في شهر إبريل، حيث هواء هضبة تشينغهاي- شيتسانغ خفيف ورياحها عاتية، وصل وو فِيْ شيانغ، الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم، مع فريقه إلى المنطقة مرة أخرى. لم يمنحوا أنفسهم وقتا للراحة، بل شرعوا فورا في أعمالهم الميدانية للسنة الجديدة، والمتمثلة في البحث بين الطبقات الصخرية الشديدة الانحدار عن قصص الحياة التي دفنها الزمن لمئات الملايين من السنين.
في محطة البحث العلمي بمدينة لاسا بمنطقة شيتسانغ الذاتية الحكم، روى وو فِيْ شيانغ قصته مع أحافير الهضبة التي رافقته لنحو عشرين عاما، وأوضح كيف تحولت هذه الأرض من محيط قديم إلى أعلى هضبة في العالم.
"يوميات نمو" الأرض في قلب الهضبة
إذا أردنا معرفة هضبة تشينغهاي- شيتسانغ، فلا بد أن نبدأ من قصة ناتشيوي. قبل زمن سحيق، لم تكن قارات الأرض على هيئتها الحالية، بل كانت هناك كتلة قارية تُسمى بـ"كتلة لاسا" تطفو شمالا في محيط قديم، كأنها سفينة عملاقة، حتى اصطدمت بعنف بكتلة قارية أخرى تُسمى بـ"كتلة تشيانغتانغ". بهذا الاصطدام المدوي، ظهرت سلاسل جبلية شكلت الإطار البنيوي الأساسي لهضبة تشينغهاي- شيتسانغ اليوم.
بعد الاصطدام، شهدت القشرة الأرضية حركات تكتونية عنيفة، فظهرت على هذه الأرض الناشئة العديد من البحيرات الكبيرة والصغيرة. خلال عشرات الملايين من السنين اللاحقة، استمرت الهضبة في الارتفاع، وجفت مياه البحيرات تدريجيا. تراكم الطين والرمال في قاع البحيرات طبقة فوق أخرى، وتحولت تحت ضغط إلى صخور رسوبية صلبة، احتفظت في داخلها ببقايا الحيوانات والنباتات القديمة، وهي ما نطلق عليه اسم "الأحافير".
وصف وو فِيْ شيانغ هذه الأحافير بقوله: "هذه الأحافير هي بمثابة 'يوميات نمو' تسجل رحلة تحول هضبة تشينغهاي- شيتسانغ من محيط إلى يابسة، ومن أرض منخفضة إلى هضبة مرتفعة." وأشار إلى أن معظم الأحافير التي جمعت خلال الأبحاث العلمية إلى تشينغهاي- شيتسانغ المعروضة في المتاحف اليوم تعود إلى مدينة ناتشيوي. سواء كانت أحافير سمكة إيواناباس ثيبيتانا أو أوراق نخيل متحجرة أو عظام حصان ثلاثي الأصابع، فإن كل أحفورة تمثل صفحة من هذه اليوميات الطبيعية، تسجل بكل وضوح تعاقب الحياة وتغير البيئة على هذه الأرض.
بدأت علاقة وو فِيْ شيانغ بهضبة تشينغهاي- شيتسانغ في عام 2009، بعد حصوله على درجة الدكتوراه، وقد سار على خطى من سبقوه، ووصل إلى ناتشيوي لأول مرة. على مدى الستة عشر عاما التالية، قام وو فِيْ شيانغ ورفاقه بعشرات الرحلات ذهابا وإيابا، وواجهوا خلالها الرياح العاتية والبرد القارس ونقص الأكسجين، وواصلوا بثبات أداء مهامهم في الصفوف الأولى للعمل الميداني للبعثات العلمية.
في عام 2017، أطلقت الصين ثاني بعثة علمية شاملة إلى هضبة تشينغهاي- شيتسانغ، وأصبح وو فِيْ شيانغ عضوا رئيسيا في فريق الحفريات، وتولى قيادة الفريق في عدد من المهمات الميدانية. قاد وو فِيْ شيانغ الفريق في أعمال تنقيب منهجية في مناطق شمالي شيتسانغ الشاهقة الارتفاع، محققا سلسلة من الاكتشافات العلمية المهمة. تم اكتشاف العديد من الأحافير النادرة، مثل أحافير سمكة إيواناباس ثيبيتانا وأشجار النخيل الاستوائية، خلال هذا البحث العلمي.
القصة الكاملة لتغير البيئة باستخدام الأحافير
من بين الأحافير المكتشفة في ناتشيوي، تحظى سمكة إيواناباس ثيبيتانا بأهمية استثنائية. كيف يمكن لسمكة استوائية أن توجد في هضبة شديدة البرودة؟ هذه السمكة لديها عضو تنفسي خاص يشبه الرئة البدائية، يمكنها الخروج من الماء للتنفس في حال نقص الأكسجين. وهذه الخاصية لا يمكن أن توجد إلا في الأراضي المنخفضة الاستوائية الدافئة والرطبة.
قال وو فِيْ شيانغ: "توصلنا إلى نتيجة مدهشة. قبل حوالي ستة وعشرين مليون سنة، ربما كان ارتفاع ناتشيوي أقل من ألفي متر، وكانت المنطقة غابة استوائية دافئة ورطبة." وبالفعل، وجد فريق وو فِيْ شيانغ في الطبقة الصخرية نفسها أحافير نباتات استوائية مثل أشجار النخيل. تتوافق أحافير الحيوانات والنباتات مع بعضها البعض، مؤكدة أن المناطق الداخلية من الهضبة لم تكن بتلك القسوة التي نراها اليوم، بل ترسم صورة "شانغريلا القديمة".
حلت هذه السمكة الاستوائية الصغيرة أيضا لغزا عالميا، ألا وهو سبب وجود سلالة إيواناباس ثيبيتانا في جنوب شرقي آسيا وأفريقيا رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينهما؟ الجواب هو أن هذه الأسماك استخدمت هضبة تشينغهاي- شيتسانغ، التي كانت منخفضة الارتفاع آنذاك، كمحطة عبور لتنتقل تدريجيا إلى القارة الأفريقية.
تشبه الأحافير كبسولات زمنية تقودنا إلى ماض أعمق. فنجد أشجار النخيل وأشجار ألبيزية الحرير وغيرهما في الأحافير التي عاشت في شيكاتسي قبل حوالي ستة وخمسين مليون سنة، مما يشير إلى أنها كانت غابة استوائية مطيرة على ارتفاع ألف متر فقط. أما قبل حوالي أربعة ملايين وخمسة ملايين سنة في تساندا، فتوجد في الأحافير شجيرات صغيرة مقاومة للبرد والجفاف، وأصبحت البيئة الطبيعية مشابهة جدا للهضبة اليوم.
قال وو فِيْ شيانغ: "عندما نضع هذه الأحافير من عصور مختلفة معا، تتشكيل القصة الكاملة لهضبة تشينغهاي- شيتسانغ. ارتفعت الهضبة تدريجيا من أرض منخفضة دافئة، حتى أصبحت الهضبة الثلجية التي نراها اليوم".
جسر يربط بين العلم والجمهور والمستقبل
ما الفائدة من قضاء العمر كله في البحث عن الأحافير؟ يجيب وو فِيْ شيانغ ببساطة قائلا: "كيف يمكننا أن نتوجه نحو المستقبل من دون معرفة الماضي؟"
يعتقد وو فِيْ شيانغ أن أبحاث الأحياء القديمة ليست مجرد نظريات لا تطبق على أرض الواقع، بل تدل على أصل حيوانات الهضبة مثل نمر الثلوج، وتعيد إظهار تاريخ تغير بيئة الهضبة، كما تساعد هذه الدراسات على الكشف عن الكيفية التي أسهم بها ارتفاع الهضبة في التأثير على المناخ والبيئة في آسيا، بل وفي أجزاء واسعة من العالم. تحمل هضبة تشينغهاي- شيتسانغ لقب "برج المياه في آسيا"، ويؤثر أي تغير صغير فيها على المنطقة بأسرها. لا يمكننا التنبؤ بالاتجاهات المناخية المستقبلية بشكل أكثر علمية إلا من خلال فهم تاريخ تطور الأرض، مما يوفر إرشادا لتوجيه حماية البيئة في الوقت الراهن.
يبذل وو فِيْ شيانغ جهودا كبيرة في نشر المعارف العلمية حول الأحافير، وقد حظي كتابه ((طي الجبال والبحار.. ملحمة حياة هضبة تشينغهاي- شيتسانغ)) باهتمام واسع من القراء، وأدرج في القائمة الشهرية للكتب الصينية المتميزة لشهري يناير وفبراير عام 2025. في هذا الكتاب، يروي وو فِيْ شيانغ بلطف التغيرات الجيولوجية على مدى مئات الملايين من السنين وقصص أجيال من الباحثين، مما يتيح للعامة فهم أسرارها.
قال وو فِيْ شيانغ: "إن نشر المعارف العلمية هو جسر يربط بين العلم والجمهور." على مر السنين، كان وو فِيْ شيانغ وفريقه، في أوقات فراغهم من العمل الميداني، يزورون مدارس في ناتشيوي وتساندا وغيرهما من المناطق، لرواية أسرار الأحافير للأطفال، كما أقاموا معارض علمية في متاحف منطقة شيتسانغ، ونشروا مجلات علمية باللغة التبتية لينقلوا المعرفة إلى الرعاة الذين يعيشون على ظهور الخيل جيلا بعد جيل.
قال وو فِيْ شيانغ: "أتمنى أن يعرف أطفال ناتشيوي أن الجبال التي اعتادوا رؤيتها أمام منازلهم تكتنز قصص تطور الأرض على مدى مئات الملايين من السنين." وأضاف أن معرفة ماضي موطنهم يجعل حبهم لهذه الأرض أكثر عمقا. يأمل وو فِيْ شيانغ أن يتمكن المزيد من الناس من قراءة هذه الذاكرة الأرضية المهيبة لهضبة تشينغهاي- شيتسانغ من خلال جهوده المتواصلة، وحمايتها بإجلال. هذا هو جوهر شغفه بالقيام بالأبحاث العلمية والنشر.
