سياحة < الرئيسية

ألوان الخريف في مروج أولانبوه

: مشاركة
2020-09-09 08:48:00 الصين اليوم:Source تشاو يان تشينغ:Author

تقع مروج أولانبوه في جنوب غربي راية كشيكتنغ بمدينة تشيفنغ لمنطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم، على مسافة ثلاثمائة كيلومتر من بكين، وهي أقرب أرض معشوشبة للعاصمة الصينية.

تنتشر التلال والسهول في مروج أولانبوه التي تحتضن مساحات خضراء وأرضا مسطحة، فتبدو بهية بزركشة جمالها الطبيعي من ناحية وأرضا برية لا حدود لها من ناحية أخرى. في هذه المروج، تتدثر قصص القناصة الشجعان من الأسرات الإمبراطورية القديمة والحكايات الرومانسية الأسطورية لسكان المروج. هي موطن الجمال الطبيعي للجبال والأنهار، وأرض التنمية البشرية والثيران والخيول والأغنام المستأنسة، وكذلك الأرانب البرية وابن عرس والثعالب. كما توفر ملاذا لنسور الأراضي المعشوشبة والنسور الذهبية الرائعة، بالإضافة إلى العديد من طيور البلشون والغربان.

في فصل الخريف، تتحول المروج إلى لوحة ذات ألف لون ولون. تصبح الأرض مكسوة ببساط بدرجات مختلفة من اللون الأصفر من البني الفاتح إلى الكراميل الداكن، وتبدو مثل بطانية صوفية ضخمة تغطي الأرض في الصباح البارد خلال هذا الموسم، حيث تبرز الخيام المنغولية البيضاء النقية في تناقض صارخ مع هذا البساط المتنوع الألوان، وتنتشر حزم الأعلاف المحصودة كالنجوم المتلألئة في سماء ليلة صافية، وسياجات خشبية مرتبة تربى فيها الأبقار والخيول.

ساحة معركة في التاريخ

كلمة أولانبوه باللغة المنغولية تعني الجبل الأحمر على شكل المذبح. إلى الغرب من قمة أولانبوه، توجد بحيرة، يسميها المحليون نهر باوزي أو بحيرة الجنرال. توجد مساحات شاسعة من الأرض على الجوانب الأربعة لتلك البقعة التي كانت ساحة لمعركة أولانبوه التاريخية الشهيرة التي وقعت هناك في أواخر القرن السابع عشر. في عام 1691، خلال العام الثلاثين من حكم الإمبراطور كانغ شي (1654- 1722م) لأسرة تشينغ (1644- 1911)، بدأ تمرد مسلح من قبل انفصالي قبلي يُدعى جيردان في المنطقة الشمالية الغربية من جونغقار، الذي بدأ يشق طريقه نحو منغوليا الداخلية في محاولة لفرض الانقسام على أسرة تشينغ. قاد جيردان جيشا قوامه ثلاثمائة ألف رجل في هجومه لغزو أولانبوه. غضب الإمبراطور كانغ شي عندما تلقى نبأ التمرد وعزم على قيادة الجيش بنفسه لقمع التمرد.

تلقت قوات جيردان عدة هزائم على أيدي قوات أسرة تشينغ المدربة جيدا. وفي المعركة الأخيرة صنع جيش جيردان معسكر إبل بعشرات الآلاف من الجمال المقيدة بالأرض، وأطلقوا السهام والنيران من الشقوق بينها. بتوجيه من القائد تونغ قوه قانغ، قصفت قوات أسرة تشينغ هذا المعسكر من الإبل بالمدافع، وسرعان ما دمرته. لم يكن أمام جيردان إلا الفرار تحت جنح الليل.

تقول الحكايات الشعبية إن قمة أولانبوه اتخذت شكلها الحالي نتيجة التفجيرات التي أحدثتها مدافع جيش أسرة تشينغ، بل إن البحيرة كانت أيضا نتيجة تلك التفجيرات. وفقا لروايات السكان المحليين، تم العثور على براميل مدفع تركها جيش تشينغ، بالإضافة إلى شظايا من الخوذات والسهام الصدئة بالقرب من البحيرة. خلال معركة أولانبوه، قُتل القائد تونغ، وخضبت دماؤه ماء البحيرة.

في التاريخ القديم، كانت هذه المنطقة تسمى بـ"تورجينيزائير" وهي واحدة من اثنتين وسبعين حلبة من حلبات مولان لأسرة تشينغ، ويقصد بها أراضي القنص المغلقة في فترة أسرة تشينغ. وكانت هذه الأرض أيضا منطقة هامة للبدو الرحل من أبناء قومية منغوليا. في تلك الأيام، في كل عام خلال أشهر الخريف، كان الإمبراطور يقيم نشاطا كبيرا يشمل القنص والرماية على ظهور الخيل وسباقات للخيل، كل ذلك من أجل توفير تدريب جيد لأفراد العائلة الإمبراطورية والنبلاء، والأهم من ذلك، اختيار الموهوبين وحتى أباطرة المستقبل. في كل عام، وأثناء موسم القنص الإمبراطوري في الخريف، كان يتم دعوة النبلاء المنغوليين للمشاركة فيه، وكان إمبراطور أسرة تشينغ يغتنم هذه الفرصة للقاء زعماء القبائل المختلفة والتباحث معهم في مختلف الأمور. كان قنص الخريف في حلبات مولان نشاطا له أهمية إستراتيجية عميقة وتأثير سياسي، مما جعله أكثر من مجرد نشاط قنص بسيط.

الأبيض هو لون الشرف والاحترام في ثقافة قومية منغوليا. عندما يستقبل أبناء قومية منغوليا ضيفا يقدمون له وشاح هادا الأبيض وحليب الخيل المخمر الأبيض الذي يسمى بـ"كوميس". لا يعتبر أبناء قومية منغوليا الأبيض لونا باردا أو عاديا، بل على العكس من ذلك، فالأبيض بالنسبة لهم هو النقاء ورمز أسلافهم وآلهتهم. يتضمن أول سجل تاريخي لثقافة قومية منغوليا أسطورة الذئب العظيم والظبية البيضاء اللذان أنجبا أبناء قومية منغوليا.

بالإضافة إلى الخيام المنغولية البيضاء وأكوام القش المعقودة التي تزين الأراضي المعشوشبة الشاسعة الممتدة في الأفق، يمكن رؤية أكوام من الحجارة بأحجام مختلفة هنا وهناك. تلتصق فروع أشجار الصفصاف في أكوام الصخور والرايات الملونة ذات الدلالة الدينية ترفرف في الهواء. تشير هذه الرايات إلى صوت أبناء الأراضي المعشوشبة وهم يقدمون صلواتهم إلى السماء، ويبدو أن خفقانها في الهواء يشبه قراءة الأسفار السنسكريتية المقدسة.

أكوام الصخور هذه، التي تسمى بـ"أوباو" في اللغة المنغولية، مكون هام لتقاليد ثقافة قومية منغوليا ونظامها الديني القديم. تستخدم "أوباو" في تقديم القرابين لآلهة أوباو، باعتبار أن القرابين تقليد أصيل عند أبناء قومية منغوليا. يستخدم الرعاة المحليون قرابين أوباو في صلواتهم طلبا للطقس الجيد ونماء حيواناتهم وطرد الأمراض والكوارث، وجلب الطمأنينة والسلام. كل من يمر بجانب كومة صخور أوباو يضع بلطف حجرا عليها، صلاة من أجل السلام والنجاح مدى الحياة.

موطن تربية وتدريب الخيول

بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، تم إنشاء مضمار عسكري في المنطقة الوسطى من مروج أولانبوه العشبية، وتسمى أيضا بمضمار الجبل الأحمر العسكري. داخل المضمار توجد الأراضي المعشوشبة والغابات الكثيفة والمستنقعات الصافية والمياه غير الملوثة.

المضمار هو موطن لما يقرب من ألف نوع مختلف من النباتات، بما في ذلك أشجار البتولا البيضاء وتنوب كويامي والتنوب المنغولي، وخاصة أن فيه آلافا من أشجار تنوب الأرض الرملية المعروفة باسم "بنك الجينات البيولوجي" و"الأحفورة الحية". كما تنتج فيه نباتات صالحة للأكل مثل الفطر والأقحوان وسرخس الكمان، والأعشاب النادرة مثل الفاوانيا العشبية الصينية وجذر البوبليوري. يعيش فيه كذلك الظبي الأحمر والغزال المنغولي واليحمور والخنازير البرية التي يمكن رؤيتها في كل مكان. مع وصول الخريف، تبدو الأرض المعشوشبة مثل لوحة كبيرة من الألوان المذهلة. تتلألأ أشجار غابة البتولا على الجبال بأوراقها الصفراء الناعمة، بينما توجد عند سفح الأشجار شجيرات بورجوندي، ومجموعة أخرى من الروائع الطبيعية التي تظهر في بدايات الخريف.

لم يعد أهل مروج أولانبوه بدوا رحل. اليوم لديهم مراعي ثابتة وقرى مستقرة. كل قرية، مع حجمها المختلف، فيها نزل عائلي للزوار، بينما أصبح الرعي نشاطا اقتصاديا جانبيا تقريبا. تضع صاحبة النُزل سوطها وتصحب النزلاء إلى غرفهم بضيافة رائعة.

عندما تغرب الشمس فوق الأرض المعشوشبة، فإنها تغطيها مثل ثوب رقيق. الأوراق الحمراء على التلال لا تكون لافتة للنظر كحالها عندما تكون الشمس مشرقة فوقها، لكنها، مع الخيول حولها، مطلية بألوان ذهبية ناعمة وغنية فاتحة

جبال ووتساي بعد غروب الشمس لا تكون ساحرة كما كانت خلال النهار، لكن جمالها الهادئ يشبه حسناء نائمة مع قمة جبل مميزة، والجبال المنخفضة تبدو من بعيد مثل تيار طويل لشعرها، ومياه بحيرة البط البري التوهج الأحمر لغروب الشمس، تبدو وكأنها مرآة تعكس جمال الحسناء في زينتها.

الحياة الجديدة لرعاة قومية منغوليا

في قرية تيانتاييونغ في راية كشيكتنغ تجمع يضم أكثر من عشرين أسرة يسمى بتجمع هامابا (بمعنى سد الضفادع في اللغة الصينية) السكني. أصل اسم هامابا غير معروف، حتى كبار السن المحليين لا يبدو أنهم يعرفون من أين نشأ الاسم أو لماذا يعيش الكثير من الضفادع هناك. على الرغم من هذه الحقيقة، ترتبط العديد من الأشياء في الأراضي المعشوشبة المنغولية باسم "الضفادع"، مثل منحدرات الضفادع، ووديان الضفادع، وما إلى ذلك، مما يشير إلى أن الأراضي المعشوشبة بها وفرة من المياه وتعيش في انسجام مع الأراضي الرطبة والأنهار.

هذا التجمع السكني متدثر بعيدا في واد، من الصعب اكتشافه إلا بالوقوف بالقرب من حافة الوادي. تتناثر البيوت في التجمع، التي تتميز بأسطحها ذات اللونين الأحمر والأزرق مع حواجز خشبية. يمر طريق ترابي عبر التجمع، يربط البيوت بالسياجات المستديرة والبيضاوية ة للثيران والأغنام والخيول. أكثر ما يبرز هو البساتين الصغيرة المغلقة التي تتبارى فيها صفوف من الخضراوات الخضراء المزروعة بدقة في التجمع السكني المخفي.

يبلغ عدد سكان التجمع حوالي مائة نسمة، ينشغلون بأعمالهم اليومية في زراعة الخضراوات وتربية الحيوانات. في سبتمبر، حين يلتقي الخريف مع فصل الشتاء، يبدأ السكان المحليون في جمع الأعلاف الاحتياطية لأشهر الشتاء. يتم حصاد العشب من المروج باستخدام الآلات التي تترك وراءها أثرا من الدخان، ولكنه سرعان ما يختفي في الهواء البارد في البرية. يمكن سماع صوت الجرارات على الطريق خلف القرية. يعود الناس محملين بالأعلاف لحيواناتهم. يمكن رؤية النظرات الراضية على وجه كل فرد من أفراد الأسرة من السائق وزوجته وأطفاله والكلاب الأليفة.

تشتغل العديد من النساء في بساتين الخضروات، يحملن سلالا ثقيلة على أذرعهن، في العشاء سيكون هناك بالتأكيد العديد من أطباق الخضراوات الخضراء. بعد أن يهدأ الغبار داخل القرية وخارجها، تنادي النساء أطفالهن، فيجيب الأطفال بصوت رقيق يتناسب مع رائحة الطعام في الوادي، مما يخلق غطاءً دافًئا للقرية. خارج القرية، تتدفق الغربان وطيور العقعق معا، وتطير في كل مكان في مجموعات، ولكنها لا تقاتل من أجل الأرض ولا تتزاحم.

ساعات الصباح مشغولة جدا في القرية. في وقت مبكر من الصباح، حتى أضعف الثيران تكون سعيدة عندما تنطلق إلى المرعى، وتصدر أصواتا عالية ليسمعها الجميع. على الجانب الآخر من المزرعة، لا تستطيع الحملان والعجول الصغيرة التي ظلت صامتة طوال الليل كبح جماح فرحتها عند السماح لها بالخروج إلى المراعي على سفوح التلال البعيدة بينما الرعاة يسيرون من خلفهم. بعد ساعات من الغسق، يعود الرعاة وهم يتأرجحون بأسواطهم في أيديهم ويوجهون قطعانهم من الأغنام والثيران إلى حظائرهم ليلا. هذا يأتي بيوم آخر على الأراضي المعشوشبة إلى نهاية مثالية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037