مجتمع < الرئيسية

العالمة الصينية الفائزة بجائزة نوبل في الطب تو يو يو

: مشاركة
2019-08-30 17:41:00 الصين اليوم:Source دانغ شياو في:Author

في السابع عشر من شهر يونيو عام ألفين وتسعة عشر، زفت الأخبار نبأ إعلان العالمة الصينية الحائزة على جائزة نوبل تو يويو أن فريقها طرح حلولا لمشكلة مقاومة الأرتيميسينين، مما يقدم دليلا جديدا على أن مادة الأرتيميسينين لا تزال "أفضل سلاح" ضد الملاريا، المرض المعدي الأول الذي تنقله الحشرات في العالم.

وكان الفريق قد عكف على دراسة الآلية المقاومة منذ عام 2015 واكتشف أن مقاومة الأرتيميسينين الجزئية هي في الواقع تأخير في إزالة طفيليات الملاريا من مجرى الدم بعد علاجه بدواء مركب. وأوضحت السيدة تو أن طفيليات بلاسموديا يمكنها دخول مرحلة خمول خلال العلاج بمركب الأرتيميسينين الذي يستمر ثلاثة أيام. وتقاوم هذه الطفيليات العقاقير الأخرى ولكن إذا امتدت فترة العلاج لمدة 5 إلى 7 أيام يمكن حل مشكلة مقاومة الأرتيميسينين. وبذلك يمكن قتل طفيليات بلاسموديا بمركب الأرتيميسينين الذى يستخدم العلاج به طوال هذه المدة.

وقد عبرت منظمة الصحة العالمية والخبراء الصينيون والأجانب عن تقديرهم العالي لإنجاز فريق تو يو يو.

في استطلاع للرأي حول "الشخصيات الأكثر تأثيرا في القرن العشرين أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في يناير 2019، كانت تو يو يو الشخصية الآسيوية الوحيدة من بين ثمانية وعشرين مرشحا. في صفحة التعريف بالعالمة تو يو يو على تطبيق (ICONS)، تمت الإشارة إلى ثلاثة أسباب لاختيارها؛ فهي عالمة صينية عاصرت الأوقات الصعبة في الصين، وعندما كانت تواجهها الصعوبات، تطلعت بنظرها إلى الخلف وإلى الأمام لتحقيق المنجزات، وليستفيد العالم من إنجازاتها. تو يو يو باحثة كيميائية في علم الصيدلة، بفضل أعمال البحوث، نجحت في إنقاذ ملايين الأرواح من الموت. وبالاستلهام من الكتب القديمة، اكتشفت تو يو يو علاجا جديدا للملاريا، مما قدم مساهمات عظيمة للبشرية.

اكتشاف مادة الأرتيميسينين

ولدت تو يو يو في نينغبوه بمقاطعة تشجيانغ في نهاية عام 1930، والتحقت بكلية الصيدلة في معهد الطب بجامعة بكين في عام 1951. كان تخصصها علم العقاقير. أبدت اهتماما كبيرا بكيمياء العقاقير وعلم الأعشاب الطبية. بعد تخرجها في الجامعة في عام 1955، عملت في الأكاديمية الصينية للطب الصيني التقليدي (اسمها الحالي الأكاديمية الصينية لعلوم الطب الصيني)، لدراسة الطب الصيني.

في ستينات القرن الماضي، كان وباء الملاريا متفشيا في العالم، ومات كثيرون بسببه. في ظل هذه الظروف، قبلت تو يو يو، التي درست الطب الصيني والطب الغربي سابقا، المهمة التي كلفها بها المكتب الوطني لمشروع دراسة ومكافحة الملاريا. تولت قيادة فريق البحوث لمكافحة الملاريا باستخدام الطب الصيني التقليدي، وكانت في التاسعة والثلاثين من عمرها.

بعد قراءة عدد كبير من كتب الطب الصيني وزيارة مشاهير الأطباء الصينيين، جمعت تو يو يو أكثر من ألفي وصفة طبية في ثلاثة أشهر فقط ومنها وصفات طبية باستخدام أدوية مستخلصة من النباتات والحيوانات والمواد المعدنية. نجحت في تحضير أكثر من 640 وصفة طبية لعلاج الملاريا.

قامت تو يو يو بدراسة وبحث جذور نباتات موسيندا الأوراق الصغيرة (root of Littleflower Mussaenda)، الفلفل والأرتيميسينين وإجراء الاختبارات لأكثر من مائة نوع من المواد المستخرجة من العقاقير الصينية التقليدية المغلية وأكثر من مائتي عينة مستخرجة من الإيثانول. لكن نتائج الاختبارات لم تكن جيدة. وكانت نسبة القضاء على طفيليات الملاريا حوالي 40% فقط في أفضل الحالات.

قررت تو يو يو إعادة قراءة الكتب الطبية الصينية للبحث عن الحل الناجع. في أحد الأيام، عندما كانت تقرأ كتيب ((الوصفات الطبية لحالات الطوارئ))، الذي كتبه قه هونغ في فترة أسرة جين الشرقية، لاحظت أن مادة الأرتيميسينين كانت تستخرج عن طريق استخلاصها من عشبة الأرتيميسينين وليس عن طريق غليها. اكتشفت تو يو يو أن درجة الحرارة عنصر هام لاستخراج المكون الفعال في عملية الاستخراج. فكرت في كل التفاصيل، ووضعت خطة جديدة لتحضير هذه المادة. اختارت بعض العقاقير الهامة من العقاقير التي تم اختيارها سابقا وأضافت عشرات العقاقير الجديدة لإجراء الاختبارات ليلا ونهارا منذ سبتمبر 1971. أثبتت النتائج أن العناصر المحايدة في مواد الاستخراج من الأرتيميسينين فعالة لمكافحة الملاريا. في الرابع من أكتوبر ذلك العام، نجحت تو يو يو في الاختبار أخيرا، حققت مواد الاستخراج برقم 191 من الأرتيميسينين نجاحا في القضاء على طفيليات الملاريا بنسبة 100%.

لكن، العينة الفعالة هي الخطوة الأولى فقط في عملية مكافحة الملاريا؛ ويجب القيام بالاختبارات السريرية، وكانت شروط الاختبارات صعبة، من أجل الحصول على حجم كبير من مواد استخراج الأرتيميسينين، استخدمت تو يو يو وفريقها سبع خابيات من النوع الشائع الذي يستخدمه الصينيون ووضعوا فيها الأثير أولا، ثم الأرتيميسينين.

وتم استخدام الأثير وغيره من المذيبات العضوية، وكلها من المواد الكيماوية السامة. كان المختبر والممر مليئا برائحة الأثير اللاذعة. وقد أصيب الباحثون بالدوار وتورم العين ونزيف الأنف وحساسية البشرة بسبب مواصلة العمل في هذه البيئة السيئة لمدة طويلة. رغم ذلك، لم يتذمر أي منهم أو يمل من التعب أبدا.

عندما قام فريق تو يو يو بالاختبار السريري، وجد تأثيرات جانبية سامة ممكنة في بعض أجزاء الحيوانات. فكان التساؤل، هل هذا بسبب الحيوانات نفسها أم بسبب الأدوية؟ من أجل عدم فقدان الفرصة الجيدة للمراقبة السريرية في تلك السنة، اقترحت تو يو يو تجريب الدواء بنفسها وعلى مسؤوليتها، وقالت "أنا رئيسة الفريق، وأنا المسؤولة ولدي حق بتناول الدواء بنفسي وتجربته لأرى نتيجته."

في يوليو عام 1972، أقام ثلاثة باحثين ومنهم تو يو يو إلى مستشفى دونغتشيمن في بكين كأول دفعة من المتطوعين لاختبار الدواء. بعد المراقبة لمدة أسبوع، لم يتم تسجيل أي تأثيرات جانبية سامة واضحة على أجسامهم. فسافرت تو يو يو حاملة أدوية الأرتيميسينين إلى منطقة تشانغجيانغ بمقاطعة هاينان، حيث معدل الإصابة بالملاريا مرتفع. فقامت بالاختبار على المرضى، وأنجزت عملية المراقبة للفعالية السريرية المضادة للملاريا لإحدى وعشرين حالة، كانت نتيجة الاختبار مرضية، لم تجد أي تأثير جانبي سام على المرضى.

واصلت تو يو يو وفريقها العمل واكتشفوا بلورة الأرتيميسينين في نوفمبر عام 1972. في النصف الأول من عام 1973، تم الانتهاء من سلسلة من اختبارات السلامة، وفي الخريف، أجريت أول تجربة سريرية في هاينان باستخدام كبسولات الأرتيميسينين، وبالتعاون مع معهد الفيزياء الحيوية بالأكاديمية الصينية للعلوم ومعهد شانغهاي للعضويات للكيمياء العضوية، تم تحديد التركيب الكيميائي للأرتيميسينين في نهاية عام 1975.  أظهرت النتائج أن مادة الأرتيميسينين هي عقار جديد لا يحتوي على النيتروجين.

في عام 1977، بموافقة وزارة الصحة العامة الصينية، نُشرت الورقة البحثية في دورية ((نشرة العلوم)) باسم المجموعة التعاونية لبحوث أرتيميسينين، وأُعلنت أول نتيجة أصلية رئيسية للأرتيميسينين إلى العالم لأول مرة. في أكتوبر 1986، تم منح أرتيميسينين شهادة الأدوية الجديدة من قبل وزارة الصحة العامة الصينية.

في عام 1992، نظرا لتكلفة الأرتيميسينين العالية وصعوبة القضاء على وباء الملاريا به، اكتشفت تو يو يو تركيبة ديهيدروأرتيميسينين، الذي تفوق قدرة علاجه عشرة أضعاف قوة الأرتيميسينين.

منذ عام 2000، حددت منظمة الصحة العالمية الأرتيميسينين أول دواء لمكافحة الملاريا وعممته في العالم. في عام 2010، تلقى مائة وثمانون مليون مريض بالملاريا العلاج المركب القائم على مادة الأرتيميسينين، وبلغت نسبة الشفاء بينهم 97%. أشارت ((دورية حقائق الملاريا)) لمنظمة الصحة العالمية أن الوفيات بسبب الملاريا لجميع الفئات العمرية المعرضة للخطر قد انخفضت بنسبة 60% بين عام 2000 وعام 2015، وانخفضت وفيات الأطفال الأقل من خمسة أعوام بسبب الملاريا بنسبة 65%.

التغلب على تحدي "مقاومة دواء الأرتيميسينين "

تعد مشتقات الأرتيميسينين من الأدوية المركبة الأكثر فعالية مع عدم وجود مضاعفات جانبية في مكافحة الملاريا، منذ اكتشاف تو يو يو دواء الأرتيميسينين. لكن ((تقرير الملاريا العالمي في عام 2018)) لمنظمة الصحة العالمية أشار إلى أن عدد مرضى الملاريا قد بلغ حوالي 219 مليونا في عام 2017 بعد أن كان 217 مليونا في عام 2016. ذلك يرجع إلى مقاومة طفيليات الملاريا لدواء الأرتيميسينين، الأمر الذي يجعل أعمال وجهود مكافحة الملاريا في العالم تواجه تحديا جديدا.

للتغلب على هذا التحدي، قادت تو يو يو، العالمة التي تجاوز عمرها تسعة وثمانين عاما، فريقها لمواصلة البحث والتطوير. تعتقد تو يو أن فهم آلية عمل الأرتيميسينين هو مفتاح حل المشكلة.

بعد ثلاث سنوات من البحث والتطوير، حقق فريق تو يو يو اختراقا كبيرا في "دراسة في آلية مكافحة الملاريا" و"أسباب مقاومة الدواء" و"تعديل طريقة العلاج"، وطرح طريقين جديدين للعلاج: الأولى، تمديد فترة تعاطي الدواء من ثلاثة أيام إلى خمسة أو سبعة أيام، ثانيا، تبديل الأدوية المساعدة التي أظهرت مقاومة للدواء في جسم المريض، مما حقق نتيجة إيجابية سريعة.

صادف الخامس والعشرون من إبريل عام 2019، اليوم العالمي للملاريا الثاني عشر. وفي ذات الشهر نشرت ((مجلة نيو إنجلند للطب)) (New England Journal of Medicine) مقالة حول إنجازات فريق تو يو يو، مما أثار اهتماما واسعا في مجال الطب.

التغلب على تحدي مقاومة الأرتيميسينين إنجاز له أهمية كبيرة، من ناحية، فذلك يحدد اتجاه تطور الأرتيميسينين في العالم في المستقبل، أي لفترة طويلة في المستقبل، لا يزال الأرتيميسينين هو الاختيار الأول للعقاقير العالية الكفاءة المضادة للملاريا البشرية. ومن ناحية أخرى، ذلك يساعد على تحقيق هدف القضاء على الملاريا في العالم، إذ أن سعر أدوية الأرتيميسينين لمكافحة الملاريا زهيد، فهو حوالي بضعة دولارات أمريكية فقط طوال فترة العلاج، ما يناسب ظروف المرضى في الدول الأفريقية الفقيرة، وهو أكثر ملاءمة لتحقيق هدف القضاء على الملاريا عالميا.

علاج الذئبة الحُمامية

اكتشف فريق تو يو يو تأثيرا فريدا إضافيا لدواء ديهيدروأرتيميسينين في علاج الذئبة الحُمامية الشديدة التقلب، وبدأ الفريق المرحلة الأولى من الاختبارات السريرية. قالت تو يو يو: "نحن متفائلون وحذرون في نفس الوقت حول نتيجة الاختبار، ونتمنى أن يلعب دواء الأرتيميسينين دورا أكبر وأن يفيد كل البشرية."

الذئبة الحُمامية مرض التهابي ينجم عن إصابة ذاتية في الجهاز المناعي في أعضاء الجسم المختلفة. العلاج التقليدي للذئبة الحمامية يتم بشكل متحفظ بعوامل مثبطة للمناعة. من الصعب أن تحقق تلك الأدوية علاجا جذريا للمرض إضافة إلى مخاطر عدوى ثانوية. وفقا لنتائج المراقبة الطبية في المرحلة المبكرة، اكتشف فريق تو يو يو أن فعالية الأرتيميسينين في علاج الذئبة الحمامية القرصية أكثر من 90% وفي علاج الذئبة الحمامية الجهازية أكثر من 80%.

أشارت ((وثيقة الموافقة على التجارب السريرية للأدوية)) الصادرة من المصلحة الوطنية للمنتجات الطبية في الصين، إلى الموافقة على طلب معهد دراسة الطب الصيني بالأكاديمية الصينية للطب الصيني، الذي تعمل فيه فريق تو يو يو، على إجراء الاختبارات السريرية لعلاج الذئبة الحمامية القرصية والذئبة الحمامية الجهازية باستخدام أقراص ديهيدروأرتيميسينين. بدأت المرحلة الأولى من الاختبارات السريرية في مايو عام 2018 في مستشفى شيخه ببكين ومستشفى جامعة بكين الأول وغيرهما من خمسة عشر مستشفى في الصين. شارك في هذه التجارب حوالي خمسمائة مريض صيني وأجنبي.  وقد بدأ إجراء الاختبار للمجموعة الأولى من المرضى المتطوعين.

قالت تو يو يو إن الاختبارات السريرية تتكون من ثلاث مراحل. عدد عينات الاختبار في المرحلتين الثانية والثالثة سيكون أكبر، الأمر الذي سيستغرق سبع سنوات أو ثماني سنوات على الأقل. إذا نجح الاختبار، فمن المتوقع أن تدخل أقراص ديهيدروأرتيميسينين الجديدة إلى السوق في عام 2026 تقريبا.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037