سياحة < الرئيسية

متحف مقاطعة قويتشو.. خزائن التاريخ في أحضان الجبال

: مشاركة
2026-09-29 15:16:00 الصين اليوم:Source منغ جيا شين:Author

في أعماق الجبال الوعرة في مقاطعة قويتشو بجنوب غربي الصين، يمكن العثور على آثار بشرية تعود إلى مئات الآلاف من السنين في هذه المنطقة التي كانت وما زالت موطنا للعديد من أبناء القوميات الصينية المختلفة.

وقد شهدت قويتشو أيضا عمليات التبادل والاندماج بين حضارة السهول الوسطى القديمة وثقافات جنوب غربي الصين، بالإضافة إلى ملحمة الصين الكبرى "المسيرة الطويلة" في العصر الحديث. وعلى امتداد هذه الفترة التاريخية الطويلة، بقيت العديد من الآثار الثقافية محفوظة؛ حيث يعرض الآن في متحف مقاطعة قويتشو بعض من أرقى هذه القطع التي تشهد على عمق الإرث الثقافي والتاريخي لهذه المقاطعة.

متحف مقاطعة قويتشو هو أكبر متحف شامل في المقاطعة من حيث عدد المقتنيات؛ إذ تبلغ مساحته الإنشائية أكثر من 47 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 80 ألف قطعة أثرية. تتميز معروضاته، بشكل خاص، بالأواني البرونزية، والحلي الفضية لقومية مياو، والمقتنيات الثورية الحديثة والمعاصرة لمقاطعة قويتشو. ومن بين كنوزه النفيس؛ عربة الخيول البرونزية من فترة أسرة هان الشرقية (25- 220م)، والتنورة الملونة ذات الطيات المصنوعة بتقنية الصباغة بالشمع (الباتيك)، والتي تحمل نقوشا لطائر البلشون ويعود تاريخها إلى فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، وتاجا العنقاء الذهبيان الخماسيان المرصعان بالأحجار الكريمة من فترة أسرة مينغ، و((البيان الرسمي الصادر عن اللجنة الثورية لمقاطعات سيتشوان ويوننان وقويتشو التابعة لجمهورية الصين السوفيتية الشعبية)) (رقم 4)، وغيرها.

عربة الخيول البرونزية.. رحلة عبر الزمن

في قاعة العرض بمتحف مقاطعة قويتشو، تجذب عربة الخيول البرونزية من فترة أسرة هان الشرقية انتباه العديد من الزوار. هذه القطعة الأثرية، المصنفة ضمن الآثار الوطنية من الدرجة الأولى، تم اكتشافها في مقبرة تعود إلى فترة أسرة هان الشرقية في ولاية تشيانشينان الذاتية الحكم لقوميتي بويي ومياو في مقاطعة قويتشو؛ والتي تعد حاليا الأكثر اكتمالا وإتقانا بين عربات الخيول البرونزية التي اكتشفت حتى الآن لفترة هان الشرقية. تتكون هذه العربة من جزأين رئيسيين كبيرين هما العربة والحصان، يبلغ طولها 112 سنتيمترا وارتفاعها 88 سنتيمترا، ويصل عدد الأجزاء المكونة لها إلى أكثر من 300 قطعة؛ حيث تم تجميع الحصان البرونزي باستخدام 11 جزءا مصبوبا بشكل منفصل. مما جعل شكل الحصان واقعيا للغاية، وهيئته تدل على القوة والرشاقة. عند اكتشاف العربة، عثر على بعض البقايا من الأقمشة الحريرية التي كانت تغطي هيكل العربة، مما يدل على أن العربة الأصلية كانت مزودة بستائر جانبية وأغطية أخرى لحجب الرؤية عن الجالسين فيها؛ لذلك استنتج الخبراء أن هذه العربة كانت تستخدم عادة من قبل نساء وبنات المسؤولين في فترة أسرة هان.

تظهر هذه القطعة الأثرية بوضوح أشكال وأنماط المركبات والخيول والنظام الاجتماعي المرتبط بها في فترة أسرة هان الشرقية؛ حيث تضمن إنتاج هذه القطعة سلسلة من التقنيات الحرفية المتقدمة في ذلك الوقت، مثل سبك القوالب وتشكيل رقائق النحاس بالطرق والطلاء بالذهب وتقنيات أخرى، مما يمنحها قيمة فنية استثنائية، كما يظهر المستوى التقني الذي بلغته صناعة البرونز في منطقة يوننان وقويتشو خلال فترة أسرتي تشين وهان، وكذلك الإنجازات التي تحققت في هذا المجال. وتظهر هذه القطعة الأثرية أيضا الارتباط الثقافي الوثيق الذي كان قائما بين منطقة الجنوب الغربي والسهول الوسطى خلال فترة أسرة هان؛ ففي عام 135 قبل الميلاد، أنشأ ليو تشه، إمبراطور أسرة هان، ولاية في قويتشو، مما جعلها تحت الحكم المباشر لأسرة هان. وبحلول أوائل فترة أسرة هان الشرقية، أصبحت منطقة جنوب غربي قويتشو مركزا لثقافة السهول الوسطى في هضبة يونقوي (يوننان- قويتشو). وقد ظهرت عربة الخيول البرونزية تحديدا بمقابر أسرة هان في قويتشو في ظل هذه الخلفية التاريخية، وهذا يعد تجسيدا حيا لطابع التعددية في الوحدة الذي تمتاز به الحضارة الصينية.

تنورة الكهف.. حكاية من صميم الجبال

في مناطق الجبال الكارستية بقويتشو، ما زالت طريقة دفن غامضة تعرف بـ"الدفن في الكهوف الصخرية" قائمة. في عام 1987، وفي موقع الدفن في الكهوف لقومية مياو بقرية تاوهوا في مقاطعة قويتشو، اكتشفت تنورة محفوظة بحالة ممتازة، تحمل نقوشا لطائر البلشون، ومصنوعة بتقنية الصباغة بالشمع. هذه التنورة منسوجة من القطن والكتان والحرير، وتجمع في زخرفتها بين ثلاث تقنيات هي التطريز المتقاطع والتطريز العادي والصباغة بالشمع. ويعتقد الخبراء أنها تعود لفترة أسرة مينغ، وتعد أقدم قطعة أثرية تجمع بين الصباغة بالشمع الملون والتطريز موجودة في قويتشو حتى الآن. ولها أهمية كبيرة كدليل مادي في دراسة تاريخ تقنية الصباغة بالشمع في قويتشو، وأزياء الأقليات القومية القديمة في المقاطعة وتطورها.

عند اكتشاف التنورة، عثر على سكين رسم الشمع بجانب الجزء السفلي لكم التنورة. وقد استنتج الخبراء أن صاحبة التنورة كانت امرأة بالغة، ويحتمل أيضا أنها كانت خبيرة ماهرة في فن الصباغة بالشمع. ويرجح أن هذه التنورة كانت من أبرز أعمالها الفنية التي كانت تفتخر بها في حياتها.

قويتشو من مناطق الإنتاج الرئيسة لمنتجات الصباغة بالشمع في الصين، وفن الصباغة بالشمع لدى قومية مياو له تاريخ طويل وعريق. وفي فترة أسرتي مينغ وتشينغ (1644- 1911م)، بلغت تقنيات الصباغة بالشمع ذروة ازدهارها في قويتشو. وحتى يومنا هذا، ما زالت قويتشو واحدة من مناطق الإنتاج الرئيسية لمنتجات الصباغة بالشمع التي كانت تعرف قديما باسم "وشم الشمع"، ويستخدم فيها عادة شمع العسل وشمع البارافين كمواد مانعة للصبغة، حيث يغمس سكين الصباغة في الشمع المذاب ويرسم به على القماش، ثم يغمر القماش في صبغة زرقاء طبيعية تستخلص من نبات النيلة، وبعد إزالة الشمع تتشكل نقوش ذات خلفية زرقاء وزخارف بيضاء أو العكس. وبسبب التشقق الطبيعي لطبقة الشمع، تتشكل عروق فريدة تعرف باسم "الشقوق الجليدية"، وهي من أجمل ما يميز هذه الحرفة.

تعتمد الزخارف بشكل رئيسي على نقوش طائر البلشون المصنوعة بتقنية الصباغة بالشمع الملون، فأبناء قومية مياو لديهم ثقافة طيور فريدة وشاعرية، فهم يعتبرون الطائر كائنا روحانيا يربط بين السماء والأرض، وقادر على نقل رسائل البشر إلى الأسلاف. ولأن طائر البلشون يرتبط بصيد الأسماك والأعمال المائية، فقد اعتبره أسلاف قومية مياو طائرا مباركا يجلب الخير. لذلك، فإن الزخرفة بهذا الطائر ترمز إلى السلامة والراحة ووفرة المحاصيل، وتحمل آمال وتطلعات أسلاف قومية مياو نحو حياة أفضل.

تاجا العنقاء.. حين تتوج الجواهر ريش الطائر الأسطوري

في خمسينيات القرن العشرين، تم اكتشاف كمية كبيرة من المشغولات الذهبية والفضية لفترة أسرة مينغ في مقبرة تعود لنفس الحقبة الزمنية في مدينة تسونيي بمقاطعة قويتشو. والأكثر إثارة للإعجاب من بين هذه المشغولات، تاجان ذهبيان مزخرفان بطائر العنقاء، ويطلق عليهما الخبراء اسم "تاجا العنقاء الذهبيان الخماسيان المرصعان بالأحجار الكريمة"، وهما معروضان حاليا في متحف مقاطعة قويتشو.

هاتان القطعتان الأثريتان اللتان يعود تاريخهما إلى أكثر من 400 عام، صنعتا في منتصف وأواخر فترة أسرة مينغ، وتتميزان بتقنيات صناعية فائقة الإتقان. وقد استخدم في صناعة التاجين الذهبيين تقنيات دقيقة في تشكيل الذهب، منها: تشكيل القالب بالطرق والتخريم السلكي والنقش بالإزميل والترصيع بالأحجار الكريمة والحدادة وغيرها. كما أن زخارف التاجين مثل التنين والعنقاء والزهور والفراشات تمتاز بجمال فائق ودقة متناهية. ومن بين هذين التاجين، التاج الذي كانت ترتديه الزوجة الشرعية لأحد زعماء عشيرة يانغ؛ حيث يبلغ ارتفاعه 1ر29 سنتيمترا وعرضه 38 سنتيمترا، ويزن أكثر من كيلوغرام، وهو مرصع بأكثر من مائة حجر كريم. وفي مقدمة التاج تظهر زهرة ضخمة من ست بتلات متعددة الطبقات، ذات شكل كبير وممتلئ، مما يبرز فخامة التاج وبهاءه الملكي. وفوق الزهرة، تتمركز خمسة من طائر العنقاء، وعلى قمة التاج يوجد تصميم لثلاثة تنانين تحلق في السماء.

وفقا للسجلات التاريخية، فإن هذا الزعيم من عشيرة يانغ صنع هذين التاجين الذهبيين خصيصا لزوجته ومحظيته. وهذا الفعل الذي يجمع بين التباهي بالثراء والإكرام الفعلي للزوجات، لا يعكس فقط تقليد الدفن الفخم لدى عشيرة يانغ في منطقة بوتشو، وإنما أيضا قوة السلطة المحلية.

إن الشكل والتصميم المتمثلين في خمسة من طائر العنقاء وثلاثة تنانين، كان وفقا لنظام البروتوكول في كتاب ((تاريخ أسرة مينغ))، مخصصا أصلا لزوجات كبار المسؤولين من المرتبة الأولى. لكن نظام النظام العشائري الوراثي في الصين القديمة الذي كان أعلى رتبة له هو المرتبة الثالثة الدنيا فقط، قد تجاوز ذلك، مما يعكس قوة السلطة المحلية. وعلى مدار التاريخ، تمتع هذا النظام بجذور تاريخية عميقة؛ حيث كان للحكام المحليين بالوراثة سلطة مطلقة ونفوذ كامل داخل مناطق حكمهم. أما الزعماء من عشيرة يانغ فقد بدأوا توراث حكم منطقة تسونيي، التي كانت تعرف قديما باسم بوتشو، منذ فترة أسرة تانغ، واستمر حكمهم حتى فترة أسرة مينغ، على مدى 29 جيلا. وفي منتصف وأواخر فترة أسرة مينغ، بدأت السلطة الملكية في الانحدار، وأصبحت ممارسات تجاوز القوانين في اللباس والتيجان شائعة رغم المحاولات المتكررة لمنعها.

بصمات النضال.. رحلة الثورة في قويتشو

في تاريخ الصين الحديث، رسمت قويتشو لوحتها الخالدة بأحرف من نار، حيث ارتسمت على أرضها خطى الجيش الأحمر. فيما بين عامي 1930 و1936، توالت فصائل الجيش الأحمر في خوض معاركها عبر ربوع قويتشو، فلم تترك قرية ولا مدينة إلا وطئتها، وامتدت آثارها إلى 68 محافظة، لتكون بذلك سندا عتيدا في ملحمة إنقاذ الوطن والتصدي للغزو الياباني.

في فبراير عام 1936، وصل الفيلقان الثاني والسادس للجيش الأحمر إلى ولاية دادينغ (محافظة دافانغ في مقاطعة قويتشو حاليا). وهناك عقدوا اجتماعا حضره الجيش والشعب، وأعلنوا تأسيس اللجنة الثورية لمقاطعات سيتشوان ويوننان وقويتشو التابعة لجمهورية الصين السوفيتية الشعبية، وأصدروا البيان الرسمي (رقم 4) لهذه اللجنة. وهذا البيان محفوظ حاليا في متحف مقاطعة قويتشو، ويصنف ضمن الآثار الوطنية من الدرجة الأولى.

أعلن هذا البيان سبعة مبادئ للسياسات الحكومية، وهي: أولا، إقامة الجبهة الوطنية المتحدة لمقاومة الغزو الياباني، وتشكيل سلطات ثورية على جميع المستويات. ثانيا، تنظيم القوات المسلحة المكونة من الجماهير لمقاومة الغزو الياباني. ثالثا، إلغاء جميع الضرائب الباهظة والرسوم الجائرة. رابعا، تحسين الظروف المعيشية للشعب. خامسا، ضمان تزويد الجيش الأحمر والجماهير بالاحتياجات المادية الأساسية، وحماية وتنمية الإنتاج. سادسا، رفع مستوى التعليم والثقافة لدى الجماهير. سابعا، معاقبة المعادين للثورة والخونة المتعاونين مع الغزاة اليابانيين.

خلال عملية إنشاء الفيلقين الثاني والسادس للجيش الأحمر للقاعدة الثورية في شمال غربي قويتشو، توسع تأثير الحزب الشيوعي الصيني والجيش الأحمر. ووفقا لإحصاءات غير كاملة، بلغ عدد المنضمين إلى الجيش الأحمر في منطقة بيجيه أكثر من خمسة آلاف شخص. كما نظم السكان المحليون في مختلف المناطق العديد من فرق الإسعاف، وفرق النساء، وفرق الأطفال للقيام بأعمال الدعم اللوجستي والتعاون مع قوات الجيش الأحمر في العمليات القتالية ضمن القاعدة الثورية.

التراث يتحدث.. برامج تعليمية تفاعلية

مع كل عطلة أو مناسبة، يتحول متحف مقاطعة قويتشو إلى وجهة ثقافية نابضة بالحياة، حيث يطلق برامج مجانية تجمع بين عبق التاريخ المحلي وملامح تنوع القوميات. انطلاقا من كنوز المتحف الأثرية، وبين محاضرات شيقة وحوارات تفاعلية وعرض مجسمات تحاكي الواقع وورش يدوية تشعل الإبداع وتمتع المشاركين برحلة استكشافية عن قرب، تروى لهم حكايات قويتشو المتنوعة وإرثها التاريخي الذي لا يضاهى.

في السنوات الأخيرة، يعمل متحف مقاطعة قويتشو باستمرار على تطوير برنامج إرشادي تطوعي يشمل جميع الفئات العمرية. ففريق فانغهوا الإرشادي بمتحف قويتشو بتألف من متطوعين يبلغ متوسط أعمارهم 58 عاما، ومنذ تأسيسه في عام 2024، قدم الفريق أكثر من خمسمائة جولة إرشادية مجانية، استفاد منها أكثر من ثلاثين ألف زائر. وفي الوقت نفسه، أطلق المتحف برنامج لاختيار "المرشدين الشبان اللامعين"، بهدف تدريب وتأهيل جيل الشباب كسفراء للثقافة وناشرين للتراث.

يواصل فريق الأنشطة الثقافية في متحف مقاطعة قويتشو التعاون مع المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في قويتشو، لتنظيم مناهج تعليمية متعددة التخصصات بالشراكة بين المتحف والمدارس، مثل الفصول المتنقلة التي تحمل عناوين مثل "ثقافة الأكل والملبس والمسكن والتنقل في قويتشو"، و"تاريخ تطور العملة والوعي المالي"، بهدف تمكين الطلاب من تعميق معرفتهم بالتاريخ المحلي والحرف التقليدية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4