تعد مقاطعة يوننان مقاطعة ذات تاريخ عريق وثقافة غنية، وهي مهد الحضارة الإنسانية في جنوب غربي الصين، فقد تركت فيها ممالك ديان ونانتشاو ودالي القديمة إرثا تاريخيا وثقافيا زاخرا. تأسس متحف مقاطعة يوننان في عام 1911، ويضم أكثر من 230 ألف قطعة أثرية، ويستقبل ملايين الزوار سنويا، مما يجعله نافذة مهمة للجمهور للتعرف على تاريخ وثقافة يوننان. ومن أبرز مقتنياته الأثرية طاولة برونزية بنقوش لنمر وثورين تعود إلى عصر الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، ووعاء أصداف برونزي مزين بأربعة ثيران وتمثال فارس مطلي بالذهب من فترة أسرة هان الغربية (206 ق.م- 24م)، وتمثال غارودا فضي مطلي بالذهب ومرصع بالكريستال من فترة أسرة سونغ (960- 1279م)، إضافة إلى تاج ذهبي مرصع بالأحجار الكريمة الحمراء والزرقاء من فترة أسرة مينغ (1368- 1644م).
الطاولة البرونزية بنقوش النمر والثورين
تعود الطاولة البرونزية بنقوش النمر والثورين لفترة الممالك المتحاربة، وهي من أهم الكنوز الرئيسية في متحف مقاطعة يوننان. وهذه الطاولة عبارة عن أداة قرابين صنعها أبناء مملكة ديان القديمة من البرونز خلال تلك الفترة، وتحمل في تفاصيلها تاريخا وثقافة عريقين يمتدان لآلاف السنين. قبل أكثر من ألفي عام، ازدهرت حضارة قديمة تسمى "ديان" على ضفاف بحيرة ديانتشي في مقاطعة يوننان. ويظهر أقدم سجل تاريخي مكتوب لمملكة ديان القديمة في كتاب ((سجلات المؤرخ الكبير "شيجي")) للمؤرخ سيما تشيان. وقد امتدت حضارة ديان القديمة تقريبا من القرن الثاني عشر قبل الميلاد حتى أوائل القرن الثالث الميلادي، وأُدمجت ديان في نظام المحافظات والولايات التابع لأسرة هان خلال عهد الإمبراطور وو دي من أسرة هان، واندمجت ثقافتها تدريجيا في التراث الثقافي الصيني.
يبلغ ارتفاع الطاولة 43 سنتيمترا، وطولها 76 سنتيمترا، ووزنها 12 كيلوغراما فقط، بينما لا يتجاوز متوسط سُمكها خمسة ميليمترات وسطحها أملس. تتميز الطاولة بتصميم فريد، يجمع ببراعة بين ثورين ونمر. الجسم الرئيسي للطاولة عبارة عن ثور قوي، وتشكل قوائمه الأربع قاعدة الطاولة، وظهره المقوس بمثابة سطح الطاولة البيضاوي. أما النمر فينقض على ذيل الثور، وتتشبث مخالبه الأربعة بجسده بإحكام، وهو يعض ذيله، وقد ارتسمت على ملامحه نظرة تهديد بارزة على سطح الطاولة. وهناك ثور صغير تظهر عليه علامات الحيرة والدهشة يقف مختبئا تحت بطن الثور الكبير. كان من الممكن أن يستخدم الثور قرنيه القويين سلاحا هجوميا ضد النمر، لكن لحرصه على حماية صغيره، كان مستعدا للتضحية بنفسه. يعكس هذا التصميم تأمل أهل ديان القدماء في جوهر الحياة، حيث تولد حياة جديدة من الموت، وتتجدد دورة الوجود في صراع البقاء والاستمرار.
وعاء الأصداف البرونزي
تعد أوعية الأصداف من القطع الأثرية البرونزية الفريدة لثقافة ديان، إذ لم يعثر على نظائر لها في أي منطقة أخرى. وهي من أبرز القطع الأثرية التي تمثل ثقافة ديان البرونزية، ويعد وعاء الأصداف البرونزي المزين بأربعة ثيران وتمثال الفارس المطلي بالذهب من فترة أسرة هان الغربية، والموجود في متحف مقاطعة يوننان، نموذجا مثاليا لهذا الطراز الفني الفريد.
أبرز ما يميز الوعاء هو غطاؤه، إذ زخرفت حلقته الخارجية بأربعة ثيران قوية ذات قرون طويلة منحنية، تسير عكس اتجاه عقارب الساعة مما يمنحها حيوية فائقة. وفي الوسط، يوجد على المقبض الأسطواني تمثال فارس مطلي بالكامل بالذهب، يبدو مهيبا ووقورا، يحمل سيفا على خصره، تضفي عليه وضعيته هالة من الشجاعة والأناقة. أما الحصان الذي يمتطيه الفارس، فيقف رافعا رأسه وذيله عاليا وعيناه تلمعان، وكأن أنفاسه الساخنة تتصاعد من أنفه، في مشهد يظهر استعداده للقتال إلى جانب فارسه في أي لحظة. بالنظر إلى جانبي الوعاء من الأسفل، يظهر نمران يتسلقان للأعلى فاغرين فاه وكأنهما يزأران.
أوعية الأصداف، كما يظهر اسمها، هي أوعية برونزية كانت تستخدم لتخزين الأصداف البحرية، وكانت بمثابة "حصالات" لنبلاء مملكة ديان القديمة. وقد احتوى هذا الوعاء البرونزي على كمية كبيرة من الأصداف القادمة من المحيط الهندي، أما الأصوات الصادرة عن ارتطام الأصداف ببعضها البعض داخله تمثل صورة مصغرة وشاهدا على التجارة بين مملكة ديان القديمة والعالم الخارجي قبل أكثر من ألفي عام.
يرمز النمران المنقوشان على الوعاء إلى القوة والسلطة، وتشير الثيران الأربعة القوية على الغطاء إلى أن صاحب المقبرة كان يمتلك ثروة طائلة خلال حياته، بينما يرمز الفارس الذهبي، الذي لا يزال محتفظا ببريقه رغم مرور زمن طويل، إلى عظمة صاحب المقبرة وهيبته. ومن المرجح أن صاحب هذا الوعاء كان شخصية بارزة في مملكة ديان القديمة.
على مدار مئات السنين من وجود مملكة ديان القديمة، كانت السجلات المكتوبة شحيحة، إلا أن غطاء الوعاء البرونزي والنقوش عليه تبرز قصص تاريخ هذه المملكة القديمة الغامضة. وفي تلك المساحة المحدودة، تصور المنحوتات الثلاثية الأبعاد، ذات الطابع الواقعي، مشاهد من الحروب التي خاضتها مملكة ديان القديمة، إلى جانب أنشطة الصيد والطقوس الدينية وغيرها من ملامح الحياة اليومية لأهلها.
تمثال غارودا الفضي المطلي بالذهب
تعد الباغودات الثلاث في معبد تشونغشنغ من أبرز معالم مدينة دالي، وهي من أقدم وأروع البنايات في جنوبي الصين، إذ كانت شاهدة مهمة على تاريخ وثقافة مملكتي نانتشاو ودالي.
في عام 1978، وخلال أعمال ترميم الباغودات، اكتشفت سلطات الآثار العديد من القطع الأثرية الثمينة، من بينها تمثال غارودا فضي مطلي بالذهب ومرصع بالكريستال من مملكة دالي. التمثال به عرف من الريش وخلفه هالة على شكل لهب مرصعة بخمس خرزات من الكريستال. جناحاه مفرودان وملتفان نحو الداخل كما لو أنه يريد التحليق، ومخالبه الحادة ممسكة بقاعدة على شكل زهرة اللوتس، مما يمنحه مظهرا قويا ومهيبا.
عثر على التمثال على قمة الباغودا الرئيسية من بين الباغودات الثلاث بالمعبد، باغودا تشيانشيون، التي تعد إحدى أطول الباغودات القديمة المتبقية في الصين، إذ يبلغ ارتفاعها حوالي سبعين مترا. السؤال هنا، لماذا وضع تمثال غارودا الثمين هذا على قمة الباغودا؟
غارودا في الثقافة البوذية، هو طائر ذو أجنحة ذهبية، وهو أحد الفيالق الثمانية في مجموعة الآلهة البوذية، يتغذى على التنانين، ويعتقد أنه يستطيع ترويض الفيضانات والسيطرة عليها. ووفقا للأسطورة المحلية في دالي، ففي العصور القديمة أثارت عدة تنانين سامة عواصف في بحيرة أرهاي، مما تسبب في إحداث فيضانات متكررة أثرت على حياة أهل المنطقة بشكل كبير، فاستعان سكان دالي بغارودا لترويض الفيضانات. ومع مرور الوقت، اعتبر سكان دالي غارودا "إله حماية المياه"، وتحول إلى رمز يوضع على قمم الباغودات. وحتى يومنا هذا، لا يزال في دالي العديد من تماثيل الغارودا "الطائر ذي الأجنحة الذهبية".
التاج الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة
يعد التاج الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة، من أبرز المعروضات التي تستوقف الزوار عند زيارة المتحف. يتميز التاج بتصميمه نصف الكروي، ويتكون من أربع طبقات من الرقائق الذهبية التي تشبه بتلات زهرة اللوتس. رصع التاج بأكثر من خمسين حجرا كريما باللون الأحمر والأزرق والأخضر والأبيض، بألوان زاهية تتألق مع جمال الذهب وتضفي عليه أناقة وفخامة. يوجد على جانبي التاج ثقبان صغيران من خلالهما يتم تثبيت التاج على الشعر بواسطة أربعة دبابيس شعر ذهبية. تجمع تقنيات صنع التاج بين أساليب متعددة، مثل الطَرْق والنقش والتفريغ والترصيع واللحام، ما يظهر فخامة التحف الملكية.
إلى جانب جماله، يعد هذا التاج شاهدا قويا على تطور وازدهار تاريخ يوننان. لتعزيز سيطرة الحكومة المركزية على الحدود الجنوبية الغربية، أرسل الإمبراطور تشو يوان تشانغ لأسرة مينغ، القائد العسكري البارز مو ينغ، إلى يوننان لتهدئة الأوضاع فيها وإدارة شؤونها. وبعد وفاته، مُنح مو ينغ لقب أمير تشياننينغ، وهو لقب توارثته عائلته لاثني عشر جيلا، وظل أفرادها يضطلعون بحماية يوننان حتى سقوط أسرة مينغ، مساهمين بشكل كبير في المحافظة على استقرار الحدود. وعثر على التاج الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة في مقبرة السيدة شيوي، زوجة مو سونغ، وهو حفيد مو ينغ من الجيل السادس.
يرجع فضل الحرفية المتقنة التي صنع بها هذا التاج الذهبي، إلى التقنيات التي جلبتها الهجرات الواسعة النطاق خلال فترة أسرة مينغ. للمحافظة على حكمها لهضبة يونقوي (يوننان- قويتشو)، طبقت أسرة مينغ سياسة التحصين العسكري والاستيطان، حيث استقر مئات الآلاف من الجنود والمدنيين القادمين من منطقة جنوب نهر اليانغتسي في يوننان، حاملين معهم التقنيات الزراعية والحرف وغيرها من إنجازات حضارة السهول الوسطى. ومع استمرار موجات الهجرة، تشكل مجتمع متعدد القوميات في يوننان، غالبية أهله من قومية هان، ويشارك أهل القوميات المختلفة الذين عاشوا على هذه الأرض هوية مشتركة، وهي "أبناء يوننان".
التعليم الاجتماعي
يعكف متحف مقاطعة يوننان على تنظيم أنشطة تعليمية متنوعة باستمرار، تركز على مقتنياته وعلى ثقافة يوننان المحلية الفريدة.
في الثامن عشر من شهر مايو عام 2025، وهو اليوم العالمي للمتاحف، أقام المتحف فعالية لتقييم الآثار وبحثها، حيث استضاف خبراء قدموا للجمهور شروحا مستفيضة حول تاريخ القطع الأثرية، والمواد المستخدمة في صنعها، وأساليب الترميم والحفظ. كما نظم المتحف معارض أعمال فنية للشباب، حيث عُرضت لوحات وتصاميم من إبداع الطلاب مستوحاة من آثار المتحف. ونظم أيضا ورش عمل تفاعلية، مثل الطباعة باستخدام النباتات والزهور، والرسم بالطحالب، وصناعة البخور بالطرق التقليدية، مما أتاح للزوار فرصة لابتكار أعمال فنية وأخذها معهم.
أما الفئة الأصغر سنا، فينظم لها المتحف جولات دراسية وأنشطة عملية بعنوان "المرشد الصغير"، حيث يتعرف الطلاب على قصص القطع الأثرية، ويشاركون في جولات محاكاة إرشادية، ويصممون مسارات داخل قاعات العرض. في الوقت نفسه، يقيم متحف مقاطعة يوننان معارض ودورات للمدارس والتجمعات السكنية، وينظم ورش عمل حول الصباغة العقدية للأقمشة، وفن المقصوصات الورقية، وتصميم أنماط الأزياء التقليدية، بالإضافة إلى معارض الصور المتنقلة، مما يوسع نطاق التعليم المتحفي من المتحف إلى المجتمع الأوسع ويعزز معرفة الجمهور بتاريخ وثقافة يوننان المتعددة القوميات.
