مقاطعة سيتشوان، التي كانت تعرف في الماضي باسم شو، ذات تاريخ عريق، حيث يعود النشاط البشري فيها إلى ما قبل مليوني عام. وتتميز ثقافة با- شو (منطقة تاريخية وثقافية في جنوب غربي الصين، في مقاطعة سيتشوان وبلدية تشونغتشينغ حاليا) وثقافة الممالك الثلاث بوفرة روائعها، لا سيما ثقافة مملكة شو القديمة الرائعة والغامضة في الوقت نفسه، والتي يمثلها موقعا سانشينغدوي وجينشا.
يقع متحف سيتشوان في مدينة تشنغدو، ويضم أكثر من 360 ألف قطعة أثرية، من بينها 1318 قطعة مصنفة ككنوز وطنية من الدرجة الأولى. ومن أبرز مقتنياته حلية يشمية متدلية منقوشة بوجه بشري على كلا الجانبين وتعود إلى العصر الحجري الحديث، وإناء برونزي مزين بمشاهد معارك برية وبحرية، وأنصاب حجرية منقوشة لـ((كتاب الأغاني- أغاني تشو ولو)) من فترة ثقافة مملكة شو الأخيرة، وآلة موسيقية سباعية الأوتار من فترة أسرة تانغ (618-907م) تحمل اسم " "طرق الجليد على جدول جبلي".
رمز تعبيري قديم
في عام 1959، عثر على حلية يشمية متدلية منقوشة بوجه بشري على كلا الجانبين، وتعود إلى العصر الحجري الحديث في مقبرة طفل بموقع ووشان الأثري، الذي ينتمي لثقافة داشي (ثقافة تعود إلى العصر الحجري الحديث في منطقة الروافد الوسطى لنهر اليانغتسي)، يقدر عمر هذه الحلية اليشمية المتدلية بنحو ستة آلاف عام. وقد قدم هذا الاكتشاف لمحة نادرة عن أسرار ورموز الحضارات القديمة.
يرجح خبراء الآثار أن المقبرة التي عثر فيها على هذه الحلية اليشمية المتدلية يعود تاريخها إلى ما بين خمسة آلاف وستة آلاف عام، أي المرحلة الأخيرة من ثقافة داشي. يمثل هذا الاكتشاف أول صورة معروفة لوجه بشري منحوت على الحجر من العصر الحجري الحديث في الصين، مما يوفر دليلا ماديا بالغ الأهمية للاستكشافات المعمقة اللاحقة المتعلقة بتقنيات صناعة اليشم والرمزية الثقافية لتلك الفترة.
لا يتجاوز حجم الحلية اليشمية المتدلية حجم البيضة، فطولها يبلغ ستة سنتيمترات، وعرضها 6ر3 سنتيمترات، وسمكها 6ر1 سنتيمتر، وهي سوداء اللون وبيضاوية الشكل، مصنوعة من أحجار رماد بركاني ناعم الحبيبات وداكن اللون. وأبرز ما يميز هذه الحلية اليشمية المتدلية هو الوجهان البشريان المنحوتان بدقة متناهية على كلا الجانبين، إذ يحمل كل منهما تعبيرات غامضة بعض الشيء. يظهر أحد جانبي الحلية اليشمية المتدلية وجها ممتلئا ومستديرا، بينما يبدو الوجه المنقوش على الجانب الآخر نحيفا وأكثر حدة، مع جسر أنف مرتفع وعينين واسعتين وفم مفتوح على شكل الحرف "O"، ويمكن ملاحظة بعض الخدوش غير المنتظمة حول الوجهين ناتجة عن عملية التصنيع. وبشكل عام، وعلى الرغم من أن الوجهين اليشميين منحوتان بأسلوب بسيط وقديم، فإنهما ينبضان بالحيوية.
وفقا للسيدة ين هونغ، وهي موظفة في متحف سيتشوان، يرجح أن يكون الوجهان اليشميان زخارف منحوتة للحلية اليشمية المتدلية. فقد قالت: "يوجد ثقبان في أعلى الحجر اليشمي الذي نحت عليه الوجهان البشريان، مما يشير إلى أن الحجر كان معلقا، ولهذا سمي بالحلية اليشمية المتدلية." أما بالنسبة لوظيفتها، فيرجح الخبراء أن الحلية اليشمية المتدلية ربما كانت لعبة بدائية، بينما يعتقد آخرون أنها كانت شيئا أشبه بالتميمة.
الإناء البرونزي المزين بمشاهد معارك برية وبحرية
يعد الإناء البرونزي المزين بمشاهد معارك برية وبحرية أحد كنوز متحف سيتشوان. وقد عبرت هذه القطعة الأثرية، التي تعود إلى فترة الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م) تقلبات الزمن، مما أدى إلى تبهم بعض الصور المنقوشة على الإناء، إلا أن الصور المعروضة على واجهة العرض الزجاجية والفيديو التعريفي خلف القطعة الأثرية، تمكن الزوار من رؤية مشاهد الحروب والحياة اليومية لأبناء مملكة شو القديمة خلال فترة الممالك المتحاربة بوضوح.
يبلغ ارتفاع هذا الإناء البرونزي 40 سنتيمترا، وقطر فوهته 4ر13 سنتيمترا، وقطره الداخلي 5ر26 سنتيمترا، وارتفاع قاعدته سنتيمترين. وتنقسم النقوش على سطحه إلى أربع طبقات تفصل بينها ثلاثة أشرطة، تصور أكثر من مائتي شخصية تمارس أنشطة متنوعة كالقنص وقطف أوراق التوت وإقامة الولائم وخوض المعارك البرية والبحرية التي شهدتها فترة الممالك المتحاربة. ويختلف نمط هذه المشاهد عن الزخارف الغامضة التي ميزت أسرتي شانغ (القرن 16- 11 ق.م) وتشو (القرن 11- 256 ق.م)، إذ تصور النقوش على الإناء مشاهد من الحياة اليومية، مما يشير إلى التحول من عالم الأساطير إلى العالم البشري الأكثر واقعية.
لم تعرف الصين القوات البحرية إلا في أواخر فترة الربيع والخريف (770- 476 ق.م)، وتحديدا في المناطق القريبة من البحار والأنهار، ولم يعثر على أي آثار للقوات البحرية من فترتي الربيع والخريف والممالك المتحاربة خلال أعمال التنقيب الأثري، مما يجعل صور المعارك البحرية المنقوشة على هذه القطعة الأثرية ذات قيمة بالغة، إذ تقدم دليلا ماديا ثمينا للغاية للبحوث التاريخية حول فترة الممالك المتحاربة.
من خلال الإناء البرونزي المزين بمشاهد معارك برية وبحرية، يمكننا أيضا التعرف على ازدهار صناعة تربية دودة القز في مملكة شو القديمة. وعلى سبيل المثال، تظهر الصورة على الطبقة الأولى مشهدا لأشخاص يقطفون أوراق التوت، وفي أعلى الإناء توجد شجرتا توت بأغصان وأوراق كثيفة، على كل شجرة منهما، يقطف شخصان أوراق التوت ويضعانها في سلال، بينما ينقل اثنا عشر شخصا أوراق التوت في سلال بالأسفل، وهناك شخص آخر يغني ويرقص لتسلية العمال. يعد مشهد قطف أوراق التوت دليلا على ازدهار صناعة تربية دودة القز وإنتاج الحرير في منطقة با- شو في ذلك الوقت.
كتاب كونفوشي حجري
من أبرز القطع الأثرية المعروضة في المتحف أيضا هو جزء من أنصاب ((كتاب الأغاني- أغاني تشو ولو)) الحجري من فترة ثقافة مملكة شو الأخيرة (في فترة الأسر الخمس).
يمكن اعتبار أنصاب شو الحجرية المنقوشة من أوائل الكتب المدرسية في الصين، فخلال فترة الممالك العشر في فترة الأسر الخمس المضطربة، شجع الإمبراطور منغ تشانغ (919- 965م) لمملكة شو الأخيرة التعليم والثقافة من خلال إطلاق مشروع ضخم لنقش النصوص الكونفوشية على أنصاب حجرية. تتألف النصوص وشروحها من مليون وأربعمائة وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وثمانين مقطع كتابة صينيا، ما يجعله أضخم مجموعة من النصوص الحجرية الكلاسيكية في التاريخ الصيني. كانت هذه الأنصاب محفوظة داخل أكاديمية تشنغدو، التي تعد أعلى مؤسسة تعليمية في سيتشوان وأقدم مدرسة حكومية محلية في الصين، والمعروفة حاليا باسم مدرسة تشنغدو شيشي المتوسطة، ليدرسها الطلاب وينسخوها. وبعد فترة أسرة سونغ (960- 1279م)، أصبحت هذه الأنصاب نموذجا لنشر النصوص والتعاليم الكونفوشية الكلاسيكية، واستخدمت ككتب مدرسية في المدارس الرسمية في جميع أنحاء البلاد.
أرست أنصاب شو الحجرية المنقوشة الإطار الأساسي لنظام الكونفوشية الكلاسيكي الصيني، وكانت من أقدم النقوش الحجرية التي تضمنت كتاب ((منشيوس))، وأول جمع لما يعرف بـ"الكتب الكلاسيكية الثلاثة عشر" للكونفوشية في مجموعة واحدة، مما كان له تأثير بالغ الأهمية على التاريخ الثقافي للصين الممتد لآلاف السنين. وإلى جانب النصوص الأصلية، تضمنت المخطوطات الحجرية شروحا، مما سهل قراءتها وفهمها بشكل صحيح. وكان هذا بمثابة ابتكار في تاريخ نشر الكتب الكلاسيكية الكونفوشية.
يضم متحف سيتشوان حاليا ست قطع محفوظة من هذه الأنصاب الحجرية للكتب الكلاسيكية لمملكة شو الأخيرة، منقوشة بنصوص من ((كتاب الأغاني- أغاني ماو)) و((التغيرات- ييجينغ)) و((التاريخ القديم- شانغشو)) و((التاريخ القديم بمقاطع الكتابة القديمة قبل أسرة تشين- قوون شانغشو)) وغيرها من النصوص. وتعرض حاليا في المتحف قطعة منقوش عليها ((كتاب الأغاني)) ويحتوي أحد جانبيها على العشرة الأسطر المتبقية من ((أغاني تشو))، مكونة من 51 مقطع كتابة من النص الأصلي، إلى جانب 144 مقطع كتابة للنص التوضيحي. أما الجانب الآخر، فيحتوي على ((أغاني لو))، مع 59 مقطع كتابة من النص الأصلي و110 مقاطع كتابة للنص التوضيحي.
آلة موسيقية سباعية الأوتار لأسرة تانغ
في الثقافة الموسيقية الصينية التقليدية، تحتل آلة قوتشين، وهي آلة موسيقية سباعية الأوتار، المرتبة الأولى بين الفنون الصينية الأربعة، وهي تشين (الآلات الوترية) وتشي (الشطرنج) وشو (الخط) وهوا (الرسم)، إذ تجسد المساعي الروحية للفنانين والأدباء. واليوم، لم يتبق في العالم سوى حوالي عشرين آلة قوتشين من فترة أسرة تانغ. وتتميز آلة قوتشين السباعية الأوتار التي تحمل اسم "طرق الجليد على جدول جبلي"، المحفوظة في متحف سيتشوان، بنغماتها الرنانة والعذبة، وهي محفوظة بشكل جيد للغاية، مما يجعلها قطعة أثرية مهمة لدراسة الموسيقى والحرف وحياة الفنانين في فترة أسرة تانغ.
يمثل شكل آلة قوتشين "طرق الجليد على جدول جبلي" السباعية الأوتار والحرفية المصنوعة بها، صورة مصغرة للازدهار في فترة أسرة تانغ. يبلغ طولها 7ر122 سنتيمترا، برأس عريض وذيل ضيق، وتتميز بخطوط انسيابية تعكس الأسلوب البسيط والمتين المميز للآلات الوترية في فترة أسرة تانغ. لوحة الصوت لآلة قوتشين منحنية قليلا، مزينة بثلاثة عشرة علامة دائرية من صدف اللؤلؤ على جانبها الخارجي، ترمز إلى التناغم بين السلالم الموسيقية والظواهر السماوية. يوجد في الجانب السفلي فتحتان صوتيتان، تحملان اسمي "بركة التنين" و"بركة العنقاء"، ترمزان إلى الظواهر المتعددة للسماء والأرض، وتجسدان الفكر الفلسفي الصيني القديم للتناغم بين الإنسان والطبيعة. نقشت أربعة مقاطع كتابة تعني "طرق الجليد على جدول جبلي" بخط اليد على الجزء السفلي، مما يوحي بأن نغمتها الجلية الرخيمة تشبه "صوت ارتطام المعدن بالحجر".
جسم الآلة مغطى بشقوق طلاء طبيعية، ما يدل على قدمها ويشير إلى استخدام أسرة تانغ لتقنية طلاء تقليدية. ورغم مرور أكثر من ألف عام على صنعها، لا يزال سطحها يظهر العناية الفائقة التي أولاها صانعو الآلات الوترية في فترة أسرة تانغ لاختيار المواد والطلاء. وتشير السجلات إلى أن تقنيات صناعة الآلات الوترية في سيتشوان خلال فترة أسرة تانغ كانت لا مثيل لها، ويمثل شكل هذه الآلة والحرفية المصنوعة بها ذروة براعة تلك الفترة. كما تجسد هذه الآلة الموسيقية التطلعات الروحية للأدباء والفنانين عبر التاريخ، إذ اقتناها وتناقلها العديد من الشخصيات البارزة من أسرة لياو (907- 1125م) وأسرة يوان (1271- 1368م) وأسرة مينغ (1368- 1644م) وأسرة تشينغ (1644- 1911م)، مما يضفي قيمة تاريخية وثقافية عميقة عليها.
التعليم الاجتماعي
يضطلع متحف سيتشوان بدور نشيط في مجال التعليم الاجتماعي، إذ أطلق العديد من البرامج التعليمية مثل إنشاء معهد أبحاث التعليم المتحفي والمتحف المتنقل والتحالف بين الأسرة والمدرسة والمتحف، مرسيا بذلك نموذجا جديدا للتعاون الثقافي والتعليمي، ومؤسسا نظاما تعليميا متحفيا جديدا لجميع الفئات العمرية وجميع المناطق وجميع المجموعات السكانية.
خلال السنوات الأخيرة، طور المتحف أكثر من مائتي دورة تعليمية، وأطلق أكثر من عشرين مسارا دراسيا، ودرب 916 مرشدا شابا. وقد جلب المتحف المتنقل المعارض مباشرة إلى التجمعات السكنية، مما حولها إلى متاحف يسهل الوصول إليها. ويضم المتحف حاليا 71 مؤسسة عضوا على مستوى البلاد، استفاد منها أكثر من مليوني زائر، وأصبح وسيلة فعالة لإيصال الموارد الثقافية العالية الجودة مباشرة إلى الجمهور.
بالإضافة إلى ذلك، أنشأ المتحف سبع عشرة غرفة ومختبرا لأعمال صيانة وترميم الآثار التاريخية، تغطي مساحة 1600 متر مربع، وتتولى هذه المرافق أكثر من 70% من مهام إعداد وتنفيذ خطط حماية للآثار القابلة للتنقل في مقاطعة سيتشوان.
