مجتمع < الرئيسية

التعايش بين المناطق الحضرية والحيوانات البرية

: مشاركة
2026-07-31 16:28:00 :Source تشاو يانغ:Author

شهدت المناطق الحضرية في السنوات الأخيرة ظهورا متكررا للحيوانات البرية، مثل السناجب والقنافذ والخنازير البرية، وتراوحت ردود فعل الناس تجاهها بين الفضول والخوف، بل وصلت في بعض الحالات إلى وقوع إصابات جسدية وخسائر مادية.

وقد أرسى مشروع "تعداد كلاب الراكون" في شانغهاي نموذجا عمليا ناجحا، قابلا للتكرار والتعميم، لبناء بيئة حضرية يتعايش فيها الإنسان والطبيعة بانسجام في المناطق المكتظة بالسكان.

الوضع المثالي للتعايش

في إحدى أمسيات الصيف في شانغهاي، وبعد غروب الشمس، بدأت فرق عديدة تتحرك في صمت. جابت أرجاء التجمعات السكنية، تبحث في كل مكان عن "ساكن جديد" ذي عينين مستديرتين وخطم مدبب وجسم مكسو بالفراء؛ إنه كلب الراكون، وهو أحد الحيوانات البرية المحمية من الدرجة الثانية على المستوى الوطني في الصين. ويستكشف هذا المشروع، الذي بدأ في 2022 واستمر أربع سنوات متتالية، سبل التعايش بين سكان الحضر و"جيرانهم من الحياة البرية".

بدأت هذه القصة قبل عدة سنوات. فمع التحسن المستمر في البيئة الإيكولوجية لشانغهاي، عادت أعداد كبيرة من كلاب الراكون، التي تعد دلتا نهر اليانغتسي موطنها الأصلي، إلى المدينة، مستفيدة من وفرة نفايات الطعام الرطبة وأطعمة القطط، واستقرت في حوالي ثلاثمائة تجمع سكني، ليقدر عددها بما يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف. وعلى الرغم من أن عودة هذا الحيوان البري إلى المدينة تعد مؤشرا على تحسن البيئة الإيكولوجية، فإنها جلبت معها تحديات جديدة، إذ إن الزيادة في أعداد كلاب الراكون قد تؤدي إلى ظهور سلوكيات غير طبيعية، وارتفاع مخاطر انتقال بعض الأمراض مثل الجرب الناجم عن عث الجرب، فضلا عن حدوث صراعات مع الحيوانات الأليفة في بعض الأحيان. وقد تلقت الجهات المعنية شكاوى وطلبات مساعدة من السكان.

ولتحقيق الحماية العلمية والإدارة الدقيقة، أطلق مشروع "تعداد كلاب الراكون" في شانغهاي بدعم من جمعية حماية الحيوانات والنباتات البرية في المدينة، وشركة هواتاي للأوراق المالية، ومؤسسة هواتاي الخيرية وغيرها من الجهات، وبالتعاون مع المحطة العامة للغابات في شانغهاي ومعهد علم التنوع البيولوجي بجامعة فودان ومركز شانشوي لحماية الطبيعة. قالت تشو جينغ تشي، المستشارة العلمية والمسؤولة عن مشروع "تعداد كلاب الراكون"، إن فريقها يحدد في شهر يوليو من كل عام مسارات ميدانية داخل التجمعات السكنية باستخدام الصور الفضائية، وينظم المتطوعين لرصد أعداد كلاب الراكون، وتسجيل مواقعها وخصائصها الفردية خلال فترات ذروة نشاطها. كما يجري الفريق مقابلات ميدانية مع السكان، بالتزامن مع دراسة أساليب إدارة النفايات في التجمعات السكنية، وأوضاع إطعام القطط، بهدف تكوين صورة شاملة عن واقع التعايش بين البشر وكلاب الراكون.

وأوضح تقرير ((تعداد كلاب الراكون في شانغهاي 2025)) أن كلب الراكون يزداد تكيفا مع الحياة الحضرية بعد دخوله المدينة، ويظهر مرونة عالية في سلوكه. كما أشار التقرير إلى أن السلوك البشري بات، إلى حد كبير، يحل محل العوامل الطبيعية التقليدية، مثل الغطاء النباتي ومصادر المياه، ليصبح المتغير الرئيسي الذي يؤثر في توزيع تجمعات كلاب الراكون على المستوى المحلي. ومن أبرز أسباب زيادة أعداد بعض تجمعات كلاب الراكون سوء إدارة نفايات الطعام الرطبة والإفراط في توفير طعام القطط.

استنادا إلى نتائج الدراسة، تعاون فريق المشروع مع إدارة العقارات ومتطوعي التجمعات السكنية وجهات أخرى، لتحسين إدارة النفايات وسد الشقوق في المباني ووضع لافتات توعوية علمية في أماكن مناسبة، وتنظيم محاضرات للتوعية بأساليب التعامل السليم مع نفايات الطعام الرطبة وطعام القطط. كما عمل الفريق على إنشاء متحف للتوعية العلمية بعنوان "التناغم بين البشر وكلاب الراكون" وإعداد "دليل تجمعي حول كيفية التعامل مع الحيوانات البرية المنتشرة في شانغهاي" ونشر "حزمة الدورات العلمية حول رصد الطبيعة في شانغهاي" لتشكيل خطة إدارة التنوع البيولوجي الحضري تدريجيا للتجمعات السكنية التي تركز على شانغهاي وموجهة إلى جميع المدن في الصين.

حتى عام 2025، نشر مشروع "تعداد كلاب الراكون" سبع أوراق بحثية ونحو مائة مقال توعوي، كما نظم أكثر من تسعين محاضرة متنوعة. في عام 2025، وصل عدد مشاهدات مؤتمر إعلان نتائج "تعداد كلاب الراكون" عبر الإنترنت 550 ألف مشاهدة.

أسهمت هذه الجهود في تغيير نظرة السكان إلى كلاب الراكون، إذ تحول موقفهم منها من "عدم الإعجاب بشكل عام" إلى "الحياد بشكل عام". وأعربت تشو جينغ تشي عن رضاها الكبير عن هذه النتائج، قائلة: "البشر وكلاب الراكون كلاهما من الكائنات التي تعيش في شانغهاي، وعندما يتمكن كل منهما من العيش في سلام من دون إزعاج للآخر، فهذا هو الوضع المثالي الذي نتمنى رؤيته".

إن الجمع بين الإدارة العلمية والتوعية العلمية العميقة أثمر نتائج بارزة. أظهرت نتائج تعداد عام 2025 أن نطاق انتشار كلاب الراكون في شانغهاي لا يزال يتوسع، إلا أن عدد تجمعاتها انخفض بشكل ملحوظ، ودخل مرحلة مستقرة نسبيا؛ وتم تحسين حالات الكثافة المحلية المفرطة لتجمعات كلاب الراكون بشكل كبير، وانخفضت مخاطر الصراع بين البشر والحيوانات البرية.

الوعي العلمي لعامة الناس

في عام 2025، توسع نطاق "تعداد كلاب الراكون" ليشمل 112 تجمعا سكنيا في تسعة أحياء إدارية بشانغهاي. وخلال أربع سنوات، بلغ إجمالي طول المسح الميداني نحو ألفي كيلومتر، وتم جمع 1652 استبيانا من السكان.

وراء هذه البيانات الكبيرة والموثوقة بها، كانت هناك مشاركة متواصلة لما يقارب ألف وستمائة متطوع. وقد تحقق ذلك بفضل ميزة بارزة في مشروع "تعداد كلاب الراكون"، وهي دمج أعمال التعداد مع أنشطة التوعية العلمية الموجهة للجمهور. هذه الطريقة التنظيمية لا توفر الكثير من الوقت وتزيد دقة البيانات فقط، بل تتيح أيضا لعدد كبير من المتطوعين من عامة الناس تحسين الوعي العلمي من خلال الممارسة العملية.

شاركت المتطوعة تشو يون في أعمال التعداد على مدى ثلاث سنوات متتالية، حتى أصبحت قائدة فريق ذات خبرة. بفضل تأثير والديها، نشأت تشو يون قريبة جدا من الحيوانات ومولعة بها. وقد قالت إنها قامت، ذات مرة، مع والدها بإطعام صغار الطيور التي وجداها في الشارع حتى كبرت وأُعيدت إلى البرية. قالت تشو يون: "أعتقد أنني الآن لن أفعل ذلك"، مشيرة إلى أن تلك النوايا الطيبة البسيطة تتعارض مع قوانين الطبيعة. فعلى سبيل المثال، إطعام الطيور يقلل من استهلاكها للطعام في البرية، مما يخل بالسلسلة البيولوجية بأكملها. وأضافت: "عدم التداخل هو ما ينبغي لنا فعله". "عدم الخوف وعدم اللمس وعدم الإطعام وعدم الإيذاء"، هذه هي أيضا المبادئ الأربعة للتعايش مع الحيوانات البرية التي يواصل فريقها توعية الناس بشأنها.

قالت تشو يون بعد عدة سنوات من الأعمال التطوعية، تحسنت معرفتي بالعلوم الإيكولوجية بشكل كبير. يشبه الأمر الانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي، فلكل منهما أبعاده المختلفة." في البداية، انضمت تشو يون إلى المشروع بسبب حبها للحيوانات، وكذلك لمرافقة أطفالها، لكن طرق المشاركة المنهجية التي وفرها الباحثون للجمهور جعلتها تدرك تدريجيا أن العمل الفردي ليس مجرد هواية شخصية، بل هو جزء حقيقي من بناء البيئة الحضرية وله قيمة علمية واضحة.

في عام 2025، قدمت تشو يون طلبا لإقامة "ركن شياوهونغهوا لمراقبة الطيور" في التجمع السكني الذي تقيم فيه، على أمل أن تشجع الجيران، خاصة الأطفال، على معرفة الطبيعة وفهم الحدود بين الإنسان والحيوان وبناء علاقة قائمة على التفاهم والاحترام في الحياة اليومية.

بعد سنوات من إدارة البيئة الإيكولوجية، اكتست شانغهاي، هذه المدينة العالمية الكبرى، بمزيد من اللونين الأخضر والأزرق، وأضفى العشب المتنامي وأصوات الحشرات مزيدا من الحيوية والطاقة على الحياة العصرية. تشو يون، التي ولدت ونشأت في شانغهاي، كانت تشعر بالأسى في طفولتها عند رؤيتها للنهر الأم لشانغهاي؛ نهر سوتشو، مظلما وتفوح منه الروائح الكريهة. أما الآن، فقد أصبح المشهد مختلفا، فالمياه الصافية تعج بالأسماك، وعلى ضفاف النهر كل مترين أو ثلاثة تربض طيور الليل كالحراس، مستعدة للغوص للصيد. قالت تشو يون: "هنا الطيور تحلق والأسماك تقفز، هذا هو النهر الأم الحقيقي، هذا هو المشهد الذي أريد أن تراه الأجيال القادمة."

مؤخرا، التقطت تشو يون على ضفاف نهر سوتشو صورا للنوارس السيبيرية التي تزور المنطقة بشكل متكرر أثناء هجرتها، كما ازداد عدد اليمام المرقط الذي يسكن في التجمع السكني الذي تقيم فيه، مما يجذب الصقر الأحمر أيضا. في هذه المدينة، تنمو سلسلة غذائية صغيرة لكنها نابضة بالحياة.

في صيف عام 2025، بينما كانت تشو يون تتجول في التجمعات السكنية في شانغهاي بحثا عن آثار كلاب الراكون، كانت ابنتها الكبرى، التي تدرس تخصص علم الحيوان في الجامعة، مرابطة في المحمية الطبيعية الوطنية للبيئة البحرية في أرخبيل جيوشان بمقاطعة تشجيانغ، للمشاركة في حماية طائر السنونو الصيني الأسود الرأس، الذي لم يبق منه سوى مائتي طائر في العالم، وتسلمت ابنتها الصغرى الراية من شقيقتها، فأصبحت تقرأ وتشرح للأطفال واليافعين الكتب المعنية بحماية الحيوانات البرية في مكتبة الأطفال واليافعين بحي جينغآن في شانغهاي.

"تجربة شانغهاي" قابلة للتكرار والتطبيق

مشروع "تعداد كلاب الراكون" هو أول مشروع في الصين يجري مسحا متزامنا للحيوانات البرية في المدن الكبرى بمشاركة المواطنين وفق آلية علمية منظمة، كما ابتكر نموذجا تعاونيا يُعرف باسم "المثلث الحديدي"، حيث تتضافر جهود الجهات الحكومية والفرق البحثية والمنظمات الاجتماعية وتتكامل مزاياها معا. أوضحت تشو جينغ تشي أن جامعة فودان توفر الدعم العلمي والمنهجي، بينما تتولى المحطة العامة للغابات في شانغهاي التنسيق والتصميم الأعلى والمراقبة، في حين يعمل مركز شانشوي لحماية الطبيعة على تشجيع الجمهور على المشاركة. يدمج هذا المشروع بشكل عميق التوجيه العلمي والتنفيذ الإداري والتحفيز الاجتماعي، وهو لم ينتج فقط قاعدة بيانات عالية الجودة، بل استكشف أيضا "تجربة شانغهاي" التي يمكن تكرارها وتعميمها لتحقيق تعايش متناغم بين الإنسان والطبيعة في المدن الكبرى.

في الوقت الحاضر، أصبح مشروع "تعداد كلاب الراكون" مشروعا طويل الأمد ومعروفا على نطاق واسع: ففي عام 2022، تم اختياره ضمن "أكثر من مائة ممارسة وإجراء إيجابي للتنوع البيولوجي حول العالم"، في مؤتمر الأطراف الخامس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي؛ وفي عام 2023، حصل على جائزة "النماذج المتميزة للتنوع البيولوجي في مدينة شانغهاي"؛ وفي عام 2024، حصل على جائزة أفضل عشرة نماذج لمشاركة الجمهور تحت عنوان "الصين الجميلة، أنا فاعل" التي أطلقتها وزارة الإيكولوجيا والبيئة الصينية. بالإضافة إلى ذلك، حصل المشروع على دعم خاص ضمن "خطة عمل الابتكار التكنولوجي" لعام 2024 التي أصدرتها لجنة العلوم والتكنولوجيا في شانغهاي.

مع تقدم التحول الحضري، تتحول المناطق المكتظة بالسكان مثل سهول شمالي الصين ودلتا نهر اليانغتسي ودلتا نهر اللؤلؤ من "مناطق هامشية" لحماية التنوع البيولوجي إلى مساحة الزيادة الرئيسية. وفي الوقت نفسه، يزداد اهتمام سكان المدن بهذا الموضوع بشكل مستمر.

في عام 2025، شهدت ((قائمة الحيوانات البرية المحمية الرئيسية في شانغهاي)) أول تعديل لها بعد مرور 32 عاما. وشمل التعديل حذف بعض الأنواع المستقرة التي لا تحتاج إلى اهتمام خاص، مثل الضفدع ذي البقع السوداء، كما أُضيفت أنواع أخرى مثل ابن عرس الأصفر والغرير والأرنب الصيني الجنوبي بسبب تراجع أعدادها بشكل حاد أو لأنها مهددة على المدى الطويل. سيلعب هذا التعديل دورا مهما في تعزيز الحماية وفق القانون وزيادة وعي الجمهور بالمحافظة على هذه الحيوانات.

في إبريل عام 2026، تم تنظيم فعاليات مكثفة مثل الدورة الخامسة والأربعين للسوق الإيكولوجية لـ"أسبوع حب الطيور" ومسابقة مشاهدة الطيور في شانغهاي، مما أثار حماسة معرفة الطيور ومحبتها بين عشاق مشاهدة الطيور وعامة الناس في جميع أنحاء المدينة. تشير بيانات إدارة شانغهاي للتشجير والمظهر الحضري إلى أنه حتى نهاية عام 2025، بلغ عدد أنواع الطيور البرية المسجلة في شانغهاي 543 نوعا؛ وفي نفس العام، أُضيفت ثمانية أنواع جديدة وحوالي 970 ألفا من الطيور البرية، محققة أعلى رقم خلال العقد الماضي.

كما يؤكد ليوي تشي، الرئيس المشارك للتقييم العالمي للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، والأستاذ في كلية علوم الحياة بجامعة بكين، ومؤسس مركز شانشوي لحماية الطبيعة، أن حماية التنوع البيولوجي في جوهرها تتعلق بالبشر أنفسهم. فقط من خلال التركيز على الناس والتجمعات السكنية يمكن للمدن أن تحتضن الطبيعة حقا.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4