مجتمع < الرئيسية

تشو شيان موه الذي كرس حياته لـ"تصفية مياه النهر الأصفر"

: مشاركة
2019-04-30 11:39:00 الصين اليوم:Source دانغ شياو في:Author

النهر الأصفر (هوانغخه) ثاني أطول نهر في الصين، وهو النهر الأم للأمة الصينية، يبلغ طوله 5464 كيلومترا، ويمر من شمال غربي الصين إلى جنوب شرقي الصين بتسع مقاطعات ومناطق وهي مقاطعة تشينغهاي ومقاطعة سيتشوان ومنطقة نينغشيا ومنطقة منغوليا الداخلية ومقاطعة شنشي ومقاطعة شانشي ومقاطعة خنان ومقاطعة شاندونغ، حيث تتجمع فروعه في تيار عارم حتى مصبه في بحر بوهاي، وتبلغ مساحة منطقة حوضه حوالي 750 ألف كيلومتر مربع. وتعتبر منطقة حوض النهر الأصفر أحد المنابع الرئيسية للحضارة الصينية، وشهدت تبدل الأسر التي حكمت الصين، وسجلت التاريخ العريق والثقافة الرائعة للأمة الصينية خلال آلاف السنين. يمكن القول إنه لا صفحات عظيمة للأمة الصينية بدون نهر اليانغتسي والنهر الأصفر.

بعد القرن الثامن الميلادي، وبسبب تآكل التربة في هضبة هوانغتو (هضبة اللوس) في المجاري العليا والوسطى للنهر الأصفر امتلأ مجرى النهر الأسفل بالغرين، مما أدى إلى ارتفاع سرير النهر والفيضان وتصدع الحواجز وتغير مجرى النهر، وكان ذلك يتسبب في كوارث متكررة. وفقا للسجلات التاريخية، وقعت حوادث تصدع الحواجز والفيضانات في مجرى النهر الأصفر الأسفل أكثر من ألف وخمسمائة مرة خلال ألفي سنة، وتغير مجراه 26 مرة. وكلما فاض النهر الأصفر، يتشرد وينزح عشرات الآلاف من الناس عن مواطنهم. وقد أولت كل الأسرات الحاكمة في الصين اهتماما بالغا بترويض النهر الأصفر. بعد تأسيس الصين الجديدة، اهتمت الحكومة المركزية اهتماما كبيرا بترويض النهر الأصفر، وقامت بترميم حواجز فيضان النهر الأصفر مرارا، ولكن الفيضانات ظلت تهدد حياة إنتاج السكان الذين يعيشون على ضفتي النهر الأصفر، وخاصة في مناطق المجاري الدنيا والوسطى في مختلف مواسم الفيضانات، وكان تصدع الحواجز مرات يسبب خسائر اقتصادية فادحة للدولة.

نقطة الاختراق لـ"تصفية مياه النهر الأصفر"

ترويض النهر الأصفر و"تصفية مياه النهر الأصفر" حلم يسكن قلب تشو شيان موه، الأكاديمي الكبير في الأكاديمية الصينية للعلوم والخبير المشهور في علم التربة وحفظ الماء وصيانة التربة. المياه الصافية للنهر الأصفر تعني أن مجرى النهر ليس مسدودا، وأن النهر لن يفيض، ولذلك، ظل تشو شيان موه يكرس نفسه للعمل على هضبة هوانغتو الواسعة لأطول من نصف قرن.

وُلد تشو شيان موه في عام خمسة عشر وتسعمائة وألف. نشأ في قرية تتبع حي تشونغمينغ في مدينة شانغهاي، وذاق مرارة العمل الزراعي منذ صغره. بعد تخرجه في مدرسة ثانوية بشانغهاي، التحق بالجامعة الوطنية المركزية، وتخصص في تخصيب التربة بقسم الكيمياء الزراعية، عاقدا العزم أن يكون فلاحا علميا. بعد التخرج في الجامعة سنة أربعين وتسعمائة وألف، عمل تشو شيان موه في المعهد المركزي للمسح الجيولوجي في حي بيبي بمدينة تشونغتشينغ، حيث تتلمذ على يد هو قوانغ جيونغ عالم التربة الصيني المشهور، الأمر الذي غير مسار حياته.

في بداية تأسيس الصين الجديدة، كان تشو شيان موه يعمل في معهد التربة بمدينة نانجينغ التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، وأصبح واحدا من أبناء المدن الذين يغبطهم أهل الريف. ولكن في عام تسعة وخمسين وتسعمائة وألف، قرر السيد تشو فجأة أن يغادر نانجينغ ذات ظروف العمل والحياة الممتازة، وانتقل مع أسرته إلى معهد الأبحاث البيولوجية والتربة في شمال غربي الصين التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (معهد أبحاث الحفاظ على التربة والماء لقسم الري التابع للأكاديمية الصينية للعلوم حاليا) والواقع في قرية بشمال غربي الصين. هنا، ضرب جذوره في هضبة هوانغتو وبدأ بحوثه في تربة اللوس، ولم يغادر ذاك المكان منذ ذلك الوقت.

المستلزمات اليومية هنا غير متوفرة وظروف العلاج الطبي بسيطة ومتخلفة، ومع ذلك لم يعر تشو شيان موه كل ذلك اهتماما، بل انشغل قلبه بترويض النهر الأصفر وحفظ المياه وصيانة التربة على هضبة هوانغتو، فاستعجل السفر إلى المجاري الوسطى للنهر الأصفر ليقوم بالمسح الميداني.

بعد أن قام بالتفتيش في أماكن كثيرة، اقترح إنشاء محطة لمراقبة تعرية التربة في منطقة تسيوولينغ الواقعة على الحدود المشتركة لمقاطعتي شنشي وقانسو، لأن الغطاء النباتي في هذه المنطقة تعرض للتخريب نتيجة للحروب في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م) وأسرة تشينغ (1644- 1911م)، ثم انتعش طبيعيا وعادت إليه الخضرة والنضارة. رأى تشو جيان موه أن منطقة تسيوولينغ تعد مكانا مثاليا يفيد في إيجاد حلول علمية لمشكلات جرف التربة والماء على هضبة هوانغتو وترويض فيضان النهر الأصفر وترسب الغرين في خزان سانمنشيا للمياه.

في ذلك الوقت، كانت منطقة تسيوولينغ مقفرة موحشة، والطرق فيها وعرة، ولكن تشو شيان موه لم يتراجع، بل قاد ثلاثين عضوا لفرقة التفتيش للاختبار مرة بعد مرة. وقام بالمسح الميداني للأخاديد والحفر على هضبة هوانغتو، وتحدث مع الفلاحين للاستفادة من تجاربهم. ومشى تشو شيان موه على هذه الأخاديد والحفر فوق الهضبة الواسعة أكثر من عشرين مرة خلال أكثر من خمسين سنة. بالإضافة إلى ذلك، اجتاز جبال كونلون ثلاث مرات ودخل منطقة شينجيانغ مرتين.

"إستراتيجية من 28 مقطعا صينيا"

على أساس المسح الميداني مرات لا يُحصى عددها وكمية كبيرة من الأبحاث، وتراكم معرفة قانون تعرية التربة على هضبة هوانغتو خلال أكثر من أربعين سنة، وثمار الأبحاث العلمية للحفاظ على التربة والماء وترويض أرض البلاد، طرح تشو شيان موه "إستراتيجية من 28 مقطعا صينيا"، تتمحور حول إعادة الغطاء النباتي بسرعة لإصلاح هضبة هوانغتو، أي "تسرب كل المياه المتساقطة في الأرض لحجزها وزراعة الحبوب على الأرض المنبسطة وأرض الطمي، وزراعة الغابات والأشجار المثمرة على الأتلام ومفارق الطرق، وزراعة العشب والشجيرات على حقول السفوح".

اعتقد تشو شيان موه أن المشكلة الخطيرة لجرف التربة على هضبة هوانغتو يرجع سببها إلى أن شدة تساقط الأمطار تجاوزت القدرة على التسرب في الأرض. ومن ثم فإن الوقاية من جرف التربة تتطلب حماية وتعزيز نفاذية التربة لتتسرب المياه فيها، لجعل كل الأمطار المتساقطة تتسرب في التربة، ويكون ذلك الهدف العام والهدف الإستراتيجي المشترك لكل إجراءات التنمية والإنتاج والمعالجة والحماية وغيرها.

على أساس ذلك، ينبغي القيام بالترتيب العلمي للاستخدام المناسب لمختلف أنواع الأرض على الهضبة، وفقا لحاجة مختلف المزروعات إلى المياه، حيث تعد الأرض المنبسطة وأرض الطمي نوعين رئيسيين من التضاريس على الهضبة، من السهل أن ترتشف الأمطار المتساقطة وتسرب الأمطار فيهما لحجزها، مما يحقق حجم الإنتاج المرتفع والمستقر، وهذا مناسب لزراعة محاصيل الحبوب؛ ولأن حاجة الغابات والأشجار المثمرة إلى المياه مرتفعة، فلا بد من زراعتها في الأماكن ذات الظروف المائية الجيدة أو الأتلام ومفارق الطرق التي يمكن أن تحجز الانسياب السطحي؛ أما السفوح الشديدة الانحدار وغيرها من الأراضي الرديئة، فمساحتها كبيرة، وتتعرض بشدة لتعرية التربة، فتكون ظروف نمو النباتات سيئة، وينبغي إعادة زراعة العشب والشجيرات فيها لتغطية المنحدرات الحادة بالعشب لمنع الانهيارات الطينية. نُفذت هذه الإستراتيجية على نطاق واسع في المناطق التجريبية الإحدى عشرة لمشروع المعالجة الشاملة على هضبة هوانغتو، التي حددها مقر قيادة ترويض حوض نهر هوانغبوتشوان وحوض نهر وودينغ والخطة الخمسية السابعة والخطة الخمسية الثامنة للاقتصاد الوطني والتنمية الاجتماعية. وأثبتت الممارسات تدريجيا أن هذه الإستراتيجية لها مغزى إرشادي واقعي للمعالجة الشاملة لهضبة هوانغتو.

في عام 1997، قابل جيانغ تشون يون نائب رئيس مجلس الدولة حينذاك تشو شيان موه، حيث أصغى إلى تقريره حول "إستراتيجية الـ28 مقطعا صينيا"، وأعرب عن تقديره الكبير له، وأمر بوضع الإجراءات التفصيلية لتنفيذ "الإستراتيجية" في أسرع وقت ممكن.

من أجل تنفيذ "إستراتيجية" حفظ الماء وصيانة التربة بشكل أكثر شمولا وتفصيلا، لم يتوقف تشو شيان موه الذي تجاوز عمره ثمانين سنة، عن البحث، حيث كتب سلسلة من المقالات لطرح بعض الاقتراحات والاجراءات التفصيلية. وأقسم في قلبه، "إذا لا تصبح مياه النهر الأصفر صافية، سأموت في حسرة!" لذلك، ظل تشو شيان موه الذي كان قد بلغ من العمر واحدا وتسعين عاما، ينشر الأطروحات في ((مجلة الأكاديمية الصينية للعلوم))، وطرح ثلاثة اقتراحات حول بناء البيئة المنسجمة على هضبة هوانغتو وإعادة ظهور الجبال والأنهار الجميلة.

بفضل تنفيذ مشروع إعادة أراضي الغابات والمروج إلى حالاتها الأصلية، أصبحت هضبة هوانغتو خضراء من حيث الأساس في عام 2015، وانخفض حجم جرف التربة والغرين بسبب النهر الأصفر من 3ر1 مليار طن إلى حوالي 300 مليون طن، أي أقل بكثير من نقطة توازن النهر البالغة 800 مليون طن، فيمكن القول إن مياه النهر الأصفر قد صارت صافية.

بعد سنتين، أصدرت مجلة أسبوعية تابعة لوكالة شينخوا تقريرا عن تحول مياه النهر الأصفر إلى مياه صافية، حيث أشارت إلى أن المياه في أكثر من 80% من أجزاء مجرى النهر الأصفر صافية خلال موسم الفيضانات، وأوضحت البيانات من القياس الواقعي في مايو عام 2017، أن نسبة الغرين الموجودة في مياه النهر الأصفر لا تتجاوز 8ر0 كيلوغرام لكل متر مكعب.

أسعد هذا الخبر تشو شيان موه، وقال مسرورا: "أصبحت مياه النهر الأصفر صافية، وأستطيع أن أموت مطمئنا." تحققت آمال هذا الشيخ وتوفي بعد أيام، وغادر هضبة هوانغتو التي عمل فيها طوال حياته، وكان عمره قد جاوز المائة سنة بسنتين.

تعليقا على ما قام به تشو شيان موه وانتقاله مع أسرته إلى المنطقة الغربية المتخلفة، قال الأكاديمي لي تشن شنغ الفائز بجائزة العلوم والتكنولوجيا الوطنية العليا لعام 2006: "الأستاذ تشو نقل كل أسرته إلى بلدة يانغلينغ النائية المتخلفة في محافظة ووقونغ بمدينة شنشي من أجل حاجة الوطن، ونذر نفسه للأبحاث العلمية لتربة هضبة هوانغتو. لقد تأثرت بذلك كثيرا وكنت شابا في ذلك الوقت، مما عزز إيماني بأننا يمكن أن نحقق نتائج بحث علمية على مستوى عالمي في بلدة صغيرة مثل يانغلينغ." إن جيلا بعد جيل من الصينيين الذين يكرسون أنفسهم من قلوبهم لوطنهم، يدفعون تنمية ونهضة الصين الجديدة.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037