تضم الصين ثماني عشرة مدينة يتجاوز عدد السكان المقيمين في كل منها عشرة ملايين نسمة، مما يجعلها واحدة من أكثر دول العالم ازدحاما من حيث حركة النقل والمواصلات. يسافر مئات الملايين من سكانها يوميا عبر الطرق الحضرية والطرق السريعة والسكك الحديدية، وذلك يتطلب مستويات أعلى من التشغيل الدقيق والإدارة الذكية. في هذا السياق، أصبح التحول في أنماط حوكمة النقل وتحديثها اختيارا حتميا لتحسين كفاءة تشغيل شبكات النقل والارتقاء بمستوى الخدمات. خلال السنوات الأخيرة، واعتمادا على التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، حققت الصين إنجازات لافتة في مجال بناء النقل الذكي.
الطائرات من دون طيار تسهم في الحوكمة الذكية
تعد الطرق السريعة من أكثر البيئات المرورية عرضة لوقوع الحوادث، بسبب ارتفاع سرعة السيارات وكثافة الحركة المرورية العالية. واليوم، أصبحت الطائرات من دون طيار مساعدا مهما لإدارة المرور في مختلف المدن لإجراء أعمال الدوريات والتعامل مع الحالات الطارئة.
في مدينة هايكو بمقاطعة هاينان، تستخدم شرطة المرور الطائرات من دون طيار لمراقبة حالات تعدي بعض المركبات على مسارات الطوارئ. وعند رصد أي سلوك مخالف، يتم توجيه تنبيهات صوتية فورية عبر الطائرات من دون طيار عن بعد لإبعاد المركبات المخالفة، بما يضمن التدفق السلس في مسارات الطوارئ بشكل دائم.
في مدينة خفي بمقاطعة آنهوي، بعد تلقي البلاغات عن الحوادث، ترسل شرطة المرور الطائرات من دون طيار إلى الموقع لإجراء المعاينة التصويرية، ثم ترشد السائقين إلى مغادرة منطقة الحادث بسرعة، تجنبا للازدحام المروري الناتج عن بقاء المركبات لفترات طويلة.
في مدينة ليشوي بمقاطعة تشجيانغ، عندما يرصد نظام المراقبة مؤشرات على حدوث ازدحام مروري في أجزاء من الطرق السريعة، تقلع الطائرات من دون طيار على الفور وتتجه إلى الموقع لتسيير حركة المرور عن بعد. وبالمقارنة مع وصول شرطة المرور إلى الموقع لتنفيذ الإجراءات ميدانيا، يوفر هذا الأسلوب قرابة خمس عشرة دقيقة.
بالإضافة إلى ذلك، بدأت بعض شركات تشغيل الطرق السريعة باستخدام الطائرات من دون طيار في أعمال الدوريات اليومية وإدارة الطرق وصيانتها. تعد إدارة الطرق السريعة وصيانتها مهمة معقدة بسبب تأثير التضاريس والأحوال الجوية وغيرها من العوامل، وكان الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على الدوريات الميدانية منخفض الكفاءة ومرتفع المخاطر. غير أن التطبيق العملي للطائرات من دون طيار يسهم في معالجة هذه المشكلة بصورة فعالة.
في منطقة قوانغشي الذاتية الحكم لقومية تشوانغ، طورت شركة تشغيل الطرق السريعة في مدينة تشينتشو نموذجا جديدا لاستخدام "الطائرات من دون طيار المحمولة على المركبات"، في أعمال الدوريات والفحص. ومن خلال التحكم عن بعد، يمكن للطائرات من دون طيار إجراء مسح سريع للمناطق الحيوية على امتداد الطرق السريعة، مثل المنحدرات الجانبية، التي كانت تتطلب الفحص البشري سيرا على الأقدام. حاليا، يمكن إنجاز الفحص بدقة عالية للطرق لعدة كيلومترات خلال دقائق، مما أدى إلى ارتفاع كفاءة أعمال الدوريات والفحص بشكل كبير.
تستطيع الطائرات من دون طيار تخطيط المسارات المثلى لتنفيذ مهام الفحص ذاتيا، بالاعتماد على تقنيات تحديد المواقع العالية الدقة وأنظمة الطيران الآلي. وفي الوقت نفسه، فإن كاميرات الطائرات المزودة بتقنية التصوير المتعدد الزوايا والتكبير البصري الذكي، يمكنها رصد الشقوق والانزلاقات الأرضية وغيرها من المخاطر بدقة، ثم تنقل بيانات الفحص بشكل فوري إلى منصة الإدارة، مع تشكيل ملفات أرشيفية رقمية قابلة للتتبع والمقارنة، لتكون مرجعا علميا لاتخاذ التدابير اللاحقة.
والأهم من ذلك، أن التطبيق العملي للطائرات من دون طيار يسهم في خفض المخاطر التي يتعرض لها العاملون في الخطوط الأمامية بصورة فعالة. ففي أعمال الدوريات والفحص التقليدية، كان يتعين على الموظفين العمل في أجزاء من الطرق ذات كثافة مرورية عالية أو بالقرب من منحدرات شديدة الانحدار. الآن، يمكن للعاملين تنفيذ مهام الدوريات والفحص عن بعد بواسطة الطائرات من دون طيار، مما يرفع مستوى السلامة بشكل كبير.
من دعم شرطة المرور في التعامل مع حالات الطوارئ إلى مساعدة شركات تشغيل الطرق السريعة على إدارة الطرق وصيانتها، تسهم الطائرات من دون طيار في إعادة تشكيل أنماط حوكمة الطرق السريعة.
خدمات ميسرة ترافق النقل الذكي
تعد مسألة كيفية جعل منجزات تطوير النقل الذكي أكثر شمولا وإتاحة لجميع فئات المجتمع، من القضايا المحورية في بناء منظومة النقل الذكي. وفي ظل التسارع المتواصل لانتشار أنماط النقل الرقمي، أطلقت بعض منصات خدمات النقل، نماذج خدمات أكثر بساطة ووضوحا، استجابة للتحديات التي يواجهها كبار السن في استخدام الأجهزة الذكية. فعلى سبيل المثال، وضعت بعض منصات سيارات الأجرة "محطات انتظار ذكية"، حيث لا يحتاج المستخدم سوى إلى فتح تطبيق "ويتشات" ومسح رمز الاستجابة السريعة على لوحة المحطة، لينتقل التطبيق تلقائيا إلى صفحة طلب السيارة. من خلال التنسيق بين الخدمات الرقمية والمرافق الميدانية، أصبح النقل الرقمي يغطي مختلف فئات المجتمع على نحو أفضل.
في خط مترو بكين رقم 18 الذي تم تشغيله التجريبي في 27 ديسمبر 2025، أظهر تصميمه الذكي حرصا واضحا على تحسين تجربة الركاب. فعلى الأرصفة، توجد شاشات كبيرة توفر معلومات شاملة عن القطارات القادمة، مثل توقيت الوصول واتجاه السير وحجم الازدحام داخل العربات. أما داخل عربات القطار، فعند الاقتراب من المحطة، تعرض الشاشات المثبتة أعلى الأبواب بوضوح موقع العربة التي يستقلها الراكب، مع إظهار مواقع السلالم المتحركة والمصاعد والمراحيض الأقرب من العربة، الأمر الذي يساعد الركاب على التخطيط المسبق لرحلاتهم ويجعل التنقل داخل المحطات أكثر انتظاما وفعالية.
في مجال النقل بالسكك الحديدية، أحدث التحول الرقمي تغييرا عميقا في تجربة الركاب. فقد أصبح نظام حجز تذاكر السكك الحديدية "12306" القناة الرئيسية لشراء التذاكر، إذ يعتمد معظم الركاب على القنوات الرقمية لإنجاز عمليات الحجز والتعديل والاطلاع على المعلومات. وفي إطار تعزيز الخدمات الميسرة، أطلق نظام التذاكر تباعا مجموعة من الوظائف، من بينها اختيار المقاعد عبر الإنترنت، والتسجيل المسبق لشراء التذاكر، والاشتراك في تنبيهات بدء بيع التذاكر، بما يسهم في تحسين تجربة الركاب.
في مجال الطيران المدني، أسهمت منظومة الطيران المدني الذكية، التي تغطي مختلف حلقات التشغيل، بما فيها خدمات المطارات وإدارة الرحلات والحركة الجوية والدعم الأرضي، في رفع كفاءة التشغيل والارتقاء بجودة الخدمات، بما يعود بالنفع على الجم الغفير من المسافرين. ومع الانتشار التدريجي لخدمات تسجيل الدخول الذاتي والفحص الأمني الذكي و"المرور بلا أوراق"، شهدت تجربة الركاب داخل المطارات تحسنا ملحوظا، حيث تم تبسيط إجراءات السفر باستمرار. كما تستخدم بعض المطارات روبوتات الإرشاد لتوجيه الركاب وتوزيعهم على مناطق الفحص الأمني المختلفة، مما يسهم في تقليص أوقات الانتظار وضمان تشغيل المطارات بانتظام خلال أوقات الذروة. وفيما يتعلق بعمليات مناولة الأمتعة ونقلها، أخذت المعدات الآلية والذكية تحل تدريجيا محل الإنسان، لتنجز عمليات التعرف على الأمتعة وتصنيفها وتحميلها، وهذا لا يرفع كفاءة العمل فحسب، وإنما أيضا يحد من تلف الأمتعة.
كان توصيل سلالم صعود الركاب بالطائرات بعد توقفها يعتمد إلى حد كبير على خبرة الموظفين ومهاراتهم. غير أن تقنيات الأتمتة غيرت هذا الوضع. ففي الوقت الراهن، يمكن إنجاز عملية توصيل وفصل السلالم تلقائيا بشكل سريع. على سبيل المثال، في مطار تيانفو الدولي في مدينة تشنغدو، لا تستغرق عملية توصيل سلم صعود الركاب في وضع التشغيل الآلي الكامل سوى نحو خمسين ثانية، في حين لا تتجاوز مدة الفصل نحو ثلاثين ثانية، وهو ما يمثل تقليصا ملحوظا مقارنة بأساليب التشغيل اليدوي التقليدية، مما يسهم بفعالية في رفع كفاءة تشغيل المطار وتقليل أوقات انتظار المسافرين.
الذكاء الاصطناعي يدفع بناء المنظومة الذكية
في عام 2025، أصدرت وزارة النقل الصينية واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، إلى جانب خمس جهات أخرى، وثيقة ((الآراء التنفيذية بشأن الذكاء الاصطناعي+ النقل والمواصلات))، التي تشير إلى أنه خلال المرحلة المقبلة سيتم تنفيذ مشروعات نموذجية لأنظمة المساعدة على القيادة، وتطوير معدات وأنظمة السكك الحديدية الذكية، وتعزيز التحول الذكي للموانئ وبناء النقل المائي الذكي، وبناء منظومة الطيران المدني الذكية، والارتقاء بالمرافق الذكية لقطاع البريد والخدمات اللوجستية، فضلا عن إنشاء أنظمة ذكية لبناء وصيانة البنية التحتية للنقل.
خلال السنوات الأخيرة، واصلت الصين تعزيز الدمج العميق بين الذكاء الاصطناعي وقطاعات النقل والمواصلات، فشهدت عملية بناء النقل الذكي تحولا من التجارب المنفردة إلى التطوير الشامل. كما يتسع نطاق تطبيق الذكاء الاصطناعي ليشمل مجالات مثل الطرق والسكك الحديدية والنقل المائي والطيران المدني.
في أحد تقاطعات الطرق في حي شياوشان بمدينة هانغتشو، تم تشغيل نظام مروري مزود بالذكاء الاصطناعي، تمكن هذا النظام من تعديل توقيت الإشارات الضوئية بصورة مرنة وفقا لخصائص الحركة المرورية في فترات زمنية مختلفة. ومع تشغيل النظام، تقلصت طوابير المركبات وانخفضت حدة الازدحام بشكل واضح، مما حسن كفاءة المرور بشكل ملموس.
من خلال التحليل المتكامل لبيانات الحركة المرورية بمختلف أبعادها، مثل كثافة الحركة المرورية وسرعات السيارات وحالات الازدحام، يقدم النظام قراءة دقيقة للمشكلات المرورية التي تواجهها التقاطعات في فترات زمنية مختلفة، ثم يقوم بصياغة الحلول الأكثر ملاءمة لتوقيت الإشارات الضوئية. وبالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يستطيع النظام إعداد تقرير تقييم تلقائيا، ليقارن بين أوضاع المرور قبل التعديل وبعده، بما يوفر أساسا علميا لإدارة المرور. وعلى هذا الأساس، تتحول إدارة المرور الحضري تدريجيا من التنظيم البشري نحو التخطيط الذكي.
في مجال النقل المائي، أنشأت الصين اثنين وخمسين رصيفا آليا، وتم تطبيق نظام التشغيل الذكي الذي بحثته وطورته الصين للأرصفة الآلية للحاويات في أكثر من عشرة موانئ داخل البلاد وخارجها، كما تم تطبيق الخرائط الإلكترونية للممرات الملاحية بنجاح في المجرى الرئيسي لنهر اليانغتسي وفروعه، حيث يتسارع التحول الذكي للموانئ والممرات الملاحية والسفن، وترتفع كفاءة النقل المائي بشكل كبير.
النقل الذكي ليس تقدما تقنيا فحسب، وإنما أيضا هو تحول ذكي وترقية شاملة لمختلف حلقات النقل، ويشمل التخطيط والبناء والتشغيل والخدمات. ومع الاستمرار في تنفيذ سياسات النقل الذكي، ستتشكل منظومة أكثر كفاءة وأمانا ويسرا وشمولا للنقل الذكي، فيما يقترب الهدف التنموي المتمثل في "النقل الميسر للأفراد والتدفق الفعال لحركة البضائع" من أن يصبح واقعا ملموسا.
