مجتمع < الرئيسية

التحول الحضري في الصين من 1949 إلى 2019

: مشاركة
2019-07-31 14:01:00 الصين اليوم:Source ليو باو كوي:Author

التحول الحضري مؤشر هام لقياس درجة التطور والتحديث لأي بلد أو منطقة.  يعد التحول الحضري في الصين صورة مصغرة لتطور هذا البلد ككل. إنه مسيرة من الاستكشافات المتواصلة والابتكارات النظامية والنمطية القائمة على الحقائق الصينية المحلية. عبر تقلبات على مدى سبعين عاما منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، غير التحول الحضري "الصين الريفية" إلى "الصين الحضرية". مع تجنب المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها البلدان المتقدمة والعديد من البلدان النامية، استكشفت الصين نهجا جديدا للتحول الحضري ذي الخصائص الصينية.

الثلاثون سنة الأولى: الاستكشاف من خلال التحولات والمنعطفات

في بداية تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كان معدل الحضر في الصين 6ر10% فقط. كانت المدن الصينية قد شهدت عقودا من النزاعات المسلحة، وفي حاجة إلى إعادة البناء. أدركت الحكومة الصينية منذ فترة طويلة أهمية المناطق الحضرية في إحياء الاقتصاد الوطني، وسرعان ما حولت محور أعمالها إلى الحضر.

في الجلسة الكاملة الثانية للجنة المركزية السابعة للحزب الشيوعي الصيني التي عقدت في عشية تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أشار الرئيس الصيني الراحل ماو تسي تونغ إلى أنه يتعين على الحكومة تحويل الأولوية من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية. ودعا إلى بذل جهود كبيرة في تعلم كيفية إدارة وبناء المدينة. أضحت كلمته هي المبدأ التوجيهي للتحول الحضري في المرحلة الأولى من الصين الجديدة.

معظم المدن الصينية التي تم بناؤها وتطويرها في فترة المجتمع الإقطاعي الصيني، كانت مدنا استهلاكية لا تمتلك القدرة على الإنتاج، كما لم يكن لديها القدرة على قيادة التنمية في المناطق الريفية الشاسعة. كانت هذه المدن أيضا متخلفة من حيث البنية التحتية والصناعات والأساليب المعمارية.

بعد تأسيس الصين الجديدة، تم تنفيذ جانبين رئيسيين من العمل. الأول هو تعزيز البناء الحضري، وخاصة البنية التحتية، مثل الطرق وإمدادات المياه والإسكان. والثاني هو استئناف الإنتاج، وتحويل المدن من كيانات استهلاكية إلى كيانات منتجة. مع التركيز على التصنيع، بالإضافة إلى تصميم المشروعات الكبرى خلال فترة "الخطة الخمسية الأولى" (1953-1957)، تم بناء عدد من المدن الصناعية.

أدت جهود التصنيع على نطاق واسع في الفترة الأولى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية إلى جذب عدد كبير من السكان الريفيين إلى المدن. في عام 1960، زاد عدد سكان الحضر في الصين 3ر2 ضعف بالمقارنة مع عام 1949، وبلغ متوسط الزيادة السنوية ​​أكثر من 6ر6 ملايين نسمة. وقد نجم عن النمو السريع لسكان الحضر سلسلة من المشكلات، منها على سبيل المثال نقص إمدادات الغذاء. من أجل تخفيف عبء الإمداد الحضري، شددت الصين سياساتها للسيطرة على تدفق السكان إلى المدن من عام 1960 إلى عام 1963. لم يعد عدد سكان الحضر إلى مستواه الذي كان عليه في عام 1960 إلا في عام 1965. التعديل الذي تم من خلال هذه التدابير غير التقليدية، في ظل الظروف التاريخية في ذلك الوقت، وفر ضمانا فعالا للتنمية الحضرية المستقرة. من عام 1966 إلى عام 1978، بسبب تداعيات الثورة الثقافية، توقف التحول الحضري في الصين بشكل أساسي، فزادت نسبة سكان الحضر من 86ر17% (في 1966) إلى 92ر17% (1978) فقط. خلال هذه الفترة، كان الاقتصاد الوطني مدمرا والتنمية الصناعية متوقفة وعملية التحول الحضري راكدة وتم إلغاء دوائر الإدارة والتخطيط الحكومية، الأمر الذي جعل المدن في حالة من الفوضى.

الأربعون سنة الأخيرة: التنمية السريعة والتحول الحضري في ظل الإصلاح

بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح في عام 1978، شهدت الصين أكبر عملية تحول حضري في تاريخ البشرية. ارتفعت نسبة سكان الحضر من 92ر17% في عام 1978 إلى 58ر59% في عام 2018، بمتوسط نمو أعلى من نقطة مئوية واحدة سنويا. في المراحل الأولية من الإصلاح والانفتاح، أدت تدابير الإصلاح، مثل تحديد حصص الإنتاج الزراعي لكل أسرة، إلى تحسن كبير في الإنتاجية في المناطق الريفية. ونتيجة لذلك، تم تحرير عدد كبير من القوى العاملة من الزراعة لتعمل في الصناعات غير الزراعية. وأصبحت إمدادات المواد الغذائية متوفرة أكثر فأكثر، وشهد الطلب على اليد العاملة زيادة سريعة في المناطق الحضرية.

في ربيع عام 1992، أدلى دنغ شياو بينغ بأحاديثه الهامة في "جولة الجنوب"، والتي دفعت وتيرة التحول من نظام الاقتصاد المخطط إلى نظام اقتصاد السوق. بحلول منتصف تسعينات القرن العشرين، تم التخلص من الحواجز النظامية التي قيدت انتقال السكان في الصين، مما أدى إلى الانتقال الحر للسكان من الأرياف إلى المناطق الحضرية. في أواخر تسعينات القرن العشرين، نفذت الصين العديد من تدابير الإصلاح الرئيسية في مجالات الإسكان والتعليم والرعاية الطبية والضرائب، والتي عززت التوسع الحضري والتنمية في المناطق الحضرية.

لفهم التحول الحضري في الصين، لا يمكنك تجاهل عوامل العولمة الاقتصادية. منذ تسعينات القرن العشرين، أصبحت العولمة الاقتصادية قوة دافعة متزايدة الأهمية للتحول الحضري في الصين. بسبب التدفق الحر لرأس المال والتكنولوجيا والصناعة عبر الحدود، سارع العديد من الشركات المتعددة الجنسيات إلى الاستثمار في بناء المصانع الحديثة في بر الصين الرئيسي. مع بداية القرن الحادي والعشرين، تطورت الصين سريعا وصارت مركزا صناعيا قويا في العالم وصارت توصف بأنها "مصنع العالم". مع تعزيز التصنيع في الصين، سرعان ما أدت العولمة إلى تسريع عملية التحول الحضري في الصين، وعلى وجه الخصوص، تم تعزيز مستوى تدويل المدن الساحلية في الصين مثل شانغهاي وبكين وقوانغتشو وشنتشن، هذه المدن التي تعتمد على السوق الصينية الشاسعة، وتتمتع بسهولة الوصول إلى البلدان في جميع أنحاء العالم، ولديها وظائف مركز النقل الجوي والشحن والمالية والمعلومات، تجذب المزيد والمزيد من الشركات المتعددة الجنسيات لتفتح مقرات أو فروع إقليمية لها، مما جعل المدن الصينية جزءا هاما من الشبكة الحضرية العالمية.

كان تأثير العولمة الاقتصادية على التحول الحضري في الصين أكثر وضوحا بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. من عام 2001 إلى عام 2011، زاد معدل التحول الحضري في الصين بمعدل 9ر1% سنويا، فأمست تلك الفترة أسرع عقد للتحول الحضري في تاريخ الصين. شهدت العديد من المدن نموا هائلا، حيث تضاعفت مساحتها الحضرية وتضاعف عدد سكانها. انضمت مدن مثل سوتشو ودونغقوان وووشي وفوشان وغيرها، إلى قائمة المدن المشهورة خلال هذه الفترة بسبب تطورها السريع في قطاع الصناعات التحويلية.

تتمتع الصين بميزة أنها قادمة متأخرة للتحول الحضري. إن التوسع الحضري السريع، مع تطوير السكك الحديدية العالية السرعة والتقنيات الحديثة في نفس الوقت، يؤدي إلى خصائص فريدة في توسع المدن الصينية بالمقارنة مع المدن في الدول الأخرى.

خصائص التحول الحضري في الصين

تختلف عملية التحول الحضري في الصين عن أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وشرقي آسيا. أدركت الحكومة الصينية العلاقة بين الحكومة والسوق، وكذلك العلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية. وقد شكلت تدريجيا سياسة التحول الحضري ذات الخصائص الصينية من حيث تصميم المستوى الأعلى ونظام تسجيل الأسر وإصلاح الأراضي وإدارة الفضاء.

في عامي 1953 و1963، عقدت الحكومة المركزية الصينية مؤتمري العمل المدني. وبعد المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، عُقد المؤتمر المركزي لأعمال التحول الحضري ومؤتمر العمل المدني على التوالي لوضع سياسات وإرشادات واضحة للتوسع الحضري والتنمية الحضرية على مستوى عال، طرح هذان المؤتمران المتطلبات والأهداف المعنية لتخطيط وتنسيق الإصلاحات، وتشجيع الحكومات بمختلف المستويات على التكيف مع الظروف المحلية والقيام بالابتكارات الجريئة في التنمية الحضرية.

يعد وضع الخطط الخمسية للتنمية تجربة هامة اكتسبتها الصين في استكشاف مناهج التنمية وتنظيم ومراقبة الاقتصاد الكلي. يعتبر التحول الحضري جزءا هاما في صياغة الخطط الخمسية. فقد طرحت خطة الصين الخمسية العاشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (2001-2005) تنفيذ إستراتيجية التحول الحضري، وكذلك طرحت خطة الصين الخمسية الحادية عاشرة (2006-2010) تطوير التجمعات الحضرية "باعتبارها الشكل الرئيسي". في عام 2014، تم الكشف عن "خطة التحول الحضري الوطنية بالنمط الجديد"، حيث تم إنشاء نظام المؤتمرات المشتركة بين الوزارات لتعزيز التحول الحضري، الذي يهدف إلى تنفيذ "خطة التحول الحضري الوطنية بالنمط الجديد" وصياغة السياسات وتنسيق وحل المشكلات الرئيسية واقتراح ترتيبات العمل السنوية الرئيسية وتقسيم المهام تحت قيادة مجلس الدولة الصيني.

 يعد تخفيف القيود المفروضة على سياسات تسجيل الأسر والتدفق الحر للسكان تجربة هامة في عملية التحول الحضري في الصين. من دون انتقال السكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، لن تكون هناك ابتكارات لاحقة في المدينة فيما يتعلق بتسجيل الأسر أو الأراضي والإسكان، ولن تكون هناك زيادة في الإنتاجية أو نمو الاقتصاد الحضري. مع ذلك، كان المسار الذي اختارته الصين لتخفيف القيود المفروضة على سياسات تسجيل الأسر مسارا تدريجيًا مما جعل السكان يتدفقون إلى المناطق الحضرية بطريقة منظمة للغاية.

من منتصف إلى أواخر تسعينات القرن العشرين، دخل التحول الحضري الصيني فترة التطور السريع. في نفس الفترة، شكلت الصين بالفعل أساليب تجميع كاملة نسبيا للخطط الحضرية الرئيسية والخطط التنظيمية الحضرية. وفي الوقت نفسه، وضعت الصين المعايير الوطنية المنهجية في البنية التحتية الحضرية للنقل والمرافق العامة والمساحات الخضراء، التي كان لها دور كبير في ضمان التطوير المنظم للبناء الحضري.

التحول الحضري عملية اقتصادية واجتماعية شاملة. إنه طريق حتمي لتحقيق التحديث. إذا نظرنا إلى الوراء على طريق الصين نحو التحول الحضري، في فترات تاريخية مختلفة، نجد أن الصين تعلمت من التجارب المعنية في الاتحاد السوفيتي السابق وهونغ كونغ وسنغافورة واليابان والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. خلال السنوات الأخيرة، اهتمت الصين بالحقائق المحلية بشكل خاص، متكيفة مع مجتمعها الاقتصادي وثقافتها التاريخية وهباتها الطبيعية، وتستكشف بنشاط تجربة تكوين البناء الحضري وتنمية المناطق الحضرية ذات الخصائص الصينية.

--

ليو باو كوي، باحث مساعد في معهد التخطيط المكاني والاقتصاد الإقليمي للجنة الوطنية الصينية للتنمية والإصلاح.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037