مجتمع < الرئيسية

1949-2019: القفزة الكبرى للتعليم في الصين

: مشاركة
2019-06-03 13:20:00 الصين اليوم:Source ليو فو شينغ:Author

يصادف الأول من أكتوبر عام 2019 الذكرى السنوية السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية. كانت الصين الجديدة في أيامها الأولى بلدا فقيرا، وبدأ كل شيء من نقطة الصفر، وكان مستوى تطور التعليم منخفضًا للغاية. كان عدد سكان الصين خمسمائة وأربعين مليون نسمة، وبلغت نسبة الأمية فيها 80%، من بينهم 70% من النساء، وكان 90% من النساء أميات، ومعدل التسجيل الفعلي في المدارس الابتدائية أقل من 20%، وعدد الطلاب المسجلين في التعليم العالي بلغ 117 ألفا فقط، في حين كان الإنفاق على التعليم يشكل 32ر1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وبسبب انخفاض مستوى الناتج المحلي الإجمالي في ذلك الوقت، كانت الميزانية المالية الوطنية للتعليم جد متواضعة.

في السنوات السبعين الماضية، قطع التعليم الصيني طريقا مجيدا، لكن صعبا. لقد مر بشكل أساسي بفترتين تاريخيتين هامتين، الأولى هي فترة استعادة واستكشاف المشروعات التعليمية خلال مرحلة البناء الاشتراكي من عام 1949 إلى عام 1978، والثانية هي فترة إصلاح التعليم الاشتراكي وتطويره بالخصائص الصينية منذ الإصلاح والانفتاح في عام 1978. فقد حقق التعليم الصيني في الفترة الثانية إنجازات تاريخية عظيمة، إذ حولها من بلد فيه أكثر من 80% من السكان أميون إلى بلد غني بالأكفاء، وحول عدد السكان الضخم من عبء إلى ميزة في الموارد البشرية ساهمت بقوة في تنفيذ الإصلاح والانفتاح. تهدف الصين حاليا إلى تحقيق التحديث التعليمي بحلول عام 2035، مع سهولة الوصول إلى التعليم الجيد من روضة الأطفال إلى الجامعة، لتصبح قوة قوية ذات موارد بشرية وقدرات إبداعية.

1949-1978: الاستعادة والاستكشاف

بعد تأسيس الصين الجديدة، أولى الحزب الشيوعي الصيني وقادة الدولة اهتماما كبيرا للتعليم. أشار الرئيس الراحل ماو تسي تونغ إلى أن "استعادة وتطوير تعليم جماهير الشعب من أهم المهام في الوقت الحاضر." كما أكد على أن "سياستنا التعليمية يجب أن تتيح للمتعلمين فرصة التطور أخلاقيا وفكريا وبدنيا، وأن يصبحوا قوة عاملة ذات وعي اشتراكي وتعليم جيد." وبتوجيه من أفكار ماو تسي تونغ التعليمية، بدأت الصين في إنهاض واستكشاف التعليم الاشتراكي عن طريق الانتقال التدريجي من نظام تعليم ديمقراطي جديد إلى نظام تعليم اشتراكي.

تبنى المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في سبتمبر عام 1949 البرنامج المشترك للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، حيث حدد السياسة الثقافية والتعليمية للصين الجديدة وأشار إلى أن "التعليم الثقافي لجمهورية الصين الشعبية هو التعليم الديمقراطي الجديد، أي تعليم ثقافي وطني وعلمي وجماهيري."

في الأول من أكتوبر عام 1951، أصدر المجلس الإداري للحكومة الشعبية المركزية قرار إصلاح النظام الأكاديمي وأنشأ أول نظام أكاديمي لجمهورية الصين الشعبية، وهو النظام الذي ما زال مستخدما حتى الآن. في الفترة من يونيو إلى سبتمبر عام 1952، عدلت الحكومة الشعبية المركزية بشكل كبير هيئات التدريس في مؤسسات التعليم العالي الوطنية، وحولت النظام الجامعي الذي كان يحاكي النماذج البريطانية والأمريكية قبل تأسيس البلاد إلى نظام جامعي على الطراز السوفيتي.

كما تم إطلاق حملة للقضاء على الأمية. في التاسع والعشرين من مارس عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف، وبدفع من قرار القضاء على الأمية الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة، وبفضل درايته بالحقائق الواقعية، اتخذ الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الشعبية العديد من التدابير لتنفيذ حملة القضاء على الأمية بين غالبية العمال والفلاحين، من خلال تبني مجموعة متنوعة من الطرق المرنة والمتنوعة مثل الفصول المسائية والدورات الدراسية السريعة لتعليم القراءة وفرق قراءة الصحف، والدراسة في موسم الفراغ الزراعي في فصل الشتاء وتعلم القراءة في الحقول، وغير ذلك. حققت حملة محو الأمية نتائج ملحوظة، ففي خلال خمس عشرة سنة تقريبا، من عام 1949 إلى عام 1965، حقق مائة مليون من الشباب مستوى مناسبا من القراءة والكتابة، وانخفضت نسبة الأمية بسرعة إلى 1ر38%.

بعد ثلاثين سنة من العمل الشاق، أسست الصين نظام تعليم اشتراكيا كاملا بصورة مبدئية، وحققت إنجازات ملحوظة في جميع جوانب التعليم. في الفترة من سنة 1949 حتى سنة 1958، تم تخليص ست عشرة مليون امرأة من قيود الأمية، وارتفعت معدلات التحاق الإناث بالمدارس وزادت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة لدى النساء زيادة كبيرة. وتم تعميم التعليم الابتدائي بشكل عام، وارتفع معدل التحاق الأطفال في سن الدراسة بالمدارس الابتدائية من 2ر49% في عام 1952 إلى 94% في عام 1978. في سنة 1949، كان عدد طلاب التعليم العالي 117 ألفا، وصل إلى مليونين ومائتين وثمانين ألفا في عام 1978، أي تضاعف نحو عشرين مرة. وارتفع معدل الالتحاق بالتعليم العالي من 56ر1% إلى 7ر2% خلال نفس الفترة. شهد تمويل التعليم زيادة كبيرة، من 895 مليون يوان في عام 1952 إلى 56ر6 مليارات يوان في عام 1978، وزاد متوسط الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي من 32ر1% في عام 1952 إلى 78ر1% في عام 1978.

1978-2019: الإصلاح والتنمية

في 18 ديسمبر 1978، عقدت الجلسة العامة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني، حيث فتحت طريقا جديدا لقضية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

يولي قادة الحزب والدولة أهمية كبيرة للتعليم. بعد استئناف دنغ شياو بينغ أعماله، كان مسؤولا عن التعليم. أشار دنغ إلى أن أجواء "احترام المعرفة واحترام المواهب" يجب أن تتشكل داخل الحزب، وطالب بأن "أعمال التعليم يجب أن تتماشى مع متطلبات التنمية الاقتصادية الوطنية، متوافقة مع متطلبات التنمية الاقتصادية الوطنية". بتوجيه من نظرية دنغ شياو بينغ، تقدم التعليم الصيني تدريجيا على طريق التطور مع الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

في ديسمبر عام 1977، استأنفت الحكومة الصينية الامتحان الوطني للقبول بالجامعات، الذي توقف العمل به لمدة سبع سنوات. طرح دنغ شياو بينغ على التوالي سلسلة من البيانات النظرية الهامة، بما في ذلك "المثقفون هم جزء من الطبقة العاملة" و"العلم والتكنولوجيا هي القوى المنتجة الأساسية". جرت مناقشة واسعة النطاق حول موضوع "الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة" وطبيعة التعليم، فتم تشكيل فهم جديد للتعليم كقوة منتجة تدريجيا. هكذا، وُضِع الأساس الأيديولوجي للإصلاح والانفتاح في مجال التعليم. في سبتمبر عام 1983، كتب دنغ شياو بينغ بخط يده لمدرسة جينغشان في بكين: "يجب أن يكون التعليم موجها نحو التحديث والعالم والمستقبل"، وقد حدد هذا التوجيه سياسة الإستراتيجية للإصلاح والانفتاح في مجال التعليم.

في ديسمبر 1978، أرسلت الصين الدفعة الأولى، من 52 طالبا صينيا برعاية الحكومة الصينية ماليا، للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فانبلجت حقبة جديدة للصين في إصلاحها وانفتاحها التعليمي. بدأت الصين في إرسال الطلاب على نطاق واسع إلى الدول المتقدمة للدراسة. في عام 1984، أصدرت الدولة سياسة دراسة الطلاب في الخارج على نفقتهم الخاصة، فزاد عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج بنسبة جاوزت 50%، وبلغ العدد الإجمالي حوالي خمسة آلاف طلاب في العام التالي. في عام 1992، تبنت الحكومة المركزية السياسة العامة للدراسة في الخارج والتي من شأنها "دعم الطلاب والعلماء الذين يدرسون في الخارج، وتشجيعهم على العودة إلى الصين بعد الانتهاء من دراستهم، وضمان حصولهم على حرية القدوم والذهاب". بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، زاد عدد الطلاب الصينيين الذين يدرسون في الخارج على نفقتهم الخاصة، فبلغ في عام 2002 أكثر من مائة ألف طالب. منذ عام 2010، أخذت نسبة زيادة الطلاب الذين يدرسون على نفقتهم الخاصة في الخارج في التباطؤ. في عام 2016، بلغ عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج 5ر544 ألف، وكان الطلاب من عائلات الطبقة المتوسطة هم القوة الدافعة الرئيسية. في عام 2016، بلغ إجمالي عدد الدارسين العائدين الى البلاد، 5ر432 ألفا ، أي نحو 80% من الدارسين الصينيين في الخارج، وتجاوز معدل زيادة العائدين معدل زيادة الذين يسافرون للدراسة في الخارج لأول مرة.

إن تعميم التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات وفر ضمانا كافيا للصين لتصبح "مصنع العالم" وقوة تصنيعية في غضون 40 عاما فقط. في عام 1978، تم تعميم التعليم الابتدائي بشكل عام، حيث بلغ معدل الالتحاق 5ر95%. في عام 1986، بدأ تعميم التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات في البلاد، وفي عام 2011، تم تعميم التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات بشكل شامل. في عام 2017، بلغ معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية 91ر99%، وبلغ معدل الالتحاق الإجمالي الحقيقي في المدارس الإعدادية 5ر103%، أما معدل الدمج (نسبة الطلاب المسجلين إلى الخريجين في العام نفسه) في التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات، فبلغ 8ر93%، أي يتجاوز أو يساوي المتوسط ​​في البلدان المرتفعة الدخل. نفذت الحكومة التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات تنفيذا كاملا والذي تم من خلاله القضاء على الأمية بين الشباب والكبار في منتصف العمر. على مدار السبعين سنة الماضية، قضت الصين على أمية أكثر من ثلاثمائة مليون فرد، من بينهم أكثر من مائتي مليون امرأة.

العدالة التعليمية هي أساس الإنصاف الاجتماعي. وقد التزمت الحكومة الصينية بحل مشكلة تعليم أطفال العمال المهاجرين في المدن، وبذلت جهودا كبيرة لإصلاح المدارس الضعيفة في المناطق الريفية. أرسلت الحكومة المركزية معلمين أصحاب كفاءة عالية ومهارات خاصة إلى المناطق الريفية والنائية ومناطق الأقليات للنهوض بمهمة التخفيف المستهدف للفقر بالتعليم وضمان حق الأطفال المعاقين في التعليم.

من عام 1978 إلى عام 2018، ارتفع عدد خريجي الجامعات في الصين من 165 ألفا إلى 2ر8 ملايين، بزيادة قدرها خمسين ضعفا في 40 عاما. في عام 1998، اقترحت وزارة التعليم رفع معدل الالتحاق بالتعليم العالي إلى حوالي 11% بحلول عام 2000 من خلال تطوير التعليم العالي بنشاط وبشكل مطرد. مع التوسع في الالتحاق بالتعليم العالي، بلغ عدد الطلاب المسجلين في الكليات والجامعات على مستوى البلاد في عام 1998 مليونا وثمانين ألفا. بحلول عام 2002، ارتفع معدل الالتحاق بالتعليم العالي في الصين إلى 15%، فكان ذلك رمزا لدخول التعليم العالي في الصين إلى مرحلة الإتاحة الكاملة. منذ ذلك الحين، استمر هذا المعدل في الزيادة بشكل كبير، حيث وصل إلى 5ر26% في عام 2010 و7ر45% في عام 2017. يتجه التعليم العالي بسرعة نحو التعميم.

خلال الأربعين سنة الماضية، استثمرت الصين 26ر36 تريليون يوان في التعليم، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 1ر17%. في عام 2016، بلغ الاستثمار في التعليم 14ر3 تريليونات يوان، أي ما يعادل 24ر4% من الناتج المحلي الإجمالي. تلتزم الصين بمبدأ توفير التعليم ذي النوعية المرضية من خلال تعزيز المساواة في التعليم، وتعديل الهيكل التعليمي وتحسينه، وذلك لتحقيق تنمية قافزة في جميع أنواع التعليم على جميع المستويات. وتطور التعليم ما قبل المدرسي بسرعة، وحلت بعض المناطق مشكلة الالتحاق برياض الأطفال بشكل فعال. شهد التعليم المهني تحسنا كبيرا، وتطور التعليم الخاص بشكل مطرد؛ وحظي التعليم الخاص وتعليم الأقليات العرقية بالاهتمام أيضا.

بعد المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، دخل التعليم الاشتراكي ذو الخصائص الصينية عصرا جديدا. في التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ: "علينا إعطاء الأولوية لتطوير التعليم". في العاشر من سبتمبر عام 2018، أشار الرئيس شي في المؤتمر الوطني للتعليم إلى أن "التعليم هو مخطط البلاد الكبير ومخطط الحزب الكبير"، ما من شأنه رفع مكانة ودور التعليم إلى مستوى غير مسبوق. بدأت رحلة جديدة في السعي لتحقيق تحديث التعليم من أجل تحقيق الحلم الصيني ونهضة الأمة الصينية.

--

ليو فو شينغ، أستاذ ومشرف على أطروحات الدكتوراه في كلية التعليم بجامعة رنمين الصينية، ونائب رئيس جامعة الشمال الغربي للمعلمين سابقا.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037