استوطن البشر منطقة تيانجين الساحلية منذ العصر الحجري الحديث. ومع افتتاح القناة الكبرى خلال فترة أسرة سوي (581- 618م)، ازدادت أهمية تيانجين تدريجيا. ومنذ منتصف فترة أسرة تانغ (618- 907م)، أصبحت تيانجين مركزا رئيسيا لنقل الحبوب والحرير من الجنوب إلى الشمال عبر الطرق البرية والبحرية، وظلت على مر العصور إحدى المناطق الإدارية المهمة في الصين.
متحف تيانجين، الذي تأسس في عام 1918، هو أحد أقدم المتاحف في الصين. ومن أبرز مقتنياته: دينغ تايباو البرونزي من فترة أسرة تشو الغربية (القرن 11- 771 ق.م) (دينغ هو إناء بثلاثة أرجل إذا كان مستديرا أو أربعة أرجل إذا كان مربعا أو مستطيلا، وله مقبضان)، وقارورة تشوانبينغ الخزفية المزججة باللون الأبيض، ذات المقبضين على هيئة تنينين متصلين من بطنيهما، من فترة أسرة سوي، ولوحة ((مشهد الغابة الثلجية)) من فترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، وقارورة يويهوتشون الخزفية المطلية بالمينا، المزينة برسوم الفاوانيا وطائري التدرج، والمختومة بختم الإمبراطور تشيان لونغ، من فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م).
دينغ تايباو البرونزي
يعد دينغ البرونزي المنسوب إلى تايباو، الذي يعود تاريخه إلى نحو 3000 عام، من أهم القطع الأثرية لفترة أسرة تشو الغربية، وأحد روائع متحف تيانجين. وفي عام 2002، أدرجته الهيئة الوطنية الصينية للتراث الثقافي ضمن أول قائمة تضم 64 قطعة أثرية ثمينة يحظر إخراجها من البلاد للمشاركة في المعارض. وتتميز هذه التحفة، المصنفة ضمن الآثار الثقافية من الدرجة الأولى في الصين، برسوم تاوتيه (الوحش المفترس النهم الأسطوري في الثقافة الصينية التقليدية) وحواف بارزة مزخرفة، وقد صنع ببراعة حتى وصف بأنه "ملك الأواني البرونزية المربعة". كما توثق النقوش المحفورة عليه منح الملك تشنغ إقطاعية يان إلى تشاو قونغ.
كان الصينيون القدماء يولون الأواني التي تسمى بـ"دينغ" أهمية خاصة ومكانة رفيعة، إذ كان استخدامها يخضع لنظام محدد للمراسم والطقوس في فترة أسرة تشو الغربية. ومن المرجح أن هذا الإناء المربع ذا الأرجل الأربع كان من الأواني التي يستخدمها النبلاء في أوائل فترة أسرة تشو الغربية. ويبلغ ارتفاعه 7ر50 سنتيمترا، وقطر فوهته 36ر23 سنتيمترا، ووزنه 26 كيلوغراما. ويتميز بهيئة مهيبة وحرفية متقنة في صناعته، فيما تظهر بوضوح على الجدار الداخلي لبطنه ثلاثة أحرف مصبوبة هي "صنع تايباو".
وكان تايباو لقبا لمنصب رسمي في فترة أسرة تشو (القرن 11- 256 ق.م)، وكان صاحبه أحد كبار رجال الدولة الذين تولوا إدارة شؤون الحكم. وتكريما لتشاو قونغ، أحد كبار رجال الدولة، سمح له الملك تشنغ بصب هذا الإناء. والمقصود بتايباو في النقش المصبوب هو تشاو قونغ نفسه. فقد عُرف تشاو قونغ، خلال مشاركته في إدارة شؤون الدولة، بتقديره للاجتهاد والاقتصاد، وحظي باحترام كبير بين الناس، وأصبح هذا الإناء رمزا لمكانته وهويته.
قارورة تشوانبينغ الخزفية المزججة باللون الأبيض
تُعد قارورة تشوانبينغ الخزفية المزججة باللون الأبيض، ذات المقبضين على هيئة تنينين والبطنين المتصلين، من فترة أسرة سوي، وهي من مقتنيات متحف تيانجين التي يحظر إخراجها من البلاد للمشاركة في المعارض، وهي من أقدم روائع الخزف الأبيض في الصين. ويتميز طلاؤها بلون ولمعان ناعمين يشبهان اليشم، وهو ما يعكس ازدهار صناعة الخزف في شمالي الصين.
وتتميز هذه القارورة بسمتين بارزتين: بطنان متصلان، ومقبضان جانبيان على هيئة تنينين. ويبلغ ارتفاعها 5ر18 سنتيمترا، وقطر بطنيها 11 سنتيمترا. ولها عنق طويل ورشيق وبطنان مستديران ناعمان متصلان، ويبرز منهما تنينان مشكلان يدويا، يمتدان إلى أعلى في التفاف متصاعد، فيما يتجه رأسا كل منهما إلى داخل فوهة القارورة، في مشهد يوحي بأنهما يرتشفان الشراب النفيس الموجود فيها.
ويرجح أن شكلها وتصميمها استلهما من "القوارير المحلية ذات الفوهات العريضة"، مع الاستفادة من السمات الزخرفية لإبريق فضي ذي مقبضين من المناطق الغربية. وتعد هذه القارورة شكلا مبتكرا من أشكال الأواني في فترة أسرة سوي، كما أنها من القطع النادرة الخزفية والفاخرة المستخدمة لحفظ النبيذ في ذلك العصر، وتمثل أرفع مستوى وصلت إليه صناعة الخزف الأبيض آنذاك.
ولا يوجد في العالم حاليا سوى ثلاث قطع أثرية من هذا الطراز، وهذه القطعة هي الوحيدة التي تحمل نقشا يشير إلى اتصال بطني القارورة، كما يمكن أن يكون النقش اسما لهذا النوع من القوارير ذات البطنين، وهو الاسم المستمد من هذا النقش.
اكتشفت هذه القطعة في مقبرة لي جينغ شيون بمدينة شيآن في مقاطعة شنشي. وكانت لي جينغ شيون في التاسعة من عمرها فقط عند وفاتها. وكانت جدتها لأمها، يانغ لي هوا، إمبراطورة في فترة أسرة تشو الشمالية (557- 581م)، وهي الابنة الكبرى الشرعية للإمبراطور يانغ جيان، مؤسس أسرة سوي. وكانت جدتها شديدة العناية بها، حتى وصفها البعض بأنها "الطفلة الأكثر تدليلا في التاريخ". وبعد وفاة لي جينغ شيون، غمر الحزن قلب جدتها، فأقامت لها جنازة فاخرة، ووضعت في قبرها ما كانت تحتاج إليه وتحبه في حياتها، ومن بينها هذه القطعة الخزفية الدقيقة الصنع، التي تعد من أرقى القطع الخزفية التي وضعت في قبرها.
لوحة ((مشهد الغابة الثلجية))
تعد لوحة ((مشهد الغابة الثلجية)) إحدى الكنوز الوطنية الأخرى في متحف تيانجين، وهي العمل الأصلي الوحيد الباقي حتى اليوم من أعمال فان كوان من فترة أسرة سونغ الشمالية. ونظرا إلى هشاشة مواد اللوحة، لا تعرض هذه التحفة إلا مرة واحدة كل خمس سنوات. وقد حظي آخر عرض لها، الذي أقيم في عام 2023، بإقبال واسع من الجمهور.
يبلغ ارتفاع هذه اللوحة البانورامية الكبيرة للمناظر الطبيعية قرابة مترين، وعرضها 6ر1 متر، وتتكون من ثلاث قطع من الحرير ضمت معا. وقد استخدم الفنان الحبر الصيني وتدرجاته لرسم مشهد شتوي في شمالي الصين بعد انقشاع الثلوج وصفاء السماء. وتبدو القمم الجبلية في اللوحة كأنها حواجز متراصة، فيما تظهر بين الوديان منازل متناثرة، ويمكن رؤية شخص يفتح بابا ويطل منه، وكأنه يتأمل مشهد الثلوج في معبد هادئ. وتمتد المسارات الخشبية والجداول بين المساكن والغابات الباردة، بينما تحمل الرياح في بعض أجزاء الوديان الثلوج المتطايرة، فتضفي قدرا من الحيوية على المشهد الشتوي الساكن.
ويعد فان كوان واحدا من "أعظم ثلاثة من رسامي المناظر الطبيعية في فترة أسرة سونغ الشمالية"، وقد مثلت أعماله أرفع منجزات رسم المناظر الطبيعية في ذلك العصر، إلا أن أعماله الباقية حتى اليوم نادرة للغاية. ومن خلال هذه اللوحة، عبّر فان كوان عن قوة الطبيعة وأمل الحياة. فعلى الرغم من سكون مظاهر الحياة في الشتاء، لا تزال قمم الجبال في اللوحة تتزين بأشجار ونباتات خضراء كثيفة، محتفظة بالحيوية التي تنبض بها الطبيعة.
وتتجلى في ((مشهد الغابة الثلجية)) بوضوح السمات الأساسية لأسلوب فان كوان الفني، ومن أبرز علاماته المميزة تقنية "تنقيط قطرات المطر"، التي تتجلى بوضوح في اللوحة. كما تتميز طريقة رسم الصخور الضخمة والخطوط المحددة للمباني بخصائص فنية فريدة. وقد وصف بعض النقاد البيوت التي يرسمها فان كوان بأنها "بيوت حديدية"، في إشارة إلى قوة ضربات فرشاته وصلابتها، إذ تبدو المنازل التي يرسمها وكأنها مشيدة من هياكل حديدية، مما يمنحها مظهرا متينا وصلبا.
قارورة يويهوتشون الخزفية المطلية بالمينا
تعد قارورة يويهوتشون الخزفية المطلية بالمينا، المزينة برسوم الفاوانيا وطائري التدرج، والمختومة بختم الإمبراطور تشيان لونغ من فترة أسرة تشينغ إحدى مقتنيات متحف تيانجين، وهي تحفة أثرية أخرى من الكنوز الوطنية. وتجمع هذه القطعة بين الشعر والخط والرسم والختم، فيما تبدو طيور التدرج المرسومة على جسم القارورة نابضة بالحياة، حتى لقبت بـ"ملك الخزف المطلي بالمينا".
ظهرت تقنية الخزف المطلي بالمينا في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م). وفي أوائل فترة أسرة تشينغ، انتشر في الصين الرسم بألوان المينا المستوردة على أسطح مختلفة، منها النحاس والزجاج والخزف، وكان الخزف الذي ترسم عليه بهذه الألوان يعرف باسم "الخزف المطلي بالمينا". واليوم، أصبحت قطع الخزف المطلي بالمينا الباقية من تلك الفترة نادرة للغاية.
تتميز هذه القطعة بصغر حجمها، إذ يبلغ ارتفاعها 3ر16 سنتيمترا، وقطر قاعدتها 5 سنتيمترات. وقد نفذت الرسوم عليها بدقة بالغة، وتضم الرسوم قصيدة وأختاما، فتجمع القارورة بين الشعر والخط والرسم والختم في قطعة واحدة. ولو أمكن بسطها بالكامل، لبدت وكأنها لوحة صينية متكاملة من لوحات الزهور والطيور. وكان رسامون بارزون في البلاط الإمبراطوري ينفذون الرسوم الأولية لمثل هذه الأعمال في ذلك الوقت.
وتعود أهمية الخزف المطلي بالمينا أيضا إلى تعقيد عملية صنعه. ففي البداية، كان القالب الخزفي الأبيض العالي الجودة يحرق في الفرن الإمبراطوري بجينغدتشن في جيانغشي. ثم ينقل القالب الخزفي الأبيض إلى العاصمة، حيث ترسم عليه الزخارف بألوان المينا بعد إتمام عملية الحرق الأولى. وكان الرسم على سطح الخزف صعبا بسبب نعومته وانزلاقه، وكان أشبه بالرسم بالقلم على لوح زجاجي.
رسم على بطن هذه القارورة الصغيرة، التي لا يتجاوز ارتفاعها 16 سنتيمترا، بتقنية الرسم الدقيق للزهور والطيور، برسوم لطائري التدرج وزهور الفاوانيا المتفتحة وغيرها من العناصر، بألوان غنية زاهية وأشكال نابضة بالحياة. وبعد الانتهاء من الرسم، كانت القارورة ترسل إلى ورش صناعة الأدوات في القصر الإمبراطوري في فترة أسرة تشينغ، حيث تدخل الفرن لإتمام عملية حرقها وتحويلها إلى قطعة خزفية مطلية بالمينا. ونظرا إلى أن قالب الخزف المطلي بالمينا كان أرق بكثير من قوالب الخزف العادي، كان من السهل جدا أن يتشقق أو ينكسر أثناء الحرق الثاني بعد إضافة الألوان، وهو ما يوضح مدى صعوبة العملية وارتفاع متطلباتها التقنية وتعقيد صنع هذا النوع من الخزف.
التعليم الاجتماعي
يواصل متحف تيانجين تعزيز دوره في مجال التعليم الاجتماعي، مستفيدا من مجموعته الغنية بالمقتنيات، ويقدم سلسلة من الأنشطة الثقافية التي تجمع بين التعليم والترفيه، مما يسهم في إحياء التاريخ وجعله "حيا" وقريبا من الناس.
خلال عطلة عيد الربيع في عام 2026، أطلق متحف تيانجين سلسلة من الأنشطة تحت عنوان "الاحتفال بالعام الجديد في المتحف"، شملت معرضا خاصا بالمقتنيات الأثرية بمناسبة عيد الربيع، وورش عمل للحرف اليدوية المستوحاة من التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب فعالية "اللقاء الثقافي بمناسبة عيد الربيع في متحف تيانجين". وخلال هذه التجارب التفاعلية، عاش الزوار أجواء الاحتفالات التقليدية بعيد الربيع.
وفي عيد قوارب التنين لعام 2026، نظم متحف تيانجين سلسلة من الأنشطة انطلاقا من لوحة ((مشهد عيد قوارب التنين)) الموجودة ضمن مجموعته، وأعاد من خلالها إحياء فن تنسيق الزهور الذي كان الصينيون القدماء يمارسونه خلال هذا العيد. كما ينظم المتحف خلال العطلتين الصيفية والشتوية من كل عام معسكرا تدريبيا مكثفا بعنوان "المرشدون الصغار"، بهدف تعزيز ثقة الأطفال والشباب بثقافة الصين. كما يقيم كذلك محاضرات مجانية بصورة منتظمة كل شهر، تتيح للجمهور التعرف على سحر الثقافة التقليدية.
وفي الوقت نفسه، يستفيد المتحف من البث المباشر عبر الإنترنت ومنصة المعارض الرقمية المتاحة على موقعه الإلكتروني، لمواصلة توسيع نطاق برامجه في مجال التعليم الاجتماعي، وإتاحة موارد ثقافية عالية الجودة لشريحة أوسع من أفراد المجتمع.
