مجتمع < الرئيسية

وانغ تسه شان.. "ملك المتفجرات" في الصين

: مشاركة
2019-07-01 13:50:00 الصين اليوم:Source دانغ شياو في:Author

البارود واحد من المخترعات العظيمة في الصين القديمة، وكان اختراعه بداية لصناعة البارود الحديثة. بيد أن الصين في العصر الحديث، تخلفت كثيرا عن الدول الغربية الكبيرة في صناعة المتفجرات، قبل أن تولي حكومة الصين الجديدة اهتماما بالبحوث وسبل التطور في هذه الصناعة.

من أجل "تعزيز الدفاع الوطني، والتخلص من حالة التخلف ولصد أي عدوان"، انكب العالم الصيني المتخصص في تطوير المتفجرات الجديدة وانغ تسه شان وعضو الأكاديمية الصينية للهندسة، على دراسة صنع المتفجرات لأكثر من ستة عقود من الزمان وتغلب على الصعوبات التقنية العالمية ثلاث مرات، فأسهم بتطوير ورفع مستوى الصين في صناعة المتفجرات، لتصبح من الدول المتقدمة في العالم في هذا المجال. أطلق عليه لقب "ملك المتفجرات" في الصين.

من أجل بلادي

ولد وانغ تسه شان في عام 1935 بمدينة جيلين في مقاطعة جيلين بشمال شرقي الصين، والتي كانت تحت سيطرة الاستعمار الياباني. في ذلك الوقت، كانت اليابان تدعم بو يي، آخر أباطرة أسرة تشينغ لإنشاء نظام عميل لها، وسعت إلى تطبيق العبودية في شمال شرقي الصين. في هذه الأجواء ظل والد وانغ تسه شان يردد على مسامع ابنه منذ صغره: " يا بني، أنت صيني وبلدك الأم هي الصين."

ومع مشاهدة أعمال العنف والتأثر بنصيحة والده، قرر وانغ تسه شان أن يسدي الخدمات لوطنه من خلال تعزيز قدرة الجيش الصيني وقوة الدولة.

في عام 1954، تخرج وانغ تسه شان في المدرسة الثانوية، في وقت كانت حرب مقاومة العدوان الأمريكي ومساعدة كوريا قد وضعت أوزارها للتو، وانتصر مئات الآلاف من جنود جيش المتطوعين الصيني في تلك الحرب بمعدات متخلفة وتضحيات هائلة. فكان لذلك تأثير بالغ على الشاب وانغ تسه شان الذي اعتصر قلبه ألما، وأدرك حينها ضرورة "تقوية الجيش أولا لتقوية الدولة". قال إن كل شعوب العالم لا تريد الحرب وتتطلع إلى السلام، ولكن علينا أن نعي أن تخلف الدولة عسكريا قد يعرضها للعدوان والوقوع تحت الاحتلال. إن قوة الدفاع الوطني العالية تعد بمثابة البوابة الصلبة للدولة. في هذا السياق، التحق وانغ تسه شان بمعهد هاربين للهندسة العسكرية (معهد جيش التحرير الشعبي العسكري الهندسة حاليا) وتخصص في دراسة صنع المتفجرات.

دراسة صنع المتفجرات صعبة ومخاطرها شديدة، ولكنها كانت أمرا بالغ الأهمية للصين الجديدة التي تخلفت في هذا المجال واعتمدت على الدعم التقني من الاتحاد السوفيتي الأولى في بداية تأسيس جمهورية الصين الشعبية. مع إنهاء علاقة التعاون مع الاتحاد السوفيتي، عاد كل الخبراء السوفييت إلى بلدهم، وصارت أعمال بحوث الصين في مجال المتفجرات في موقف صعب.

في ذلك الوقت، كان وانغ تسه شان التحق بالعمل، ولا يجد دعما خارجيا ولا منصة بحوث متقدمة، ولكن ذلك لم يخيب أمله، بل شجعه على الاجتهاد في البحوث العلمية. قال: "المتابعة والتقليد يؤديان إلى التقيد من قبل الآخرين." لذا، قرر وانغ تسه شان دراسة القواعد الأساسية وبناء المنظومة النظرية مما أرسى أساس صنع المتفجرات والمفرقعات النارية في الصين.

منذ ستينات القرن الماضي، قام وانغ تسه شان، على أساس الاستكشاف والبحث في النظرية الأساسية للمتفجرات، بدمج للتخصصات بين البارود والمدفعية والذخيرة والباليستية، وبنى من ذلك الهيكل الفرعي لنظرية وتكنولوجيا "نظرية إطلاق الشحنة المتفجرة". في نفس الوقت، اكتشف قانون تكوين المتفجرات وهيكلها وطبيعتها، مما طور نظرية المتفجرات.

التغلب على ثلاث مشكلات عالمية

في منتصف ونهاية ثمانينات القرن الماضي، مع تخفف حدة الأوضاع الدولية وتحسن البيئة المحيطة بالصين، أصبحت كيفية التخلص من كمية كبيرة من المتفجرات الاحتياطية القديمة مشكلة كبيرة يحتاج المجتمع الدولي إلى حلها بشكل عاجل. بدأ وانغ تسه شان يدرس طريقة إعادة استخدام المتفجرات المتروكة مع فريقه منذ عام 1956.

من أجل معالجة هذه القضية، زار وانغ تسه شان قواعد اختبارات أجهزة البحوث ومصانع الأسلحة العسكرية في مقاطعتي لياونينغ وتشنغهاي ومنطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم، حيث أجرى العديد من الاختبارات على مدى عشر سنوات، حتى وجد حلا للمشكلات الرئيسية وتمكن من تحويل نفايات المتفجرات إلى منتجات مدنية ذات قيمة اقتصادية عالية. في عام 1993، حصل وانغ تسه شان على الجائزة الوطنية الأولى للتقدم العلمي والتكنولوجي.

يرى وانغ تسه شان أن البحوث العلمية لا نهاية لها. معالجة قضية واحدة تعني بداية البحوث في معالجة قضية أخرى. لذا، بدأ البحوث العلمية للمسألة المتعلقة بدرجات الحرارة التي تؤثر على أداء المتفجرات.

بسبب حساسية المتفجرات العالية تجاه درجة الحرارة في البيئة المحيطة بها، يختلف أداؤها باختلاف المناطق واختلاف الفصول. يبذل كثير من الدول الأجنبية جهودا كبيرة لمعالجة هذه المسألة. الصين مساحتها شاسعة، والفرق في درجات الحرارة بين الشمال والجنوب وبين فصل الشتاء والصيف كبير، وكان حل هذه المشكلة أمرا ملحا. كان يجب على العالم وانغ تسه شان أن يقوم بالاختبارات المعنية في مناطق مختلفة، فذهب إلى منطقة منغوليا الداخلية ومقاطعة تشينغهاي وغيرهما من المناطق ذات الطقس القاسي لإجراء الاختبارات المعنية فيها.

بعد خمس سنوات من الأعمال الدقيقة، اكتشف وانغ تسه شان موادا جديدة خففت من تأثير درجات الحرارة على أداء وفعالية المتفجرات، مما رفع قوة الإطلاق بأكثر من 15%. في عام 1996، فاز بالجائزة الوطنية الأولى للتقدم العلمي والتكنولوجي، بعد أن ظلت هذه الجائزة محجوبة لسنوات عديدة.

الحصول على الجائزة الوطنية الأولى للتقدم العلمي والتكنولوجي مرتين لم يوقف خطواته في العمل أبدا. وبدلا عن التقاعد من العمل والتمتع بحياة مريحة هادئة، قرر وانغ تسه شان مواصلة البحوث العلمية. قال: "مازال العلماء من الجيل القديم يتطلعون إلى تحقيق إنجازات جديدة في مجال العلوم. أنا في العقد السابع من العمر فقط، لا يمكنني أن أتوقف عن العمل في مثل هذا العمر." فواصل بعد ذلك بحوثه العلمية في مجال تقنية الشحنة المتفجرة.

من أجل ضرب الأهداف على مسافات مختلفة، يجب التبديل بين الأوضاع المختلفة لشحن المتفجرات، وهي عملية مرهقة وتستغرق وقتا طويلا. في السابق، كان علماء من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا وإيطاليا قد أجروا بحثا مشتركا وحاولوا تحقيق تأثير المدفعية على الأهداف القريبة والبعيدة من خلال استخدام مجموعات مختلفة من الوحدات، ولكنهم اضطروا إلى إنهاء البحث بعد أن استمر لسنوات عديدة وتكلف الكثير من المال، بسبب عدم القدرة على تحقيق اختراق فني في هذه العملية.

يرى وانغ تسه شان أن بحوثه العلمية يجب أن تسد متطلبات الدولة، وقرر التغلب على هذا التحدي استنادا على الأساس المتين لبحوثه. فاجتهد في البحوث العلمية لأكثر من عشرين سنة، وأخيرا ابتكر تقنية جديدة لشحن المتفجرات لضرب الأهداف على مسافات مختلفة. بفضل ابتكاره المفيد، زاد مدى المتفجرات لأكثر من 20% وتفوق أداؤها على المتفجرات النارية المماثلة في الدول الأخرى بشكل شامل، وخفف حجم الغازات الضارة الناتجة عن عملية احتراق البارود وقلل أضرارها على العاملين في مجالها، وعلى البيئة. حاليا، يتم تنفيذ هذه التقنية في إنتاج وصنع كثير من الأسلحة في الصين بشكل شامل.

بفضل مساهمته المتميزة في مجال الحريق والمتفجرات، فاز وانغ تسه شان بأعلى جائزة وطنية للعلوم والتكنولوجيا لعام 2017 عن عمر يناهز 82 عاما. هذه الجائزة هي أعلى تكريم للأوساط العلمية والتكنولوجية في الصين، ولا تمنح لأكثر من عالمين اثنين كل عام، وتقدم إلى رئيس الدولة للتوقيع عليها ومنح الشهادات والمكافآت. حتى يناير 2017، تم منح 27 خبيرا علميا وفنيا هذه الجائزة.

"العلم" يرشد البحوث العلمية

ما الذي يجعل وانغ تشه شان قادرا على الابتكار في بحوثه دائما؟

قال وانغ تسه شان: "سر الابتكار هو جعل "العلم" مرشدا لأعمال البحوث العلمية." ولخص "العلم" في عبارة: الروح العلمية، الموقف العلمي والأسلوب العلمي. وقال: يجب علينا أن نحمل الروح العلمية، أي الجرأة والقدرة على التجاوز والتحسين المستمر."

أما الموقف العلمي، فهو العزيمة القوية، إذ إنه ليس هناك طريق مختصر في البحوث العلمية. يجب على العالم أن يحمل عزما لا يلين أمام الصعوبات والمشقات. وبالنسبة إلى الطريقة العلمية، يفضل وانغ تسه شان التفكير المختلف الغير تقليدي في عملية البحوث العلمية. قال إنه لا يريد أن يتبع أفكار الآخرين بل يفضل التفكير بطريقة أخرى، وشق طريق جديد.

يحرص وانغ تسه شان على الوقت للغاية، ويبدو أنه لا يشعر بالتعب حتى الآن. من عادته أن ينام في الساعة الثامنة أو التاسعة مساء ويستيقظ في الساعة الثانية أو الثالثة فجرا. يعتقد أن الفجر الهادئ مناسب للتفكير والتأمل.

مع زيادة تبادلات أجهزة البحوث العلمية مع هذا العالم الشهير، أضحى وانغ تسه شان مشغولا كثيرا، وصار وقته ضيق جدا. قال: "مازال لدي كثير من الأعمال بحاجة لإكمالها." لذا، يضع دائما في حقيبته، التي يحمله معه، كراسا يسجل فيه القضايا المتعلقة بالمتفجرات النارية، ليقرأها ويبحث معالجتها حتى لو كان في فترة انتظار قصيرة.

قال وانغ تسه شان: "أريد معالجة كل القضايا التي لم ينجح العلماء الأجانب في حلها. لقد أصبحت الدراسة والبحوث في المتفجرات جزءا من حياتي. أريد التحسين والتطوير المستمر في هذا المجال."

وانغ تسه شان، البالغ من العمر أربعة وثمانين عاما، ينهض للبدء في بحوث جديدة في قضية جديدة أخرى للتغلب على تحد جديد مع فريقه.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037