مجتمع < الرئيسية

تشو يو قوانغ.. أبو نظام بِينْيِنْ (كتابة الصينية بالأبجدية اللاتينية)

: مشاركة
2019-06-03 13:17:00 الصين اليوم:Source دانغ شياو في:Author

"بِينْيِنْ"، هو نظام كتابة الصينية بالأبجدية اللاتينية، يحول مقاطع الكتابة الصينية إلى كلمات باستخدام حروف من الأبجدية اللاتينية. هذا النظام ابتكره العالم اللغوي الصيني تشو يوانغ الذي فارق الحياة في الرابع عششر من يناير عام 2017، عن عمر ناهز مائة وإحدى عشرة سنة.  

حاليا الأجانب الذين يرغبون في دراسة اللغة الصينية، يبدأون بتعلم بِينْيِنْ، وعندما يجيدون بِينْيِنْ يمكنهم إجادة نطق اللغة الصينية، ومن ثم فهم الثقافة الصينية.

عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، كان أبناء القوميات الصينية الست والخمسين يستخدمون العشرات من اللهجات المختلفة، ما جعل التواصل بينهم جد صعب، في وقت كانت نسبة الأمية تجاوز 80%. كان ابتكار نظام رموز صوتية موحد لكتابة اللغة الصينية أمرا شديد الإلحاح. ركزت الحكومة الصينية جهودها على أعمال إصلاح المقاطع الصينية، فدعت العلماء والخبراء من أنحاء الصين لإنجاز تلك المهمة. كان من بين هؤلاء العلماء والخبراء عالم اللغة والأديب الصيني المعروف تشو يو قوانغ.

الاقتصادي الذي صار لُغَويا

في أحد أيام عام ألف وتسعمائة وستة، أقبل إلى الدنيا تشو يو قوانغ في مدينة تشانغتشو بمقاطعة جيانغسو. وفي عام 1923 التحق الفتى تشو بجامعة سانت جون في مدينة شانغهاي لدراسة الاقتصاد. كان عاشقا لعلوم اللغة، ويحضر دائما دروسها ويقرأ الكتب حول الأبجديات واللغويات في وقت فراغه.

بعد تخرج تشو يو قوانغ في جامعة سانت جون، وبرغم أنه عمل في مجالات لها علاقة بالمالية، لم يفارقه عشقه للغة وعلومها. في وقت فراغه، كان يبحث في اللغويات، بل وينشر في المجلات مقالات حول وجهة نظره في إصلاح مقاطع الكتابة الصينية.

في عام 1946، بعث بنك شينخوا للتوفير تشو يو قوانغ للعمل في مدينة نيويورك الأمريكية، ولكن، بعد تحرير الصين في عام 1949، لم يتردد تشو في التخلي عن الحياة المريحة خارج البلاد من أجل العودة والعمل في جامعة فودان كأستاذ لعلم الاقتصاد.

في سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف، شارك البروفيسور تشو في مؤتمر حول إصلاح مقاطع الكتابة الصينية عقدته الحكومة الصينية في بكين، وكان تشو الذي يتقن اللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية واليابانية، خبيرا في إصلاح مقاطع الكتابة الصينية.

بعد مؤتمر إصلاح مقاطع الكتابة الصينية، وبينما كان تشو يو قوانغ يتأهب للعودة إلى شانغهاي، دعاه مدير اللجنة الصينية لإصلاح مقاطع الكتابة الصينية وو يوي تشانغ، للمشاركة في أعمال إصلاح مقاطع الكتابة الصينية. فتردد تشو وقال: "أنا معجب باللغويات فقط، لست محترفا، أخشى أنني لست كُفْئَا لهذا العمل." فقال له وو يوي تشانغ: "إصلاح مقاطع الكتابة الصينية عمل جديد بالنسبة لنا، كلّنا غير متخصصين." اقترح رئيس جامعة فودان تشن وانغ داو، على تشو يو قوانغ أن يشارك في أعمال إصلاح مقاطع الكتابة الصينية، كما دعاه رئيس مجلس الدولة تشو أن لاي، للمشاركة في هذا العمل.

قَبِلَ تشو يو قوانغ هذه الدعوة بعد تفكير ملي، وانتقل إلى بكين مع أسرته. كانت اللجنة الصينية لإصلاح مقاطع الكتابة الصينية هي المسؤولة عن أعمال إصلاح مقاطع الكتابة الصينية في كل البلاد آنذاك، وتكونت اللجنة من مكتب أبحاث بِينْيِنْ ومكتب تبسيط مقاطع الكتابة الصينية. انضم تشو يو قوانغ إلى مكتب أبحاث بِينْيِنْ وكان مسؤولا عن وضع نظام كتابة جديد باستخدام الأبجدية اللاتينية. كان يعمل في هذا المكتب خمسة عشر لُغَويا من جامعات مختلفة، ومعظمهم كانوا يشاركون فقط في المناقشات في المؤتمرات وإسداء المشورة بشأن مشروعات بِينْيِنْ. قال تشو يو قوانغ: "تم تكليف ثلاثة خبراء بأعمال ابتكار نظام بِينْيِنْ، وهم: يه لاي شي ولو تشي وي وأنا. كان يه لا شي مشغولا بأعماله الإدارية، فقد كان يتولى منصب أمين عام اللجنة الصينية لإصلاح مقاطع الكتابة الصينية. كما أن لو تشي وي، كان مشغولا بأعمال التدريس في إحدى الجامعات والأعمال البحثية في معهد اللغويات. أما أنا، فركّزت على أعمال ابتكار بِينْيِنْ، ولم تكن عندي أعمال إضافية بعد أن غادرت شانغهاي."

غيّر تشو يو قوانغ مسار عمله من المجال الاقتصادي إلى مجال اللغويات عندما كان عمره خمسين عاماً.

إنجاز في ثلاث سنوات

بعد بدء عمله في اللجنة الصينية لإصلاح مقاطع الكتابة الصينية، واجه تشو يو قوانغ مشكلات جمة، مثلا: هل يجب ابتكار أبجدية جديدة أم استخدام الأبجديات الموجودة؟ إذا نستخدم الأبجديات المعروفة، فأي نوع من الأبجديات نختار؟ كيف نصوغ قواعد التهجئة لكل مقاطع الكتابة الصينية الشائعة؟ اللغة الصينية لها أربع نغمات، كيف نحل مشكلة النغمات؟

في الحقيقة، كانت حكومة بييانغ (الفترة الأولى من حكومة جمهورية الصين التي تأسست في العاصمة بكين بين عامي 1912 و1928) ابتكرت أبجدية صوتية صينية لتهجئة مقاطع الكتابة الصينية، تتكون من تسعة وثلاثين حرفا وخمس نغمات، وهي تطورت من الصينية التقليدية والمقاطع الصورية، لكن لم يعترف بها المجتمع الدولي. في عام 1928، أصدرت الحكومة الوطنية لجمهورية الصين في نانجينغ نظام بِينْيِنْ بالحروف اللاتينية، الذي يتكوّن من ستة وعشرين حرفا لاتينيا معروفا، ويتخذ لهجة بكين كأساس له، كما يستفيد من بعض قواعد التهجئة الدولية. لكن استخدام هذا النظام في الصين آنذاك واجه صعوبات بسبب النغمات المعقدة.

رأى تشو يو قوانغ أن الاختيار الأفضل هو الحروف اللاتينية، بعد دراسة الحروف من اللغات المختلفة. فمقارنة مع الحروف الأخرى، تتميز الحروف اللاتينية بمزايا أكثر، وتعتبر الحروف الأكثر استخداما وتأثيرا. اختار تشو يو قوانغ واحدا وعشرين حرفا من الحروف اللاتينية الستة والعشرين، وأضاف خمسة حروف من لغات أخرى لتشكيل نظام بِينْيِنْ. اللغة الصينية لها أربع نغمات؛ هي النغمة العالية (الأولى) والنغمة الصاعدة (الثانية) والنغمة الهابطة ثم الصاعدة (الثالثة) والنغمة الهابطة (الرابعة). استخدم تشو يو قوانغ علامة (ˊ) و(ˇ) و(ˋ) للتعبير عن النغمة الصاعدة والنغمة الهابطة ثم الصاعدة والنغمة الهابطة واستخدم علامة (-) في الرياضيات للتعبير عن النغمة العالية، مما حل مشكلة الرموز الصوتية.

في ذلك الوقت، أوصى خبير سوفيتي، خلال زيارته للصين، باستخدام الحروف الروسية أو الأبجدية السلافية بدلا من الحروف اللاتينية. رفض تشن يي، نائب رئيس مجلس الدولة هذا المقترح بأدب، مبررا الرفض بحاجة الصين إلى التواصل مع شعوب جنوب شرقي آسيا، في حين لا يعرف الحروف الروسية إلا عدد قليل من الناس هناك، واستخدام الحروف اللاتينية مفيد لتعزيز العلاقة بين الصين ودول جنوب شرقي آسيا والدعاية للصين.

قال تشو يو قوانغ: "ما فعله نائب رئيس مجلس الدولة تشن يي كان شيئا ذا مغزى كبير، فلو استخدمنا الحروف الروسية، كنا سنواجه مشكلات أكثر الآن، بل وسنبدأ من الصفر."

عمل تشو يو قوانغ ثلاث سنوات حتى ابتكر نظام بِينْيِنْ الحالي الذي يشتمل على ستة وعشرين حرفا. في فبراير عام 1958، اعتمد المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني القرار بشأن مشروع نظام بِينْيِنْ. بعد ذلك، صارت دورس نظام بِينْيِنْ إلزامية في المدارس الابتدائية الصينية.

بفضل استخدام بِينْيِنْ، نجحت الحكومة الصينية في دفع أعمال محو الأمية. يرى الخبراء أن نظام بِينْيِنْ يوفر للغة الصينية، التي يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف سنة، النطق الموحد، ويساعد الأطفال في عمر من ست سنوات إلى اثنتي عشرة سنة على قراءة الكتب الكلاسيكية قبل سنتين بالمقارنة مع الأطفال الذين لا يعرفون نظام بِينْيِنْ. بعد نشر نظام بِينْيِنْ، استطاع الفلاحون في محافظة وانشيان بمقاطعة شانشي إتقان بِينْيِنْ في فترة بين خمس عشرة إلى عشرين ساعة، وقراءة ألف وخمسمائة مقطع كتابة صيني في مائة ساعة.

خلال السنوات الستين المنصرمة، لعب نظام بِينْيِنْ دورا هاما في تعميم التعليم وتطوير العلوم والثقافة، وأظهر حيوية قوية في تعزيز المعلوماتية والانفتاح على العالم الخارجي.

نظام بِينْيِنْ أصبح معيارا دوليا

منذ ستينات القرن العشرين، زار تشو يو قوانغ مع زملائه العديد من البلدان للمشاركة في مؤتمرات دولية والسعي للحصول على اعتراف دولي بنظام بِينْيِنْ.

قال تشو يو قوانغ: "من المهم أن يصبح نظام بِينْيِنْ معيارا دوليا. مثلا، فإذا ليس لدينا معيار موحد لكتابة معلومات رحلات الطيران، من السهل أن تحدث الاضطرابات في الطيران، فماذا نفعل لو تصادمت الطائرات في السماء؟"

في عام 1974، عقدت المنظمة الدولية للتوحيد القياسي الاجتماع التقني للمعلومات والوثائق في وارسو. ألقى تشو يو قوانغ باسم الصين كلمة في المؤتمر، واقترح استخدام نظام بِينْيِنْ معيارا دوليا لتهجئة اللغة الصينية. في عام 1982، وبعد التصويت، اقرت المنظمة الدولية للتوحيد القياسي بنظام بِينْيِنْ كالمعيار الدولي لتهجئة اللغة الصينية. قال تشو يو قوانغ: "يقال إننا استغرقنا ثلاث سنوات لابتكار نظام بِينْيِنْ. في الحقيقة، استغرقنا أربع عشرة سنة من ابتكار النظام إلى الحصول على الاعتراف الدولي. وباستعراض التاريخ، نجد أن الأمة الصينية بذلت جهودها لمدة مائة سنة لتحقيق هذا الإنجاز."

نظام بِينْيِنْ وفر جسرا بين نطق اللغة الصينية والكتابة الصينية، مما ساعد الصين على تقليل نسبة الأمية، ويساعد الأجانب على تقليل صعوبة تعلم اللغة الصينية، وربط لهجات صينية لا تعد ولا تحصى مع الطريقة الصوتية الشائعة. لذا، يحمل تشو يو قوانغ لقب "أبو نظام بِينْيِنْ". لكنه لا يحب هذا اللقب. قال: "استغرق تطور نظام بِينْيِنْ مائة سنة. أنا مجرد واحد من الذين ساهموا في ابتكار نظام بِينْيِنْ. لا يجوز أن يطلق على لقب"أبو نظام بِينْيِنْ".

عشق تشو يو قوانغ اللغويات طوال حياته. ألف أكثر من أربعين كتاب، وشارك في كثير من الأعمال الثقافية الصينية. ولعب دورا هاما في تعزيز الخطة الصينية بشأن اللغة الصينية ونشر اللغة الصينية الفصحى السائدة وتوحيد اللغة الصينية ومقاطع الكتابة الصينية. يتذكر الصينيون في قلوبهم إلى الأبد هذا العالم الجليل.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037