سياحة < الرئيسية

المياه والجسور واللوتس في جيانشوي

: مشاركة
2020-04-29 12:43:00 الصين اليوم:Source تشاو يان تشينغ:Author

تشتهر محافظة جيانشوي بنبات يُسمى بالصينية "تساويا" واسمه الآخر هو "شيانغياتساي" وجبن فول الصويا "توفو" والبطاطا الحلوة. جيانشوي هي المكان الوحيد في الصين الذي يُزرع فيه نبات تساويا. وقد ذكر الفيلم الوثائقي المشهور ((الصين على طرف اللسان)) "توفو جيانشوي" بالتفصيل؛ أما البطاطا الحلوة في جيانشوي، فهي لذيذة وطرية وحلوة، وتسيل عصارتها عند طبخها في القدر، ويقال إن الإمبراطور تشيان لونغ لأسرة تشينغ (1644- 1911م) أثنى عليها بعد أن تذوقها. المسنون في جيانشوي يعتزون بالمنتجات المحلية لمحافظتهم، ويفسرون مذاقها اللذيذ بقولهم: "المذاق اللذيذ سببه أن مياهنا عذبة!"

الآبار القديمة

جيانشوي محافظة تابعة لولاية هونغخه الذاتية الحكم لقوميتي هاني ويي بمقاطعة يوننان، في جنوب غربي الصين، ماؤها غزير وآبارها المنتشرة مياهها نقية عذبة. في غربي حاضرة المحافظة، تقع بئر فوبوتشيوان التي يرجع تاريخها إلى فترة أسرة مينغ (1368- 1644 م). بجوار هذه البئر، التي تحمل أيضا اسم "بئر دابان"، مجمرة للبخور لتقديس الملك التنين للبئر، يقدم الناس أمامها الفواكه والخضراوات للملك التنين في أيام الأعياد. جاء في ((السجلات العامة لمقاطعة يوننان))، ما يلي: "مياه البئر نقية وحلوة ويشربها كل أبناء المحافظة"، ويقول الناس: "ماؤها هو الأكثر عذوبة في كل يوننان"، وتُسمى بـ"البئر الأولى في جنوبي مقاطعة يوننان". حول البئر بعض السقَّائين من أبناء المحافظة الذين يحملون الماء بعود الشيال، وبعضهم الآخر يركب العربات الآلية لنقل الماء باستخدام البراميل، ويكثر عددهم في كل صباح ومساء.

في الجهة المقابلة لبئر دابان معمل لصنع جبن فول الصويا "توفو"، يفوح منه عبق فول الصويا، وفي يد العاملات فيه "توفو" الناصع البياض الطازج. منذ أن تفتح بسطة بيع "توفو" المحمص من قبيل الفجر حتى منتصف الليل، لا يخف زحام الزبائن أمامها، مما يشكل منظرا مميزا في هذه المحافظة.

على مسافة غير بعيدة من بئر دابان، تقع بئر شياوجيه التي تحمل اسما آخر هو "يوانتشيوان". الماء في بئر شياوجيه وإن كان لا يقل نقاء وعذوبة عن ماء دابان، إلا أنه قارس البرودة نقيا لدرجة يمكن معها رؤية قاع البئر. المدهش، أنه مهما أخذ من ماء هذه البئر فإنه لا يقل أبدا، ولا يتغير عمقه البالغ أربعة أمتار، حتى في المطر الغزير لا يفيض ماء البئر على الإطلاق، وفي القاع يمرح السمك الأحمر والجمبري. شُيد سياج حول البئر وبُطِّنت حافتها وجدارها الداخلي بالأحجار السوداء. وبجانب البئر بيوت قديمة ظلت صامدة أمام اختبارات وتقلبات الزمان. وبرغم برودة ماء البئر، اعتاد عليها أبناء المحافظة، ومن بين شاربيه كثير من المعمرين.

في شرقي حاضرة المحافظة، تتربع بئر دونغجينغ التي تحمل أيضا اسم "ليتشيوان"، ويعود تاريخها إلى فترة أسرة يوان (1206- 1368). هذه البئر التي ما زال ماؤها وافرا، محطة مفضلة لبائعي الخضراوات الذين يدخلون حاضرة المحافظة لبيع بضاعتهم، حيث يستريحون هنا ويغرفون منها الماء لرش خضرواتهم، وإذا كان بين خضراواتهم النعناع المنعش فإن رائحته تعبق في الشوارع المجاورة لفترة طويلة.

في شارع دونغلينسي تقع بئر أخرى، هي بئر دونغفو، فقد أطلق المحليون عليها "جميلة الآبار". سياج هذه البئر مشيد بقطعة ضخمة كاملة من الحجر المثقوب، وعلى حافتها آثار تركها حبل الدلو خلال احتكاكه مع الحافة، هذه الآثارمتناسقة التوزيع، تبدو وكأنها زهرة حجرية سوداء متفتحة. إن أجمل وقت لهذه البئر هو ليلة اكتمال البدر الذي ينعكس على سطح مائها وكأنه هبط من السماء إلى الدنيا.

في أعماق زقاق طويل، تربض بئر "تشوقه" ذات السياج المصنوع من قطعة ضخمة كاملة من الحجر الأبيض منقوشة بثقبين، وعلى حافتها أثلام عميقة تشكلت نتيجة احتكاك حبل الدلو مع الحافة، يبدو وكأنها تقص حكايات وآثار الزمن. هذه البئر هي أقدم بئر مسجلة بين الآبار القديمة الأخرى في جيانشوي.

الجسور القديمة

مياه الآبار تغذي حياة أبناء محافظة جيانشوي وتنقي ملامحهم. وإذا كانت الآبار القديمة في جيانشوي بمثابة القلب في جسم الإنسان، فإن الأنهار خارج حاضرة المحافظة هي العروق التي تنقل الدم. تتزين تلك الأنهار بعدد لا يحصى من الجسور.

يقع جسر شوانغلونغ (أي جسر التنينين) عند تقاطع نهري لونغجيانغ وتاتشونغ اللذين يشبهان تنينين متشابكين. هذا الجسر الذي يشبه قوس قزح فوق الماء، مكون من سبع عشرة قنطرة وعليه مقصورتان، على إفريز سفح كل منهما أجراس حديدية ترن كلما هبت الرياح.

جسر تيانيوان الذي يقع فوق نهر لوجيانغ، على مسافة عشرة كيلومترات شرق مركز المحافظة، يرجع تاريخ بنائه إلى عام 1728. هذا الجسر ذو مقصورة، وعليه ما يشبه آثار أقدام، قيل إنها آثار قدم ملاك! ولهذا السبب يسميه العامة من أبناء المحافظة بجسر شيانرن (الملاك). حسب الأسطورة، شارك في تشييد هذا الجسر مائة من العمال الحرفيين والصناع المهرة المبدعين، ولكن عندما كان هؤلاء العمال يجلسون لتناول الطعام كان عددهم تسعة وتسعين فقط، مما أثار دهشة العمال وحيرتهم من دون أن يعرفوا لذلك سببا. بعد إنجاز بناء الجسر، لاحظ العمال آثار قدمين لا تشبه آثار أقدام البشر، فأدركوا أن هناك ملاكا قد ساعدهم على بناء الجسر. حاليا، يحلو لأبناء المحافظة السير على الجسر فوق "آثار قدمي الملاك" واستحضار تلك الأسطورة التي تناقلتها أجيال بعد أجيال.

جسر شيانغاوي الذي يرجع تاريخ بنائه إلى زمن الإمبراطور جيا تشينغ لأسرة تشينغ، كان المكان الذي تعقد عنده الاختبارات على مستوى الناحية لاختيار الموظفين الحكوميين حينذاك. للأسف، صار الجسر متهالكا وتحطم النصب التذكاري الحجري الموجود عليه، وتناثرت في التراب حوله القراميد المتكسرة، وغطته الأعشاب والأشواك. هذا الجسر في حاجة ملحة لترميمه واستعادة رونقه. في أعيادهم التقليدية، يشعل أبناء المحافظة الأوراق والشموع وأعواد البخور المصنوعة يدويا ويجهزون الطاسات والأعواد والأطعمة المتنوعة لتقديمها كقرابين لإله الجسور.

حقول اللوتس

في كل يوم، وعندما تميل الشمس نحو المغيب، ترى على الدروب الصغيرة التي تعبق برائحة التراب الزكية، الفلاحين والمواشي والمحاريث وأعواد الحمل. معظم أراضي جيانشوي حقول مائية، مغطاة بزهور اللوتس ذات الأوراق الكبيرة الخضراء الكثيفة، وقد يُزرع نبات "تساويا" وفطر المحار بين حقول اللوتس الشاسعة. يزرع فطر المحار في جنوب نهر اليانغتسي، بينما نبات "تساويا" لا تصلح زراعته بالصين إلا في جيانشوي، فصار بطاقة هوية لتلك المحافظة. هذا النبات الغض ذو اللون الأبيض يمكن تناوله مسلوقا أو مقليا، أو نيئا مع السلطة أو الصلصة، ولكن من الصعب حفظه، إذ يتغضن بعد تبريده، فلا بد من تناوله في يوم قطفه.

في الأعمال الأدبية الصينية، يرمز اللوتس إلى الشخص الكريم الأخلاق والأنيق اللطيف والمتواضع. اللوتس يعد أيضا محصولا اقتصاديا، فتويجاته وأقراصه وبذوره وأوراقه الخضراء وجذوره صالحة للأكل. ، كان هذا النبات، الذي كانت تمتلئ به بطون البشر في قديم الزمان، يُزرع في جيانشوي في حقول لا تبلغ العين مداها، ويحقق لأبناء المحافظة أرباحا مجزية ويسر نظر الزوار ويشرح صدورهم.

يضع الفلاحون بذور اللوتس على متن القوارب، فتغطي أوراق اللوتس سطح الحقول المائية بعد أكثر من شهر، وتحجب ما تحتها، وتظهر رقعة شاسعة لونها أخضر كثيف، وتحلق فوقها أسراب من طائر البلشون الأبيض، تحت قبة السماء الزرقاء.

ثمة أغنية شعبية قديمة يرجع تاريخها إلى فترة تانغ ياو (حوالي 2200 قبل الميلاد)، وهو أحد الأباطرة الخمسة الأسطوريين، تقول كلماتها: "أبدأ العمل عند شروق الشمس، وأستريح عند المغيب. أحفر بئرا كي أشرب، وأزرع الحقول كي آكل. حياتي مريحة سعيدة، فما الفائدة إن كانت لي سلطة الإمبراطور!” ربما لأن هذه الأغنية الشعبية راسخة في أعماق قلوب أبناء جيانشوي، فإنهم يعيشون هانئين في هدوء وسلام، متخذين إياها كمعيار لحياتهم.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037