي الأرض ويقدر قيمة الزراعة كأصل إستراتيجي للأمن الوطني.

رحلة علمية جسدت الشراكة الإستراتيجية

إن مسيرتي الشخصية في هذا التعاون هي أحد الانعكاسات الحية لعمق هذه العلاقات؛ فقد كانت رحلتي العلمية إلى الصين نقطة تحول جوهرية في مساري الأكاديمي، شأني في ذلك شأن الكثيرين ممن سبقوني أو ممن سيأتون من بعدي في هذا الدرب العلمي المشترك. أتيحت لي فرصة فريدة للانضمام إلى مختبر البروفيسور هو يو مينغ بجامعة فوجيان للزراعة والغابات، وهي تجربة لم تكن مجرد مهمة بحثية عابرة، بل كانت انغماسا كاملا في مدرسة علمية عالمية متميزة في وقاية النباتات. لقد تعلمت من البروفيسور هو يو مينغ أن البحث العلمي يتطلب انضباطا صارما وروحا طموحة للابتكار، والقدرة على الربط بين النظريات الأكاديمية والتطبيقات الحقلية. إن العمل تحت إشرافه المباشر كان بمثابة تدريب متقدم على كيفية معالجة المشكلات البيئية المعقدة في النظم الزراعية. لقد منحني هذا العمل رؤية حول التفاعلات البيئية وكيفية إدارة النظم الزراعية لتحقيق التوازن الدقيق بين زيادة الإنتاجية وحماية التنوع البيولوجي، وهو ما يمثل جوهر العلم الحديث في إدارة النظم البيئية والمحافظة عليها للأجيال القادمة. لقد كانت هذه التجربة التي تكررت عبر فترات بحثية متعددة، بمثابة صقل مستمر لأدواتي العلمية، مما عزز من قدرتي على تطوير حلول ابتكارية وربط الأبحاث الأكاديمية باحتياجات السوق والزراعة الواقعية.

كلية تشانغتشو.. حاضنة العلم والرمزية الإنسانية

بجانب مساري البحثي، لعبت الدورات التدريبية التي نظمتها كلية تشانغتشو للعلوم والتكنولوجيا في فوجيان دورا محوريا في صقل مهاراتي وفهمي للتقنيات الزراعية الحديثة، خاصة في مجال تكنولوجيا الشاي والصناعات الزراعية التحويلية. إن هذه الكلية لا تقدم مجرد مقررات دراسية، بل هي حاضنة للابتكار تهدف إلى دمج الباحثين من مختلف دول العالم في نسيج المعرفة الصيني. ومن أجمل اللقطات التي لا تفارق ذاكرتي في هذه الكلية هي "حديقة السلام". إنها ليست مجرد مساحة خضراء، بل هي فضاء رمزي يعبر عن تلاقي الحضارات. في هذه الحديقة، يتاح لأي زائر، وبكل مودة وتقدير، أن يزرع شجرة شاي بيده، وأن يكتب أمام شتلة الشجرة اسمه وبلده وتاريخ الزراعة.

وعلى المستوى الشخصي، كانت لي تجربة لا تنسى عندما زرعت شتلة الشاي الخاصة بي في عام 2013. وفي زيارتي الأخيرة للكلية عام 2025، كانت المفاجأة سارة ومؤثرة؛ فقد رأيت شجرتي وقد نمت وأصبحت كبيرة الحجم، ولا تزال لوحة البيانات التي تحمل اسمي وعلم مصر وتاريخ الزراعة، قائمة عليها كشاهد على تلك الذكرى. لقد تعهدت الجامعة بصون هذه الشتلات ورعايتها على مدار كل هذه الأعوام؛ وهي لفتة إنسانية رائعة تعكس فلسفة الكلية في غرس قيم السلام والتواصل بين الشعوب. إن هذه الشجرة تمثل شاهدا حيا على أن التعاون بين مصر والصين ينمو يوما بعد يوم، مثلما نمت هذه الشجرة التي تعكس علاقة المحبة الممتدة عبر الزمن والمسافات. إن شعور "الانتماء" الذي تمنحه هذه الكلية لضيوفها هو الذي يجعل من هذه التدريبات تجربة إنسانية لا تنسى، مما يعزز من مفهوم الدبلوماسية الشعبية والعلمية. إن استمرارية العناية بهذه الأشجار ترمز إلى التزام المؤسسات الصينية بالمحافظة على أواصر الود التي تجمعها بباحثيها وضيوفها، وهو درس عملي في تقدير العلاقات الإنسانية التي تتجاوز بروتوكولات العمل الرسمية.

المؤسسات الداعمة.. محركات الابتكار العالمي

إن هذا التعاون البحثي المتين ما كان ليتحقق لولا المظلة المؤسسية الصينية الراسخة. تلعب وزارة التجارة الصينية دورا محوريا في دعم البنية التحتية لهذا التعاون، من خلال تمويل دورات تدريبية متقدمة تستهدف الكوادر العلميين من الدول النامية. لقد وفرت هذه الدورات مزيجا فريدا بين النظريات الأكاديمية والتطبيقات الزراعية على أرض الواقع، مما يتيح للباحثين العودة إلى بلدانهم بحلول عملية قابلة للتطبيق الفوري في البيئة المحلية.

كما تمثل وزارة العلوم والتكنولوجيا في الصين الرئة التي يتنفس من خلالها البحث العلمي الدولي، عبر تقديم برنامج العلماء الشباب المتميزين من الدول النامية القادمين إلى الصين، لجذب العقول المبدعة من مختلف أرجاء العالم للعمل داخل المختبرات الصينية الرائدة. وقد تشرفت بكوني أحد الفائزين بهذه الخطة بفضل الله وتوفيقه، وهي تجربة لم تكن مجرد دعم مادي، بل هي استثمار إستراتيجي في بناء شبكة عالمية من العلماء الذين يجمعهم هدف واحد هو تحقيق الاستدامة الزراعية العالمية. إن الرؤية الصينية في تقديم هذه المنح تعكس إيمانا عميقا بأن العلم هو الجسر الأقوى لتقارب الشعوب ومواجهة الأزمات العالمية التي لا تعترف بحدود إلا من خلال تضافر الجهود العلمية، وتكثيف التمويل الموجه للبحث والابتكار، وتبادل التقنيات التي تحمي محاصيلنا وتضمن استمرار الإنتاج. هذا الدعم الممنهج يعكس التزاما صينيا أخلاقيا بتنمية المهارات البشرية في الدول الشريكة، ويفتح الباب أمام المزيد من التبادل المعرفي الذي يخدم البشرية جمعاء.

مبادرة "الحزام والطريق".. أبعاد تنموية مستدامة

مبادرة "الحزام والطريق" المظلة الشاملة لهذا التعاون الزراعي، حيث حولت التعاون من مبادرات فردية أو مؤسسية محدودة إلى إطار تعاوني دولي واسع يمتد ليشمل القارات. إن هذه المبادرة تتعدى كونها مجرد مشروعات بنية تحتية أو طرق تجارية، بل هي شراكة معرفية وتكنولوجية عابرة للحدود تهدف إلى خلق عالم أكثر توازنا. في إطار "الحزام والطريق"، أصبح التعاون المصري- الصيني يعني ربط الأسواق، وتبادل تقنيات الزراعة الذكية، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية لتكون أكثر كفاءة ومقاومة للتقلبات المناخية. إن التوافق الإستراتيجي بين رؤية "مصر 2030" الوطنية ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية يفتح آفاقا غير مسبوقة لتحديث الزراعة في مصر، مستفيدين من الخبرات الصينية الهائلة في مجال الزراعة الدقيقة والتقنيات الحيوية التي تضمن الأمن الغذائي لملايين البشر في ظل التحديات العالمية. إن هذا التعاون يشمل أيضا تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية في الأسواق العالمية، عبر تحسين معايير الجودة وسلامة الغذاء. إن المبادرة تعزز من قنوات التواصل المباشر بين مؤسسات البحث العلمي في البلدين، مما يسهل تبادل البيانات والخبرات الفنية بسرعة وكفاءة أعلى من أي وقت مضى.

التعاون العلمي كرسالة إنسانية ونموذج للتقدم

إننا في مصر، ومن خلال شراكتنا مع المؤسسات الصينية، نؤمن بأن الزراعة هي لغة عالمية يفهمها الجميع. إن التبادل العلمي لا يقف عند حدود المختبر أو الحقل، بل يمتد ليشمل تبادل القيم الثقافية والاجتماعية. إننا نرى في كل باحث صيني زميلا في رحلة البحث عن حلول لمشكلات الأرض، وفي كل مزارع مصري شريكا في هذه التنمية. إن الهدف الأسمى لهذا التعاون هو خلق بيئة زراعية تضمن حياة كريمة للأجيال القادمة، مع احترام خصوصية الموارد المحلية وحمايتها. إن روح التكاتف التي نلمسها في المختبرات والجامعات الصينية هي جوهر النجاح؛ فهي ليست مجرد علاقة "معط ومستفيد"، بل علاقة تكامل معرفي تعيد تشكيل مفاهيم الابتكار الزراعي وفق رؤية إنسانية شاملة تضع رفاه الشعوب فوق أي اعتبار تجاري ضيق، وتؤمن بأن التكنولوجيا هي أداة لخير الجميع.

نحو رؤية مستقبلية مشتركة

إن الشراكة الزراعية بين البلدين هي رحلة مستمرة نحو الابتكار والتعلم المشترك، والسعي الجاد لتحقيق الأمن الغذائي المستدام. نحن اليوم لا نكتفي بتبادل المعارف، بل نعمل على تأسيس قواعد تعاون طويلة الأمد تشمل تبادل الكوادر العلميين، وتطوير براءات الاختراع المشتركة، وإيجاد حلول بيئية مبتكرة تغنينا عن الاعتماد المفرط على المبيدات الكيميائية الضارة. إن كل تجربة بحثية شاركت فيها، وكل برنامج تدريبي أشرفت عليه الوزارات الصينية، كان يضيف لبنة جديدة في صرح هذه الشراكة القوية التي تزداد رسوخا يوما بعد يوم. إننا نؤمن بأن الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية هو الاستثمار الأضمن لمستقبل الأجيال القادمة، وهو ما يجعل هذا التعاون يتصدر أولويات أجندتنا العلمية والوطنية. إننا نطمح إلى تحويل مخرجات هذه الشراكة إلى مشروعات تنموية رائدة تخدم المجتمعات الريفية في البلدين، مما يعزز من القدرة على التكيف مع متطلبات السوق العالمية المتغيرة باستمرار.

الزراعة كجسر لتواصل الحضارات

ختاما، إن تجربة التعاون الزراعي بين مصر والصين، هي خير دليل على أن التقاء الإرادات الوطنية والبحث العلمي الجاد يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا وملموسا على أرض الواقع. إننا نتطلع إلى مزيد من الخطوات المشتركة التي تعزز من هذه الشراكة، ليس فقط لخدمة مصالح البلدين، بل لتقديم نموذج يحتذى به في التعاون الدولي البناء الذي يضع تنمية الإنسان وحماية الأرض على رأس أولوياته. إن المستقبل يحمل في طياته آفاقا واعدة تتجاوز التوقعات، والزراعة ستظل دائما هي الجسر الأخضر الذي يربط حضارتينا العريقتين، مؤكدة أن العمل المشترك والبحث العلمي الصادق وتبادل الخبرات، هي السبيل الوحيد لبناء عالم أكثر استدامة وأمنا ورخاء للأجيال القادمة. إننا نمضي قدما، بخطى ثابتة ورؤية واضحة، نحو مستقبل تكون فيه الزراعة هي العنوان الأبرز لنهضة الشعوب وتطورها، مستلهمين في ذلك تجارب النجاح التي بنيناها معا في "حديقة السلام"، ومستشرفين آفاقا أوسع من الابتكار والتقدم العلمي المشترك في ظلال هذه الشراكة التي ستظل رمزا للتعاون الإنساني النبيل. إن التاريخ سيذكر أننا، ومن خلال عملنا الدؤوب، لم نكتفِ بزراعة الأشجار، بل زرعنا بذورا للسلام والتفاهم المتبادل الذي سيبقى أثره طويلا، وسيكون شاهدا على أن العلم حينما يقترن بالحب، يمكنه أن يزهر في أي أرض ويحقق الرخاء لجميع بني البشر.

--

د. سالم محمد سالم دربين، أستاذ مساعد بمعهد بحوث وقاية النباتات في مركز البحوث الزراعية- مصر.   

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4