تعد نينغشيا محورا مهما على طريق الحرير القديم، وعقدة مواصلات مهمة على "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير". قبل حوالي ألف عام، شهدت هذه الأرض بزوغ مملكة شيشيا. ففي عام 1038، أسس لي يوان هاو، زعيم قومية تانغوت هذه المملكة التي تعايشت مع أسرات سونغ ولياو وجين وغيرها من السلطات السياسية في الصين لما يقرب من مائتي عام. وإلى جانب قومية تانغوت التي شكلت نواة المملكة، احتضنت المنطقة التي حكمتها مملكة شيشيا العديد من القوميات، منها هان والتبت والويغور والتتار وغيرها. وفي عام 1227، قضى جيش الإمبراطورية المغولية على مملكة شيشيا، ومنذ ذلك الحين اختفت هذه المملكة من التاريخ.
لم تلفت مقابر أباطرة مملكة شيشيا انتباه أوساط علم الآثار إلا في عام 1972 بعد أن ظلت صامدة صامتة تحت العواصف والأمطار أكثر من سبعمائة سنة. وهي الموقع الأثري الأكبر والأعلى درجة والأكثر اكتمالا لفترة مملكة شيشيا. تضم تسع مقابر إمبراطورية ومائتين وواحدا وسبعين مقبرة جنائزية وموقعا لأطلال بنايات في الطرف الشمالي واثنين وثلاثين موقعا لمشروعات الحماية من الفيضانات.
في عام 2025، تم إدراج مقابر أباطرة مملكة شيشيا الصينية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). وقد أوضحت لجنة التراث العالمي لليونسكو أن هذا الموقع يعد دليلا على الاندماج الثقافي وتفاعلات التقاليد المتنوعة، ويشهد أيضا على الدور الفريد لمملكة شيشيا في التبادلات الثقافية والتجارية على طول طريق الحرير خلال الفترة من القرن الحادي عشر الميلادي إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
الثور البرونزي المطلي بالذهب
اكتشف الثور البرونزي المطلي بالذهب في مقبرة جنائزية لأحد النبلاء في مقابر أباطرة مملكة شيشيا، وهو تحفة نفيسة مصنوعة من البرونز. هذا الثور الذي يتخذ وضعية الاستلقاء، يبلغ طوله 130 سنتيمترا وعرضه 38 سنتيمترا. أطرافه الأربعة ملتفة وجسده ضخم وعيناه تشعان بالنشاط، ولكنهما تنظران إلى الأمام بطمأنينة. عضلات الرقبة واضحة، ويمتد العمود الفقري القوي من الرقبة حتى الذيل. ورغم أن هذا الثور فارغ من الداخل، فإنه يزن 188 كيلوغراما.
الثور البرونزي المجوف والثقيل الوزن، صنع بتقنية "الصب بقوالب خارجية وقوالب داخلية" التي كانت مستخدمة في الصين القديمة، وزين سطحه بالكامل بفن التذهيب، بالإضافة إلى تقنيات التشكيل والسبك والتلميع، وهذا هو سبب استمرار لمعان عيني الثور البراقتين وبريق جسده الذهبي بعد مرور أكثر من ألف سنة. وفقا للسجلات، يرجع الفضل في قدرة الحرفيين في مملكة شيشيا على صنع هذا الثور البرونزي المجوف الثقيل إلى التواصل الاقتصادي والثقافي الوثيق لمملكة شيشيا مع منطقة السهول الوسطى في الصين القديمة. لم تتعلم مملكة شيشيا وتستفيد من تقنيات صهر المعادن وصبها لمنطقة السهول الوسطى في الصين القديمة فحسب، وإنما أيضا استقدمت منها الحرفيين الأكفاء المتخصصين.
عندما اكتشف الثور البرونزي المطلي بالذهب، كان هناك أيضا حصانه الحجري "صديقه العزيز" في ممر المقبرة. رأس الحصان يواجه الخارج، ورأس الثور يواجه الداخل، مما يعني أن "الحصان يخرج للقتال، بينما يأتي الثور للزراعة"، في حياة أبناء مملكة شيشيا، كانت الماشية والخيول لا غنى عنها، وكانت أيضا رمزا مهما لثروة العائلة. يظهر دفن الثيران البرونزية والخيول الحجرية تقدير مملكة شيشيا للماشية، مثل البقر والخيل، وهو ما يعني أن مجتمع مملكة شيشيا، في ذلك الوقت، انتقل من ثقافة الترحال إلى الثقافة الزراعية.
قاعدة الدعم المنقوشة بالنصوص والمنحوتة على شكل رجل قوي
قاعدة الدعم المنقوشة بالنصوص والمنحوتة على شكل رجل قوي، وهي من الكنوز الوطنية، اكتشفت في مقابر أباطرة مملكة شيشيا. وهي قاعدة دائرية منحوتة من الحجر الرملي الأبيض تشبه المكعب، يبلغ طولها 4ر60 سنتيمترا وعرضها 8ر59 سنتيمترا وارتفاعها 64 سنتيمترا. وتظهر صورة رجل قوي جاثيا بركبتيه على الأرض، ويداه مضغوطتان على ركبتيه بينما حاجباه معقودان وأسنانه مشدودة، وتبدو على وجهه ملامح الجدية. في الصين القديمة، كان من الشائع استخدام السلاحف أو الوحوش الأسطورية مثل بيشي (أحد أبناء التنين التسعة في الأساطير الصينية) لحمل أنصاب حجرية، أما استخدام شكل الإنسان لهذا الغرض فكان أمرا نادرا.
اكتشف في مقابر أباطرة مملكة شيشيا 14 نصبا "على شكل الإنسان"، وقد تم تصنيف قاعدة الدعم المنقوشة بالنصوص والمنحوتة على شكل رجل قوي ككنز وطني، لأنها الوحيدة المنقوشة بالنصوص من بين الأربع عشرة قاعدة المماثلة. في الزاوية العلوية اليسرى من هذه القاعدة، تم نقش خمسة عشر مقطع كتابة من لغة شيشيا في ثلاثة أسطر، تسجل عملية الصنع والنحت بالتفصيل. وقد نقش اسم الحرفي الصيني في الخلف؛ "نحات الحجر قاو شي تشانغ"، وهو الاسم الوحيد الذي تركه العديد من بناة المقابر. تظهر هذه التحفة تاريخ استخدام كتابة شيشيا والتعاون بين الحرفيين من قومية هان ومملكة شيشيا، وتعد هذه القاعدة قطعة أثرية مهمة لدراسة تاريخ فنون مملكة شيشيا.
اكتشف تمثال كالافينكا ذو الطلاء الأخضر في موقع البرج رقم 3 بمنطقة مقابر أباطرة مملكة شيشيا. كلمة "كالافينكا" ترجمة صوتية من اللغة السنسكريتية، ويطلق عليه الصينيون اسم "الطائر المغرد ذو الصوت الرائع"، ويعتقد أنه طائر السعادة في عالم البوذية، يأتي من جبال الثلج، وله صوت رائع، ينقي قلب من يسمعه. التمثال له جسم طائر ووجه إنسان، وبه أجنحة، ويحظى بلقب "ملاك الشرق".
كانت مملكة شيشيا تعتز بالبوذية، فيبدو تمثال كالافينكا ذو الطلاء الأخضر هادئا ومطمئنا. وجهه بيضاوي طويل ووجنتاه ممتلئتان وحواجبه رفيعة وأنفه بارز وفمه صغير، وتحمل ملامحه خصائص واضحة لأبناء قومية تانغوت. صنعت هذه التحفة الفنية بتقنية معقدة، حيث تم تشكيل كل جزء على حدة ثم تم تجميعها ولصقها لتصبح قطعة كاملة في هيئة طائر السلام والسكينة.
في مقابر أباطرة مملكة شيشيا، توجد تماثيل الطائر المغرد ذو الصوت الرائع على حواف الأسطح والأعمدة. إن ظهور كالافينكا كعنصر معماري أمر غير مسبوق في الاكتشافات الأثرية. جاء في كتاب ((ينغتساو فاشي)) لفترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، أن الطائر المغرد ذا الصوت الرائع من الزخارف الشائعة في البنايات الراقية، وكان يستخدم عادة مع الأجراس النحاسية، ويرمز إلى "الصوت الرائع" في عالم السعادة المطلقة.
بوابة المقبرة المنحوتة من الصخر لرقصة الدوامة الصغدية
بوابة المقبرة المنحوتة من الصخر لرقصة الدوامة الصغدية، وهي واحدة من ثلاث قطع أثرية في متحف نينغشيا مصنفة من الكنوز الوطنية، اكتشفت في مقبرة لأسرة ليانغ الأخيرة (907- 923م) وأسرة تانغ الأخيرة (923- 936م) في نينغشيا.
تتكون البوابة الحجرية من لوحين، وعند اكتشافها، كانت مغلقة بإحكام ومؤمنة بقفل حديدي، وفي المنتصف راقص يؤدي رقصة الدوامة الصغدية، وهي رقصة من مملكة كانغ (مدينة سمرقند حاليا) في آسيا الوسطى، دخلت إلى السهول الوسطى بالصين عبر طريق الحرير وكانت شائعة في فترة أسرة تانغ (618- 907م). ويجسد راقص الدوامة الصغدية على بوابة المقبرة، سمات الصغديين، حيث الأنوف العالية والعيون العميقة. وفقا للأبحاث، كانوا مجموعة من الناس في مملكة كانغ في المناطق الغربية، وقد استقروا لاحقا في نينغشيا واندمجوا مع السكان المحليين. قالت مو شاو جيوان، نائبة أمين مكتبات البحث في متحف نينغشيا، إن بوابة المقبرة المنحوتة من الصخر لرقصة الدوامة الصغدية لا تبرز بشكل مادي "رقصة الدوامة الصغدية" المذكورة في السجلات التاريخية فحسب، وإنما أيضا توفر دليلا على أن الصغديين هاجروا إلى نينغشيا على طول طريق الحرير القديم، وهو ما يمثل تجسيدا لثقافة طريق الحرير وهجرة واندماج القوميات.
التعليم المجتمعي
كما يقوم المتحف أيضا بالترويج للتقاليد الثقافية من خلال مجموعات التراث الثقافي غير المادي وعروض المهارات وتجارب الحرف اليدوية، مثل فن الورق المقصوص والنحت الطيني والطباعة بمقاطع الكتابة المتحركة والحرف المميزة، مما يتيح للجمهور تجربة مهارات الثقافة التقليدية بأنفسهم والشعور بجاذبية الثقافة من خلال الممارسة. بالإضافة إلى ذلك، يدمج المتحف التعليم الاجتماعي بتعميم قوانين وأنظمة حماية الآثار، مثل تعزيز وعي الجمهور بنظام حماية الآثار من خلال مسابقة الإجابات الممتعة ولوحات تعريفية بالقوانين والمحاضرات وغيرها.
