تزخر منطقة شينجيانغ، باعتبارها مركزا محوريا يربط بين الحضارتين الشرقية والغربية، بتراث ثقافي غني ومتنوع، ويمكن فيها تتبع نشأة الصين وتطورها كأمة موحدة متعددة القوميات، وملاحظة انتشار مختلف الأديان وتكاملها وتطورها ضمن السياق الصيني، كما يمكن أيضا استكشاف أوجه التبادل والتعلم المتبادل بين مختلف الثقافات.
يعد متحف منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم، منذ تأسيسه وافتتاحه للجمهور في عام 1959، نافذة مهمة تستعرض حضارة شينجيانغ العريقة الواقعة على طريق الحرير. يضم المتحف 24592 قطعة (مجموعة) من الآثار الثقافية، من أبرزها واقي ذراع مصنوع من قماش الديباج في سيتشوان من فترة أسرة هان (206 ق.م- 220م)، مطرز بمقاطع كتابة صينية تعني "خمسة نجوم تشرق في الشرق وتبارك الصين"، مجسدا الظواهر الفلكية الميمونة والتطلعات الوطنية. كما يضم لوحة حريرية تصور فو شي ونيوي وا، وتعكس أسطورة الخلق في الثقافة الصينية، إضافة إلى تمثال خشبي ملون يصور ملكا سماويا يدوس شيطانا، وتمثال آخر ملون لسيدة أرستقراطية تمتطي حصانا وترتدي قبعة ذات وشاح، ويبرز الأزياء وأسلوب الحياة في فترة أسرة تانغ (618- 907م). هذه الآثار الثمينة تروي بصمت مجد هذه الحضارة التي ازدهرت ذات يوم على هذه الأرض.
واقي الذراع المصنوع من قماش الديباج في سيتشوان من فترة أسرة هان
يعد واقي الذراع المصنوع من قماش الديباج في سيتشوان من فترة أسرة هان والمطرز بمقاطع كتابة صينية تعني "خمسة نجوم تشرق في الشرق وتبارك الصين"، أحد كنوز المتحف، وهو أثر ثقافي وطني من الدرجة الأولى، كما يصنف ضمن الدفعة الأولى من الآثار الثقافية المحظور عرضها خارج الصين.
في أكتوبر عام 1995، حقق فريق أثري كان يعمل في جبال كونلون اكتشافا مهما في موقع أطلال نييا الذي يعود إلى فترة أسرة هان، والواقع في ولاية خوتان بجنوب غربي منطقة شينجيانغ، حيث عثروا على قطعة من القماش المطرز بألوان زاهية على الذراع اليمنى لرفات رجل، ومن بين النقوش الملونة على القماش، ظهرت ثمانية مقاطع من الكتابة الصينية المكتوبة بخط صيني قديم وتحمل المعنى نفسه: "خمسة نجوم تشرق في الشرق وتبارك الصين".
يعد هذا أقدم أثر معروف لظهور مقطعي الكتابة "تشونغ" و"قوه" اللذين يعنيان "الصين"، وقد تم اكتشافه في منطقة شينجيانغ. وتشير عبارة "النجوم الخمسة" إلى الكواكب الخمسة الرئيسية، وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، والتي تعكس التصور الكوني الصيني القائم على نظرية ين ويانغ والعناصر الخمسة (المعدن والخشب والماء والنار والتراب)، وكان اصطفاف هذه الأجرام السماوية الخمسة يعتبر فألا حسنا للغاية. ويعتقد الخبراء أن عبارة "خمسة نجوم تشرق في الشرق وتبارك الصين" كانت تعبر عن المعتقدات الفلكية والتطلعات إلى الرخاء والحظ السعيد التي سادت خلال فترة أسرتي هان وجين (265- 420م)، وكانت مثل هذه العبارات الميمونة شائعة للغاية في تلك الحقبة.
صنع واقي الذراع المصنوع من قماش ديباج شو في سيتشوان، وهو نوع من الديباج مشهور بقيمته العالية، حيث كان يوصف بأن "القطعة منه بطول تسون تساوي ذهبا بنفس الطول" (تسون وحدة قياس طول صينية قديمة). واقي الذراع مستطيل الشكل ذو زوايا مستديرة، يبلغ طوله 5ر18 سنتيمترا وعرضه 5ر12 سنتيمترا. الألوان الخمسة المستخدمة في واقي الذراع، يشير كل منها إلى أحد العناصر الخمسة، وتتناغم مقاطع الكتابة الصينية الثمانية مع نقوش الطيور والحيوانات الميمونة، مثل الطاووس وطائر الكركي والنمر، مما يجعله قطعة نادرة للغاية.
كان موقع نييا موطنا لمملكة جينغجيويه؛ إحدى الممالك الست والثلاثين في المناطق الغربية خلال فترة أسرتي هان وجين، والتي كانت بمثابة محطة محورية على المسار الجنوبي لطريق الحرير. ويعتقد أن واقي الذراع نسج على يد حرفي متمرس متخصص في صناعة ديباج شو في سيتشوان للعائلة الإمبراطورية في فترة أسرة هان، وقد عثر عليه في مقبرة تعود إلى فترة أسرة هان في شينجيانغ، مما يدل على وجود علاقة وثيقة بين مملكة جينغجيويه القديمة وأسرة هان.
لوحة فو شي ونيوي وا
لوحة فو شي ونيوي وا، وهي لوحة حريرية يكتنفها الغموض، اكتشفت في عام 1965 في مقابر أستانا بمدينة توربان في وسط منطقة شينجيانغ.
فو شي ونيوي وا هما الإلهان اللذان خلقا البشرية في الأساطير الصينية القديمة. تعود أقدم السجلات المكتوبة عنهما إلى فترة الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، وكانت أسطورة خلقهما للبشرية شائعة في الصين قبل فترة أسرة هان. وبحلول فترة أسرة هان، ظهرت صور فو شي ونيوي وا بكثرة على القراميد التي نقشت عليها صور الأشخاص. يظهر الإلهان بأجساد علوية بشرية لرجل وامرأة يرتديان ملابس على الطراز الصيني التقليدي، ولهما ذيلان طويلان من الأسفل.
خلال فترة أسرة تانغ، اكتشفت العديد من صور فو شي ونيوي وا في مقابر قديمة بمنطقة توربان في شينجيانغ، الأمر الذي يشير إلى وجود توافق ثقافي عميق بين أبناء مختلف القوميات التي كانت تقطن في شينجيانغ القديمة بشأن أصول السلالة البشرية وممارسات تبجيل الأسلاف.
تشير الأبحاث الأثرية إلى أن لوحة فو شي ونيوي وا المعروضة في المتحف، والتي يبلغ طولها 220 سنتيمترا وعرضها 5ر116 سنتيمترا، يعود تاريخها إلى فترة أسرة تانغ. في اللوحة، تظهر نيوي وا مصففة شعرها على شكل كعكة مرفوعة، مع وجنتين باللون الأحمر وزينة زهرية على جبينها، وحاملة فرجار في يدها اليمنى. أما فو شي، فيرتدي وشاحا مربع الشكل مثبتا بدبوس شعر طويل بزاوية مائلة، ويحمل زاوية النجار في يده اليسرى.
يحيط بهما الكون الفسيح، بشمس ساطعة فوقهما وقمر مضيء تحتهما، ويحيط بكل من الشمس والقمر أحد عشر نجما كبيرا، فضلا عن نجوم إضافية تتناثر حول الرجل والمرأة. وتعكس الشمس والقمر والنجوم المتناثرة الصلة العميقة والواسعة بين أصل البشرية والظواهر الفلكية الطبيعية.
التمثال الخشبي الملون لملك سماوي يدوس الشيطان
في عام 1973، اكتشفت قطعة أثرية قيمة أخرى في مقابر أستانا القديمة في مدينة توربان، وهي عبارة عن تمثال خشبي ملون لملك سماوي يدوس الشيطان يعود إلى فترة أسرة تانغ. كان هذا التمثال بمثابة حارس للمقبرة التي تضم رفات كل من تشانغ شيونغ، قائد في مملكة قاوتشانغ، وزوجته. عند اكتشاف التمثال، كانت ألوانه زاهية وكأنها جديدة، ولم يبهت الزنجفر بل ظل لامعا، فيما أضفت عيناه الغاضبتان حيوية لافتة على ملامحه. وتعد تماثيل حراس المقابر من المقتنيات الجنائزية التي ابتكرها القدماء لترهيب الأرواح الشريرة وحماية أرواح الموتى.
يرتدي هذا التمثال الخشبي درع مينغقوانغ، وهو درع نموذجي من فترة أسرة تانغ، كما لو كان أحد ضباط تشانغآن، عاصمة أسرة تانغ آنذاك، لكن أساور الأكمام وأطراف البنطال مزينة بنقوش مستوحاة من المنطقة الغربية، ما يشير إلى أن عادات الدفن في السهول الوسطى انتشرت غربا وامتزجت مع التقاليد الثقافية المحلية، لتتطور بذلك إلى شكل ثقافي محلي فريد. والأكثر إثارة للدهشة، أن التمثال صنع بدقة متناهية، إذ إن أطراف التمثال متصلة بوصلات مصنوعة بتقنية النقرة واللسان، مما يسمح بتحريك جسد الملك السماوي ووجهه، حتى أن أسنانه يمكن تفكيكها بسهولة بالغة.
نحتت القدم اليمنى للتمثال الخشبي بدقة لتستقر داخل تجويف بطن "الشيطان الصغير" الجاثم أسفله، أما الشيطان ذاته فنحت بأسلوب بسيط. وباستثناء ملامح الوجه المرسومة بخطوط كبرى بالحبر والقبعة الحمراء الصغيرة، احتفظت القطعة بأكملها بلون الخشب الأصلي، مما يضفي تباينا لافتا مع هيئة الملك السماوي المهيبة.
التمثال الملون لسيدة أرستقراطية تمتطي حصانا وترتدي قبعة ذات وشاح
اكتشف التمثال الملون لسيدة أرستقراطية تمتطي حصانا وترتدي قبعة ذات وشاح، المعروض في متحف منطقة شينجيانغ، في عام 1972 في المقبرة رقم 187 ضمن مقابر أستانا بمدينة توربان، ويصور التمثال سيدة نبيلة من فترة أسرة تانغ وهي تمتطي حصانا وتمسك بلجامه بيدها اليسرى، وتجلس بثبات عليه، ويعتري وجهها تعبير هادئ وساكن، كما لو كانت تركب جوادها في نزهة ريفية هادئة في يوم ربيعي.
ترتدي السيدة قميصا تقليديا وردي اللون وتنورة خضراء طويلة مزخرفة بالأزهار، مما يضفي على إطلالتها لمسة منعشة وأنيقة، وعلى رأسها قبعة ذات وشاح، وهي نوع من القبعات التي كانت شائعة في ذلك الوقت. للقبعة إطار مصنوع من الخيزران أو الحصير، ومغطى من الخارج بالقماش مع قطعة رقيقة من الشاش حول حافة القبعة. في فترة أسرة تانغ، تنوعت أنماط القبعات، متأثرة بالثقافات في المناطق الغربية التي وصلت إلى المنطقة عبر طريق الحرير، ويظهر مكياج السيدة الرقيق تارة ويختفي تارة أخرى تحت الوشاح، الذي كان بمثابة واق من الشمس والرياح والرمال، لذلك لم يكن مجرد زينة جمالية، بل قطعة عملية وأساسية لنساء أسرة تانغ عند الخروج.
حتى رفيق سفرها، الحصان، كان يبدو في هيئة أنيقة، فقد صمم السرج واللجام وزينة الجبين بدقة متناهية أضفت عليه لمسة من الرقي. كانت الخيول رفيقة لا غنى عنها لكثير من نساء أسرة تانغ عند الخروج للاستمتاع بالمناظر الطبيعية، وكان ركوب الخيل نشاطا ترفيهيا شائعا بين النساء الأرستقراطيات في تلك الحقبة.
إحياء الآثار الثقافية
اليوم، يوظف المتحف التقنيات الحديثة لتخطيط أنشطة متنوعة تمكن الزوار من التعرف على تاريخ شينجيانغ وثقافتها بشكل أفضل.
في الطابق الرابع، تحتضن قاعة التجارب الرقمية تقنيات الواقع الافتراضي والتفاعل القائم على استشعار الحركة لمحاكاة مقبرة شياوخه، وهي عبارة عن موقع دفن يعود إلى العصر البرونزي ويقع في جنوب شرقي شينجيانغ، مما يتيح للزوار تجربة غامرة وكأنهم في الموقع الأثري حقا. وحاليا، تم بالفعل رقمنة أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية في المتحف، مما يجعل الزوار ينغمسون في تجارب مماثلة في مواقع مثل كهوف كيزيل وأطلال نييا ومدينة لولان القديمة، وهي مواقع تشتهر بقيمتها التاريخية العميقة.
تعرف شينجيانغ بأنها أرض الموسيقى والرقص. منذ عام 2022، دأب المتحف على تقديم عرض فني بعنوان "أصوات تعبر آلاف السنين"، حيث تستلهم فقراته قصتها من قطعة أثرية وطنية نفيسة. وبينما يستمتع الزوار بعروض الغناء والرقص المميزة لشينجيانغ، ينخرطون في حوار صامت مع الآثار الثقافية التي صمدت عبر آلاف السنين.
بالإضافة إلى ذلك، تتيح الجولات الدراسية التي ينظمها المتحف، مثل "رسم الآثار في المتحف" و"مرمم الآثار الصغير"، للطلاب المشاركين فرصة التعرف على تاريخ شينجيانغ وتنمية وعيهم بأهمية حماية الآثار الثقافية. وخلال الأعياد، كعيد الربيع وعيد الأضحى، يدعو المتحف زوارا من أبناء مختلف القوميات للاستمتاع بتجربة التراث الثقافي غير المادي، مثل فن المقصوصات الورقية والتطريز والأغاني والرقصات الشعبية.
