سياحة < الرئيسية

لِيلِي القديمة.. جنة زهور الكمثرى والجسور العجيبة

: مشاركة
2020-03-10 16:27:00 الصين اليوم:Source تشاو يان تشينغ:Author

لِيلِي القديمة بلدة صغيرة تطل على نهر في مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو في شرقي الصين. قبل أسرة تانغ (618-907)، كانت تعرف باسم قرية ليهوا، التي تعني قرية زهور الكمثرى. تقول حكاية شعبية إن المكان أخذ هذا الاسم لأن زهور الكمثرى كانت تحيط به في موسم الربيع كل سنة. بعد أسرة تانغ، وبينما كان السكان المحليون ضحية للفيضانات المتكررة، استطاع مسؤول محلي اسمه "لي" حل المشكلة بإصلاح مجرى النهر، فنال محبة وامتنان السكان الذين أطلقوا اسمه على قريتهم، فصار اسمها "لِيلِي". 

الشرفات

تستقبل لِيلِي زوارها بمجرى مائي محاط بديار قديمة وأسطح ناتئة تشكل شرفة طويلة.    

انتشرت ظاهرة الشرفة الطويلة في لِيلِي خلال فترة أسرة يوان (1271-1368). كانت منطقة جنوبي نهر اليانغتسي المكتظة بالسكان والأثرياء مركزا للأعمال. في فترة أسرة يوان، ظهرت المتاجر على جانبي الممر المائي في لِيلِي. بنى أصحاب الأعمال شرفات لإيواء المارة من أشعة الشمس والمطر، والاستفادة منها كمكان للإعلان عن منتجاتهم المميزة.

تجمع الشرفات الثقافة التجارية والثقافة الشعبية والثقافة المعمارية. في الصباح، تتجلى العديد من المشاهد التي تعكس حيوية البلدة؛ فالنسوة يقصدن إلى ضفة النهر لغسل الملابس، ويتجمع المسنون لتبادل أحدث الأخبار، وقد ينضم إليهم المارة أحيانا. الضحكات التي تنفجر فجأة قد تفزع الطيور في أوكارها فوق الأشجار، بينما القوارب تندفع في الماء وقد أضاءت قناديلها. على سطح المياه، يرى الناظر انعكاس صورة البيوت المتلألئة المتداخلة بالأبيض والأسود مع فوانيس حمراء، في مشاهد تعد "بطاقة بريدية" تسعد السكان المحليين والزوار على حد سواء.

الرصيف النهري   

الرصيف النهري في لِيلِي فريد من نوعه. بناه السكان المحليون على حائط الصد بالأوتاد الخشبية المرتبة في صفوف، والمغروسة تحت الماء والأحجار. هذا النوع من الرصيف، بالمقارنة مع الرصيف من التراب، أقل عرضة للتلف أو الانزلاق وأكثر ثباتا وروسوخا، على الرغم من أنه باهظ الثمن ويحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة.

هناك حكاية شعبية حول الرصيف النهري، تقول إن ابنة صاحب أحد المتاجر كانت تلهو على ضفة النهر فسقطت في الماء بسبب الألواح المفكوكة، وفقدت ذراعها في الحادث. شعر الأب بالذنب لأنه لم يمتن الرصيف النهري عندما كان الوقت مناسبا لذلك، فقرر أن يشيد الرصيف النهري، وانتهج الآخرون طريقته.

الأرصفة النهرية في لِيلِي كثيرة ومتنوعة. يوجد رصيف كل 20 خطوة تقريبا. في الماضي، كانت الأرصفة النهرية ذات أهمية بالغة للشركات وللأفراد. كان الناس يقومون هنا بتحميل البضائع وتفريغها، وكذلك غسل الملابس. كتب أحد الكتاب ذات مرة: "كانت الأرصفة التهرية جزءا من الأيام الخوالي. في البداية، كانت الأرصفة ترتفع سبع أو ثماني درجات سلم فوق الماء. عندما يأتي الربيع ويرتفع منسوب المياه، ويصقل درجات السلم واحدة تلو الأخرى سنة بعد أخرى، بدأنا نرى وكأن جدار الصد يضيع ويعود مع ارتفاع وانخفاض منسوب الماء."

أحجار المراسي

حجر المرساة تراث فريد من نوعه، ويعد الأكثر جمالا في بلدة لِيلِي.

حجر المرساة هو النقطة المحورية حيث يمكن ربط القارب. بدأ استخدامه في لِيلِي في عهد أسرة مينغ (1368-1644) وصار أكثر شيوعا خلال فترة جمهورية الصين (1912- 1949). واليوم، لا يزال في الماء ما بين 200 إلى 300 من أحجار المراسي المنحوتة.

يبلغ طول حجرالمرساة المكعب النموذجي في لِيلِي من 30 إلى 40 سم. لكن الحجر المنحوت في وسط المدينة يبلغ طوله 43 سم، وكان المحليون يستخدمونه كمقياس لخط المياه. يطلق عليه "حجر السعادة والحزن". فهناك رسوم على شكل القرع والخفافيش على الحجر، وعندما يصل خط المياه إلى منتصف القرع، تسود فرحة عارمة لأن ذلك يعني أن مياه الأمطار كافية لموسم زراعي جيد. عندما يكون الخط المائي أقل من قاع القرع، يعم القلق، لأن ذلك قد يشير إلى حدوث الجفاف. عندما يكون الخط المائي أعلى من نحت الخفافيش، يشعر الناس بالضيق والندم، فذلك يعني أن الفيضانات قد تأتي فتقضي على محاصيل الفلاحين.

المنحوتات على الأحجار الراسية لها دلالات مختلفة عند الناس، فالزوج من الخوخ أو البرتقال يمثل الحظ السعيد وطول العمر. واعتقد الناس أن منحوتات الزوج من السيوف أو قرون وحيد القرن يمكن أن تبعد الأرواح الشريرة، أما منحوتات الثلاثة رماح المتقاطعة والفؤوس الحربية الموضوعة في مزهرية فتعكس تطلع الناس إلى النجاح في مسيرة العمل. ومن بين المنحوتات على أحجار المراسي صورة  ليو هاي، وهو كائن سماوي أسطوري للثروة.

بدأ الحرفيون في لِيلِي في نحت صور كاريكاتورية على الحجارة منذ حوالي مائة عام أو حتى قبل ذلك. تطورت الشخصيات التي نحتوها من أشخاص واقفين أو جالسين إلى صور أكثر تجسيدا لحركة الناس. بل وظهرت صورة وجه الثعلب أو وجه مبتسم لطفل في بعض الأحجار المنحوتة. كانت منطقة نهر جنوبي اليانغتسي غنية بالحرير ودود القز، وأصبحت هذه بطبيعة الحال موضوعا هاما للنحت على أحجار المراسي. عكست هذه المنحوتات الجميلة براعة الحرفيين القدماء والعالم الداخلي المتنوع للسكان المحليين.

الجسور القديمة

النهر الذي يتخلل لِيلِي اسمه الرسمي  نهر "ليتشوان". في العصور القديمة، كان الناس يعيشون ويمارسون أعمالهم بجوار النهر. في وقت مبكر يعود إلى فترة أسرة سونغ الجنوبية (1127-1276)، كانت لِيلِي مكانا تجاريا مشهورا ومزدهرا. في أوائل فترة أسرة مينغ (1368-1644)، كانت تجارة الأغذية محور النشاط الاقتصادي في ليلي، بالإضافة إلى تجارة بيع الحرير والقطن. مع إنشاء الشارع التجاري على ضفاف النهر، جمع العديد من السكان المحليين ثروة كبيرة، ثم قاموا بتمويل بناء وترميم الجسور. كان في لِيلِي وهي في أوج ازدهارها أكثر من 30 جسرا من أنماط مختلفة. بعضها مملوك لمعابد، وتم تمويل البعض الآخر من قبل الأثرياء. ما زال اثنا عشر جسرا منها موجودا حتى يومنا هذا، معظمها في شكلها الأصلي.

كان جسر تشينغلونغ (التنين الأخضر) في شرقي المدينة محميا بسياج حديدي وخشبي على الماء، ويفتح في الصباح ويغلق في المساء لتقييد دخول القوارب من أماكن أخرى. تم اتخاذ نفس الإجراءات الوقائية حول الجسور في المناطق الثلاث الأخرى من المدينة. لم تتعرض لِيلِي للدمار خلال حرب المقاومة ضد الغزو الياباني (1931- 1945)، وقال الناس إن هذا بفضل الحماية التي يوفرها السياج.

المساكن في الأزقة

كمركز تجاري في جنوب نهر اليانغتسي، كانت بلدة لِيلِي تحتضن أيضا سوقا واسعة التأثير. كانت الأرض بجانب النهر باهظة الثمن، وبنى الناس منازلهم خلف المتاجر على طول الشارع لتخزين البضائع أو السكن. جيل بعد جيل، امتدت المنازل وراء بعضها بعضا، لتشكل أزقة عميقة.

تميزت بعض الأزقة بالقصور المثيرة للإعجاب وتمت تسميتها على اسم العائلات الثرية المحلية، والبعض الآخر باسم نوع التجارة التي كانت تمارس هناك. على سبيل المثال، كان هناك زقاق أسرة تشو أو زقاق أسرة تشن، ورصفت الأزقة بألواح حجرية، ومن تحتها مجاري الصرف. أضاف الطحلب الذي يغطي الألواح لمسة طبيعية للأزقة القديمة.

كان السكان المحليون يؤجرون منازلهم الواقعة بجانب النهر للتجار. في وقت مبكر من الصباح كل يوم، تُفتح الأبواب الخشبية للمتجر لتبدأ نشاطها اليومي، حيث توضع مجموعة متنوعة من البضائع أمام البوابات، مما قلل من المساحة للمشاة وجعل الشرفات أضيق. وبرغم ذلك، لم يكن الناس يأبهون، بل وجدوا أن هذا الترتيب أسهل لهم للبحث عن بضائعهم المفضلة. ثم تحولت الشرفة إلى مكان متناغم ومزدهر.

كانت القصور التي في أعماق الأزقة أكثر هدوءا. أحدها هو المقر السابق للسياسي الوطني ليو يا تسي، الذي قضى معظم وقته في هذه البلدة من عام 1899 حتى 1928. هذا المقر الذي تحول حاليا إلى موقع ثقافي تحت حماية الدولة، بناه أولا المسؤول الكبير تشو يوان لي خلال حكم تشيان لونغ الإمبراطور في أسرة تشينغ (1636- 1912). تعكس هذه البناية المتناسقة، التي تضم ستة ديار، الطراز المعماري النموذجي لفترة أسرة تشينغ، وكان أحد أفضل النماذج المعمارية في منطقة جنوبي نهر اليانغتسي.

تصور منحوتات القرميد عند بوابة الدار الرابعة مشهدا للطيور التي تحيي طائر العنقاء في الجزء العلوي، ومشهد لقصر التنين تحت الماء في الجزء السفلي. كلاهما من القصص الخيالية الصينية. هنال رسوم على شكل السمك والتنين والجمبري وتموجات الشعاب المرجانية والمياه، تبدو وكأن الأسماك متأهبة للقفز في أحضان المشاهدين، ما يبرز البراعة الحرفية الرائعة للقدماء.

لِيلِي بلدة مائية تشبه الحلم. فيها كنيسة مسيحية تقف في وئام مع البلدة القديمة، وبوابة تذكارية على الطراز الصيني، وقصر كبير لمسؤول كبير قديم، وحدائق خاصة رائعة، وشارع تجاري صاخب على ضفتي النهر، وحرفيون متمسكون بالتقاليد، وسكان مضيافون. هي أيضا مكان للتخلص من التوتر وتتيح لزوارها فرصة الانسحاب من الحياة الحضرية الصاخبة.

--

تشاو يان تشينغ، كاتبة العمود.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037