سياحة < الرئيسية

متحف نانجينغ.. خزانة الآثار التاريخية

: مشاركة
2026-04-21 11:04:00 الصين اليوم:Source منغ جيا شين:Author

يقع متحف نانجينغ عند السفح الجنوبي لجبل تسيجين في مدينة نانجينغ، وتبلغ مساحته أكثر من سبعين ألف متر مربع. بني المتحف في عام 1933، وهو أول متحف صيني شامل كبير بني باستثمار حكومي. وفي عام 1959، تم دمج متحف نانجينغ مع متحف مقاطعة جيانغسو ولجنة إدارة الآثار التاريخية في مقاطعة جيانغسو تحت اسم "متحف نانجينغ".

يضم متحف نانجينغ حاليا أكثر من 430 ألف قطعة (مجموعة) أثرية، من بينها عدد كبير من الآثار التاريخية المصنفة ككنوز وطنية، مثل تمثال الوحش الذهبي لأسرة هان الغربية (206 ق.م- 24م)، واللوحة الحجرية "حكماء غابة الخيزران السبعة ورونغ تشي تشي" من فترة الأسر الجنوبية (420- 589م)، إضافة إلى خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو)) التي رسمها المبشر الإيطالي ماتيو ريتشي خلال فترة أسرة مينغ (1368-1644م).

تمثال الوحش الذهبي لأسرة هان الغربية

يعد تمثال الوحش الذهبي لأسرة هان الغربية أحد أثمن كنوز المتحف، وهو عبارة عن تمثال ذهبي لامع لقط ذي تعبير طفولي، يضع رأسه على مخلبيه الأماميين، بينما يلتف جسده على نفسه في هيئة كتلة متماسكة، وعيناه مستديرتان مفتوحتان تتقدان حيوية بنظرات شديدة اليقظة، كما لو كان يحرس شيئا بالغ الأهمية. يبلغ طول التمثال 5ر17 سنتيمترا وعرضه 16 سنتيمترا، أي ما يعادل حجم هرة صغيرة عمرها يتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. ولا يزال شكله الفريد، الذي يجمع بين ملامح النمر والفهد معا، يثير الحيرة حول طبيعته والغرض الحقيقي من صنعه. ومع ذلك، يميل الناس إلى اعتباره فهدا، نظرا لفرائه المرقط بالكامل.

على الرغم من مظهره اللطيف، فإن التمثال ثقيل الوزن، إذ يبلغ وزنه 1ر9 كيلوغرامات، يشكل الذهب الخالص منها نحو 99%. واستنادا إلى النقوش الموجودة في الجزء الداخلي من التمثال ومحتواه من الذهب، يرجح الباحثون أنه يعود، على أقل تقدير، إلى فترة أسرة هان الغربية، ومن هنا جاءت تسميته. كانت أسرة هان الغربية معروفة في تاريخ الصين بكثرة استخدام الذهب، حيث لعب الذهب دورا محوريا في مختلف جوانب الحياة، بدءا من العطايا الإمبراطورية وصولا إلى المعاملات اليومية.

تجمع هذه القطعة الأثرية ببراعة بين التقنيات القديمة لصب المعادن وطرْقها. فقد كانت صناعة القطع الذهبية المبكرة في الصين تعتمد غالبا على طريقتين رئيسيتين: الصب، باستخدام قوالب لتشكيل أجسام ذهبية بأشكال محددة؛ والطرْق، أي الدق على الأسطح الذهبية لتكوين زخارف عليها. ويعد تمثال الوحش الذهبي عملا نادرا يجمع بين هاتين التقنيتين بمهارة عالية، إذ إن الدوائر غير المنتظمة والمتقاربة في الحجم والمنتشرة على كامل جسم التمثال هي نتاج عملية الطرْق باستخدام أداة ما بعد اكتمال عملية صب التمثال بالكامل، مما زاد من مساحة السطح العاكس للضوء وبالتالي جعل التمثال مبهرا وجاذبا للعين. ومن بين القطع الأثرية المكتشفة من نفس الفترة، لم يعثر على أي قطعة ذهبية أخرى مماثلة له من حيث الحجم أو مستوى الحرفية أو درجة نقاء الذهب.

اللوحة الحجرية "حكماء غابة الخيزران السبعة ورونغ تشي تشي"

منذ اعتلاء سون تشيوان العرش في فترة أسرة هان الشرقية (25- 220م) وحتى توحيد الصين على يد أسرة سوي (581- 618م) بعد سقوط أسرة تشن (557- 589م)، وعلى مدى أكثر من ثلاثمائة عام، اتخذت ست أسر حاكمة، وهي أسرة وو (222- 280م) من عصر الممالك الثلاث (220- 280م)، وأسرة جين الشرقية (317- 420م)، وأسر سونغ (420- 479م) وتشي (479- 502م) وليانغ (502- 557م)، وتشن (557- 589م) من الأسر الجنوبية، نانجينغ عاصمة لها، وتعرف هذه الفترة التاريخية باسم "فترة الأسر الست".

على الرغم من التناوب المتكرر على الحكم بين الأسر الست، فإن جنوبي الصين لم يشهد حروبا واسعة النطاق بشكل عام، إذ كان أكثر استقرارا مقارنة بالسهول الوسطى التي كانت تعج بصراعات دموية. وأصبح الجنوب تدريجيا مركزا اقتصاديا وثقافيا، في حين اجتذبت نانجينغ، باعتبارها عاصمة للأسر الست، عددا كبيرا من العائلات النبيلة والعريقة. وشهدت هذه المرحلة ازدهارا في الفكر الاجتماعي بشكل كبير، وأصبحت قضايا العصر محور اهتمام الأدباء، إذ شرع المفكرون في التأمل في القيم الاجتماعية للأجيال السابقة، واستكشاف معنى الفرد، والسعي نحو الحرية الروحية.

لم ينعكس هذا المفهوم الثقافي على أعمال الشعر والنثر التي أبدعها الأدباء خلال حياتهم فحسب، وإنما أيضا امتد أثره إلى حياة ما بعد الموت. فقد كانت مقابر الأباطرة والنبلاء في ذلك الوقت مصممة بدقة فائقة، وزينت جدرانها بلوحات حجرية من القرميد المنحوت. تميزت هذه اللوحات، المؤلفة من قراميد صغيرة مرصوصة معا بدقة، بتنوع موضوعاتها وعظمتها. وتعد اللوحة الحجرية "حكماء غابة الخيزران السبعة ورونغ تشي تشي" المعروضة في متحف نانجينغ، أقدم نموذج معروف لهذا النوع من اللوحات، وأفضلها حفظا، وأكثرها دقة في الصنع.

عثر على هذه اللوحة في مقبرة قونغشان في منطقة جسر شيشانتشياو في مدينة نانجينغ بمقاطعة جيانغسو. وكانت اللوحة في الأصل مثبتة على الجدارين الشمالي والجنوبي لغرفة المقبرة، حيث يتألف كل جدار من نحو ثلاثمائة قطعة من القرميد. وتصور اللوحة شخصيات "حكماء غابة الخيزران السبعة"، وهم سبعة من العلماء البارزين من فترة أسرتي وي (220- 265م) وجين (265- 420م)، بالإضافة إلى رونغ تشي تشي، وهو ناسك من فترة الربيع والخريف (770- 476 ق.م). يجلس الأشخاص الثمانية على الأرض، ولكل واحد منهم مظهر خاص، يحتسون الخمر، ويعزفون على آلات موسيقية، وينشدون الشعر. وتبدو ملابسهم غير رسمية، وحركاتهم متحررة غير مقيدة، مع نقش اسم كل شخصية إلى جوارها، وتفصل بينهم أشجار متنوعة، مثل الجنكة والصنوبر وصفيراء اليابان والصفصاف المنسدل، فتشكل معا مجموعة كبيرة من اللوحات التصويرية الحجرية، كل لوحة منها مستقلة بذاتها، ولكنها تعرض في تناغم بصري يوحدها في عمل فني واحد متكامل.

تعكس هذه اللوحات الحجرية، بخطوطها البسيطة والنابضة بالحياة، السمات المميزة لكل شخص بوضوح، مبرزة خصائص الأسلوب الفني السائد آنذاك، المتمثلة في السعي إلى "تجسيد الروح والشكل" و"الروح الداخلية للأشياء"، باستخدام الخطوط لتصوير السمات الروحية للأشخاص. لم يعد الفن مجرد أداة لنشر الأخلاق وعبادة الآلهة، بل أصبح وسيلة للتعبير الحر والتلقائي عن دواخل الناس. ورثت ثقافة فترة الأسر الست ثقافة أسرة هان الموحدة، مما أتاح استمرار وتطوير جوهر ثقافة السهول الوسطى بشكل كامل في ظل الظروف الجغرافية والتاريخية الجديدة، ووضع الأساس لازدهار أسرة تانغ (618- 907م) التي تلتها.

خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو)) للمبشر الإيطالي ماتيو ريتشي

لا ينفصل ظهور أول خريطة للعالم في الصين عن المبشر الإيطالي ماتيو ريتشي. قبل أكثر من أربعمائة عام، سافر ماتيو إلى تشاوتشينغ بمقاطعة قوانغدونغ عبر طريق الحرير البحري للتبشير بالمسيحية، لكنه سرعان ما أدرك أن الناس يفضلون الاستماع إلى حديثه عن الخرائط على قصص الكنيسة. وفي عام 1602، تعاون مع لي تشي تساو، المسؤول في فترة أسرة مينغ، وأكملا معا في العاصمة الصينية بكين، خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو))، والتي تعني في اللغة الصينية "الخريطة الكاملة لبلدان العالم"، وهي أقدم خريطة للعالم باللغة الصينية. فيما بعد فقدت النسخة الأصلية المنقوشة على الخشب، والنسخة الوحيدة المتبقية هي نسخة ملونة منسوخة في القصر الإمبراطوري تعود لعام 1608، يبلغ ارتفاعها 92ر1 متر وعرضها 8ر3 أمتار.

تتألف الخريطة من خريطة كاملة للعالم، وخرائط دائرية أصغر في الزوايا الأربع، بالإضافة إلى نصوص توضيحية باللغة الصينية. تظهر الخريطة الرئيسية المواقع النسبية للقارات الخمس. ويمكن ملاحظة أن أستراليا لم تدرج على هذه الخريطة، إذ لم تكن أوقيانوسيا قد اكتشفت بعد. استندت خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو)) إلى الخرائط الغربية للعالم في ذلك الوقت، حيث نقلت خط الزوال 170 درجة إلى اليسار، مما غير تصميم الخرائط السائد آنذاك الذي كان يتمحور حول أوروبا، ووضع الصين في مركز العالم، وهو الموقع الذي لا يزال قائما حتى اليوم.

ولمساعدة الصينيين في فترة أسرة مينغ على "فهم العالم من خلال خريطة واحدة"، بذل رسامو الخريطة جهدا كبيرا، حيث تحتوي الخريطة على 1114 اسما للمواقع، وكتبوا في الهوامش توضيحات متعددة. وعلى جانبي الخريطة، توجد مقالتان موقعتان باسم ماتيو ريتشي، وهما أقدم النصوص التي قدمت إلى الصين النظريات الجغرافية الأوروبية. يشرح الجانب الأيمن معلومات أساسية عن الأرض، بما في ذلك خط الاستواء، والقطبين الشمالي والجنوبي، ومفهوم القارات الخمس. أما المقالة على الجانب الأيسر، فاستخدمت كلمة "الكرة الأرضية" عدة مرات، وهذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها هذه الكلمة في اللغة الصينية. كما تتضمن الخريطة العديد من الرسوم التوضيحية، بما في ذلك تسعة أنواع مختلفة من السفن الشراعية التي تعود إلى القرن السادس عشر. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الخريطة أيضا رسومات لثلاثة وعشرين حيوانا "غريبا" في ذلك الوقت، مثل النعام والأفيال البيضاء والأسود والحيتان وغيرها.

قبل أكثر من أربعمائة سنة، قطع ماتيو ريتشي طريقه عبر المحيطات وصولا إلى الصين، وتعاون مع مسؤول صيني لإكمال خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو)). وبعد أكثر من أربعمائة سنة، في عام 2014، عندما زار الرئيس الصيني شي جين بينغ أوروبا، قدم له رئيس البرلمان الأوروبي آنذاك، مارتين شولتز، خريطة أوروبا التي رسمها أبراهام أورتيليوس. هاتان الخريطتان، اللتان تتجاوزان حدود الزمان والمكان، ليستا شاهدتين تاريخيتين على طريق الحرير البحري فحسب، وإنما أيضا هما تجسيد للتبادل بين الحضارتين الصينية والغربية.

قاعات عرض متخصصية

في عام 2025، ابتكر متحف نانجينغ، استنادا إلى خريطة ((كونيوي وانقوه تشيوانتو))، معرض "مشاهدة العالم: كونيوي وانقوه تشيوانتو- المعرض التفاعلي لمتحف نانجينغ بتقنيات الواقع الافتراضي". في هذه الرحلة التي تجمع بين التاريخ والجغرافيا وعلم الفلك والملاحة والخيال، كل ما يحتاجه الزوار هو ارتداء أجهزة الواقع الافتراضي للاستكشاف بحرية في مساحة تزيد عن مائة متر مربع، والتعرف عن كثب على تصورات الصينيين القدماء حول الأرض والسماء والحضارة العالمية.

أما قاعة جمهورية الصين فهي قاعة عرض ذات طابع كلاسيكي في متحف نانجينغ، تعيد إحياء المشهد الحضري لمدينة نانجينغ من خلال شوارعها ومعالمها المعمارية النموذجية ذات الطراز الأوروبي خلال تلك الحقبة، كما تعكس ثقافة مدينة نانجينغ القديمة، مما يتيح للزوار فرصة التعرف على العادات الاجتماعية لتلك الفترة. جميع معروضات القاعة ولوحاتها وأدواتها عبارة عن قطع أثرية يرجع تاريخها إلى فترة جمهورية الصين. وتصطف على جانبي الشوارع متاجر ذات وظائف فعلية، مثل مكاتب البريد ومحطات القطار ومحلات الحلاقة وصيدليات الأدوية الصينية التقليدية والمكتبات ومحلات المجوهرات. يمكن للزوار إرسال الرسائل وشراء الأدوية والكتب والمجوهرات الفضية والحلويات والمأكولات المحلية لمقاطعة جيانغسو.

في متحف نانجينغ أيضا قاعة مصممة خصيصا للمكفوفين وضعاف البصر، وهي قاعة "بوآي" (حب الإنسانية)، والتي تهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص في الوصول إلى الثقافة للجميع. تبلغ مساحة قاعة العرض حوالي مائتي متر مربع، وتضم نسخا طبق الأصل بنسبة 1:1 من القطع الأثرية، ومعروضات تفاعلية، وأول عربة توجيه آلية بالكامل مخصصة للزوار المكفوفين وضعاف البصر وغيرها. وفي المنطقة المخصصة لضعاف البصر وذوي العيون الحساسة للضوء، تتألف المعروضات بشكل رئيسي من لوحات ومخطوطات، يمكن للزوار رؤية تفاصيلها وهم ممسكين بدرابزين، حيث يعمل الشرح الصوتي تلقائيا فور مرور أي شخص، وتحت كل لوحة وصف موجز عنها بلغة برايل. أما في المنطقة المخصصة للمكفوفين تماما، فتتألف المعروضات بشكل رئيسي من نسخ طبق الأصل من القطع الأثرية، ويمكن للزوار سماع الشرح الصوتي أثناء لمس المعروضات.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4