سياحة < الرئيسية

أحافير تكشف سر الحياة قبل نصف مليار سنة!

: مشاركة
2019-04-03 12:03:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

على بعد حوالي خمسين كيلومترا جنوب شرق مدينة كونمينغ بمقاطعة يوننان، يقع جبل ماوتيان. المقطع الأول في اسم الجبل "ماو"، يعني القبعة في اللغة الصينية، وقد أخذ هذا الاسم لأنه يشبه القبعة. في ثمانينات القرن العشرين، اكتُشفت في هذا الجبل مجموعة من الأحافير، التي يعود تاريخها إلى 530 مليون سنة، مما أحدث هزة كبيرة في المجتمع العلمي الدولي، ووُصفت "بأحد أبرز الاكتشافات العلمية في القرن العشرين".

تنتشر الأحافير على شكل حزام متموج في جبل ماوتيان بطول عشرين كيلومترا وعرض 5ر4 كيلومترات، وهي مدفونة في عمق أكثر من خمسين مترا تحت الأرض. يقع جبل ماوتيان في داخل محافظة تشنغجيانغ، ولهذا سميت هذه الأحافير بمجموعة أحافير تشنغجيانغ، التي تُظهِر بوضوح العالم الحقيقي للحيوانات البحرية قبل ما يقرب من 530 مليون سنة، وتضم نماذج لكل من الإسفنجيات والفقاريات والحيوانات المنقرضة، وتقدم أدلة نفيسة لكشف أسرار التطور المبكر للحياة على كوكب الأرض، وهي المفتاح الذهبي للكشف عن أسرار"الانفجار الكمبري". في اليوم الأول من شهر يوليو 2012، أعلن الاجتماع السادس والثلاثون للجنة التراث العالمي، الذي عُقد بمدينة سانت بطرسبرغ في روسيا الاتحادية، عن إدراج مجموعة أحافير تشنغجيانغ في ((قائمة التراث العالمي)).

حل معضلة داروين

من أين جاء البشر؟ لا يزال هذا السؤال عن أصل الجنس البشري يشغل بال الناس منذ قديم الزمان. وفي علم الحفريات والجيولوجيا، ظل "الانفجار الكمبري" على وجه الخصوص مسألة معلقة عند أنصار نظرية التطور منذ زمن داروين.

وبعد دراسة طويلة، وجد العلماء أن كوكب الأرض، الذي يبلغ عمره حتى الآن 6ر4 مليارات سنة، كان في البداية عبارة عن صحراء بلا حياة، ولم تظهر حتى قبل نحو 2ر3 مليارات سنة، سوى الفطريات والطحالب الأحادية الخلية وغيرهما من النباتات المنخفضة المستوى للغاية في المحيطات. ولكن في بداية العصر الكمبري، فإن شكل الحياة على كوكب الأرض قفز فجأة من التفرد إلى التنوع؛ إذ ظهرت فجأة على مدى أكثر من عشرين مليون سنة، أشكال مختلفة من الكائنات الحية على سطح الأرض، تماثل أشكالها أساسيا المخلوقات الحديثة. وهو ما يعادل خلق أكثر من 90% من الأنواع الحيوانية في الوقت الراهن خلال 1% من تاريخ حياة الأرض، ووضع الإطار الأساسي لتنوع أنواع الحيوانات، وتسمى هذه الظاهرة بـ"الانفجار الكمبري" في معجم المصطلحات العلمية.

هناك العديد من التساؤلات والألغاز التي تشغل العلماء، مثل كيف نشأت الحياة؟ لماذا ظهرت الحياة بشكل انفجار مفاجئ؟ وللإجابة على التساؤلات المعقدة ولحلّ هذا اللغز، يعمل العلماء من جميع أنحاء العالم للعثور على أدلة مادية جديدة واكتشافها.

في صيف عام 1984، قام الباحث هو شيان قوانغ، بعد حصوله على شهادة الماجستير في معهد الأحافير بمدينة نانجينغ التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بزيارة جبل ماوتيان، للبحث عن أحافير تعود للعصر الكمبرى. وبعد أسبوع من البحث، لم يحصل على أي دليل أو معلومة. وبعد ظهر الأول من يوليو في ذلك العام، حصل هو شيان قوانغ على أحفورة بيضوية الشكل بحجم عملة معدنية، وبفضل خبرته وتجربته، استنتج أنها إحدى أحافير الحيوانات اللافقارية في الأزمنة الباكرة للعصر الكمبرى! منذ ذلك، فتح باب مجموعة أحافير تشنغجيانغ. وعلى مدى ما يزيد على عقدين من الزمن، قامت بعثات من علماء الحفريات المحلية والأجنبية بزيارات عديدة للتنقيب عن الحفريات على نطاق واسع في جبل ماوتيان وإجراء دراسات عن الحياة المبكرة، مما أثار ضجة واهتماما دوليين.

فُتِح باب علمي لاستكشاف انفجار الحياة على الأرض منذ 530 مليون سنة، في جبل ماوتيان في تشنغجيانغ، وهو ما أحدث دويا بين المتابعين والمختصين في أنحاء العالم. ومن بين مئات الآلاف من عينات الأحافير التي اكتُشفت في الجبل، ظهرت أشكال الحياة الحيوانية في فترة مبكرة للعصر الكمبري.

الحديقة الجيولوجية الوطنية في جبل ماوتيان

اليوم، في الموقع الأصلي الذي اكتشف فيه العالِم هو شيان قوانغ أول أحفورة، تم بناء متحف للأحافير على شكل قبعة مستديرة. يعرض المتحف كثيرا من نماذج الأحياء القديمة التي تم تكبير حجمها حسب أشكال الحيوانات الأصلية. إنها نماذج دقيقة حية، لا تتمتع بألوان وافرة فحسب، وإنما أيضا تمتاز بأشكال بارعة وعجيبة، فتوفر فرصة قيمة لعرض منظر قاع البحار العجيب الغامض في العصر الكمبرى.

داخل المعرض، توجد قاعة الرسوم المتحركة ذات الأربعة أبعاد، حيث تُعرض بصورة حية أحوال مائتي نوع من الأحافير المكتشفة، وفقا لخصائصها الذاتية ونمط معيشتها، مثل كيفية الحصول على الغذاء، واللعب، والتلامس، والتعرض للكوارث في النهاية. نفق زمن وعمر الحياة، باعتبار العصر الكمبرى الخط الرئيسي، ركن آخر في المتحف، يعرض مناظر قرون ما قبل التاريخ، مثل العصر الجوراسي، العصر الطباشيري باستخدام التكنولوجيا العالية كوسيلة رئيسية، ويمكن للناس العودة ذهابًا وإيابًا في الأنفاق الزمنية والفضائية، والتمتع بمناظر الأرض قبل التاريخ البشري واستكشاف أسرار الحياة.

الحفريات الموجودة في مجموعة أحافير تشنغجيانغ لا تحتفظ بالأنسجة الصلبة والناعمة للحيوانات ذات الهياكل العظمية فحسب، وإنما أيضا تحافظ على الحيوانات الناعمة المختلفة بشكل كامل، فطريقة دفنها فريدة ونادرة جدا في سجل الأحافير، تضم الأحافير أقدم حيوان حبلي معروف حتى الآن، وهو دودة يوننان، وأقدم حيوان فقاري، "سمك كونمينغ" و"سمك هايكو". إن هذه الأحافير المكتشفة لا تثبت أن أصل الحيوانات الفقارية أقدم خمسين مليون سنة مقارنة مع ما كان شائعا من قبل فحسب، وإنما أيضا تثبت تسلسل التطور من حيوانات اللافقاريات إلى الحيوانات الفقارية، الأمر الذي يعرض التطور السريع الفريد في عملية الحياة، يمكن القول إنه تطور هام لنظرية داروين للنشوء والتطور. حاليا، هذه الأسماك، باعتبارها السلف الأول لكل الحيوانات الفقارية، تم إدراجها في الكتب المدرسية والموسوعات والمعاجم العلمية والمتاحف في الصين والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وغيرها من دول العالم، وهي معلم تاريخي لعملية تطور الحياة على كوكب الأرض.

وقد أشارت تقارير لوسائل الإعلام الأجنبية إلى أنه لو كانت حشرات يوننان لحق بها ضرر في مسيرة تطورها، ما كان الجهاز العصبي للحيوان تطور على الإطلاق، وكانت الأرض ستصبح مثل القمر يسودها السكون والوحشة. بلا مبالغة، إن جبل ماوتيان هو مصدر الأسلاف الأولى لكل الحيوانات، وقد ظهر انفجار الحياة فيه، ثم تطور باستمرار. ويحافظ هذا الجبل الشامخ على ملفات الحياة الكاملة والوافرة على كوكب الأرض، التي ينتظر اكتشافها وبحثها من قبل أجيال متتالية من العلماء.

ومن أجل الحفاظ على سلامة كتلة مجموعة أحافير تشنغجيانغ وإظهارها للناس، كونها كنزا نادرا من الطبيعة، أغلقت حكومة تشنغجيانغ العديد من مناجم الفوسفات التي تشكل أحد الصناعات الرئيسية في المحافظة، وأنشأت في عام 2001 الحديقة الجيولوجية الوطنية في جبل ماوتيان. وتشمل هذه الحديقة منطقة محمية لأحافير العصر الكمبرى، تبلغ مساحتها 18 كيلومترا مربعا، وفيها بقعة مركزية مساحتها 2ر1 كيلومتر مربع، ستغلق أبوابها أمام الزوار لأغراض الحماية والبحث. متحف تشنغجيانغ للأحافير المتحجرة، الذي ما زال قيد الإنشاء، تبلغ مساحته اثنين وأربعين ألف متر مربع، وقد اكتمل بناء هيكله الرئيسي ويجري العمل حاليا في بناء منشآت العرض والمرافق الإضافية، ومن المتوقع افتتاحه في أكتوبر 2019.

بحيرات على الهضبة

كانت هضبة يونقوي التي يقع فيها جبل ماوتيان، بحرا قبل آلاف السنين، وقد أدت حركة قشرة الأرض إلى ارتفاع أرض الهضبة، وتكوين العديد من البحيرات في الجبال الأصلية، وبحيرة فوشيان التي تقع على بعد نحو عشرة كيلومترات جنوب شرق جبل ماوتيان واحدة من تلك البحيرات.

تبلغ مساحة بحيرة فوشيان 212 كيلومترا مربعا، وعمقها الأكبر 155 مترا، وهي ثاني أعمق بحيرة في الصين. يكمن جمالها في صفاء مائها، حيث تبلغ درجة الصفاء بين 9ر4 أمتار و11 مترا، والأعلى 5ر12 مترا. وقد وصفها الرحالة شيوي شيا كه (1587- 1641م) في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م) قائلا: "معظم الجبال في منطقة يوننان ترابية، ومياه البحيرات فيها غير صافية بسبب تأكل التربة، ولا نجد مياها صافية إلا في بحيرة فوشيان." تبدو البحيرة تحت ضوء الشمس متألقة وجميلة، بالإضافة الى القمم والأحجار المختلفة الأشكال والمتناثرة على شاطئها، والتي تجذب الكثير من الأدباء والشعراء لكتابة العديد من الأشعار الرائعة في وصف جمالها.

هناك عدد كبير من الآثار الشهيرة حول بحيرة فوشيان، يمكن تقسيمها إلى أربع مناطق ذات مناظر خلابة، هي: منطقة الشاطئ الشرقي للبحيرة، التي تتمحور حول البرك الساخنة والينابيع الحارة؛ منطقة الشاطئ الشمالي للبحيرة، وفيها منتجعات راقية؛ منطقة الشاطئ الغربي للبحيرة، التي تتميز بجمال قرية لوتشونغ؛ منطقة الشاطئ الجنوبي للبحيرة، وهي أول منطقة مناظر خلابة أنشئت خلال مسيرة تنمية البحيرة، وفيها منطقة قوشان، وهي أول منطقة مناظر خلابة على مستوى المقاطعة في يوننان.

قرية لوتشونغ هي منطقة مناظر خلابة على مستوى AAAA، بجانب بحيرة فوشيان، يحيط بها جبل تشيلين وجبل بيجيا، وغيرهما، وعليهما أشجار قديمة معمرة. إن الاستمتاع بشروق الشمس على جبل بيجيا في الصباح والتمتع بصيد الأسماك من بحيرة فوشيان في الليل باستخدام طريقة ساقية وسلة السمك، هما تجربة رائعة تستحق أن نعيشها. وبجانب مشاهدة شروق الشمس، يمكن للسياح الاستمتاع بالمنظر الجميلة الساحرة في مركب أو تجربة متعة الغوص في عالم المياه.

يعيش في بحيرة فوشيان نوع من الأسماك يسمى بـ"كانغلانغ"، أي سمك "مواجهة الأمواج". وسيلة صيد هذا السمك في القرية فريدة وقديمة، فالصياد المحلي لا يستخدم المركب والخطافات وشباك الصيد، بل يحفر كهوفا على شواطئ البحيرة، فتصبح هذه الكهوف أماكن لتكاثر السمك. ثم يربط الصياد الكهوف بالبحيرة ويضع في الكهوف السلال، ويجذب الماء من الكهوف إلى البحيرة باستخدام الساقية، فتتشكل أمواج تتجه من الكهوف إلى البحيرة، والأسماك التي تعرف بـ "كانغلانغ" تحب مواجهة الأمواج، لذا تتدفق إلى الكهوف، ثم تسبح إلى السلال. إن هذه الوسيلة الفريدة لصيد الأسماك تجذب كثيرا من السياح كل سنة، فبجانب الاستمتاع بمتعة صيد الأسماك، يستطيع السياح تذوق الأسماك اللذيذة التي تطبخ بطرق مختلفة.

لمعلوماتك:

الحديقة الجيولوجية الوطنية بجبل ماوتيان تقع على بعد اثنين وخمسين كيلومتراً من مدينة كونمينغ، حاضرة مقاطعة يوننان، وعلى بعد تسعة كيلومترات من محافظة تشنغجيانغ، يمكنك ركوب الحافلة رقم 9 في محطة كشيفانغ، والنزول في محطة دونغجيشاو، ثم المشي لمسافة أربعة كيلومترات إلى الحديقة. ويفضل الذهاب بالسيارة.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037