سياحة < الرئيسية

تشانغشا مدينة الثقافات القديمة والجديدة

: مشاركة
2018-05-02 13:54:00 الصين اليوم:Source :Author

"تشانغشا"، المدينة التاريخية التي لم يتغير اسمها لمدة ثلاثة آلاف سنة، تقع في الحوض الأوسط لنهر اليانغتسي، في شرقي مقاطعة هونان. هي عاصمة مقاطعة هونان ومسقط رأس شخصيات تاريخية لعبت أدوارا حاسمة في العديد من الأحداث المفصلية، مثل حركة إصلاحات المائة يوم (1898)، والثورة الديمقراطية القديمة (1840- 1919)، والثورة الديمقراطية الجديدة (1919- 1949).

 

موطن ثقافة تشو

تشانغشا مدينة عمرها حوالي ثلاثة آلاف سنة، فقد ظهر اسمها في وثائق تاريخ أسرة تشو الغربية (1046- 771 ق. م). ومنذ السنوات الأولى لتأسيسها، احتلت تشانغشا مكانة هامة في مملكة تشو. في عام 221 ق. م، وبعد أن نجحت مملكة تشين في إخضاع الممالك الست الأخرى، أنشأت ولاية تشانغشا. ولاحقا في عهد أسرة هان الغربية (202 ق. م.- 8 م)، أسست السلطة المركزية مملكة تشانغشا.

كانت مملكة تشو (1115- 223 ق. م)، التي تقع فيها مدينة تشانغشا، مملكة هامة في منطقة السهول الوسطى (في الحوض الأوسط- الأسفل للنهر الأصفر) في عهد أسرة تشو الغربية. لاحقا، توسعت المملكة بعد أن استولت على مساحات إضافية من الأرض خلال الحروب التي شنتها عبر سنوات، حتى استحوذت في نهاية المطاف على كل المنطقة التي تعرف اليوم بمقاطعة هونان، واتخذت من تشانغشا مدينة عسكرية هامة لها في الجنوب. فقد نقل قاطنو مملكة تشو الذين هاجروا من منطقة السهول الوسطى إلى الجنوب مهاراتهم ومعارفهم وخبراتهم معهم، وتقاسموها مع السكان المحليين. ساهم هذا الامتزاج في خلق ثقافة تشو المميزة التي شكلت توارثا وتطورا لثقافة السهول الوسطى، وأصبحت ثقافة تشو، بما تشمله من فنون وتاريخ وتعليم وآداب وفلسفة، بالإضافة إلى العادات الشعبية، مصدرا هاما من مصادر الثقافة الصينية التقليدية.

تشيوي يوان (339- 278 ق.م)، وهو من مملكة تشو، أول شاعر وطني على الإطلاق في تاريخ الصين، ويعد مؤسس الأدب الرومانسي في الصين، وممثل فن القصيدة القصصية لثقافة تشو. عانى تشيوي، وهو ابن أسرة أرستقراطية، من التهميش والنفي بسبب آرائه السياسية، وانتهى به المطاف الموت انتحارا بعد أن ألقى نفسه في نهر ميلوه حزنا على وقوع مملكة تشو تحت سيطرة مملكة تشين. عند انتشار خبر انتحاره، هرع أهالي تشو إلى النهر لانتشال جثته، وقاموا بإلقاء الأرز المطبوخ في النهر لمنع الأسماك والكائنات البحرية من الاقتتات على جثة تشيوي. ومن هنا جاء ما بات يعرف لاحقا بمهرجان قوارب التنين، التي تشمل فعالياته إجراء سباقات لقوارب التنين وتناول طعام "تسونغتسي"، الذي يصنع من الأرز اللزج الملفوف بأوراق الخيزران. في عام 2009، تم إدراج مهرجان قوارب التنين الصيني ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو".

تركت أعمال تشيوي الأدبية أثرا بعيد المدى على الأدب الصيني، فقد أثرى أسلوبه الشعري بشكل كبير التعبير الشعري، مما فتح أفقا جديدا في الإبداع الشعري. وحتى اليوم، لا يزال تشيوي نموذجا يحتذى به للكتاب في الصين، يستقون من مبادئه في المثالية وحب الوطن والسعي الدؤوب لمعرفة الحقيقة وجرأته في انتقاد السلطات.

كان تشيوي، الذي تم إرساله للعمل في وظيفة متواضعة في تشانغشا، دائم القلق على مصير بلاده وشعبه، لكونه مبعدا قسرا عنهم وعن الملك. وقد استلهم من رحلاته التي قام بها إلى نهري شيانغشوي ويوانشوي قصائده الوطنية الخالدة مثل ((الحزن بعد الرحيل)) و((تسع أغنيات)). وقيل إنه كان دائم التواصل مع جيرانه، وكان يتحدث مع السكان المحليين كثيرا في المدينة. كما كان يقوم بغسل ثيابه بجانب البئر في زقاق هادئ. وتخليدا لذكرى تشيوي، تم لاحقا تغيير اسم هذا الزقاق وبات يعرف باسم "تشاوجينفانغ"، الذي يعني حرفيا "مكان غسل الملابس". ومازال هذا الزقاق قائما حتى يومنا هذا في شارع تايبينغ في حي تيانشين بمدينة تشانغشا.

بعد أكثر من مائة عام على وفاة تشيوي، عانى رجل دولة بارز آخر من متاعب وآلام التهميش التي لحقت بتشيوي، وهو جيا يي (200- 168 ق. م) في عهد أسرة هان الغربية. تم إبعاد جيا عن السلطة ونقله إلى تشانغشا النائية ليعمل كمعلم متواضع لملك تشانغشا. انتقل جيا إلى مسكن كان قد طلب بأن يتم بناؤه بالقرب من البئر التي كان يرتادها تشيوي، ووضع فيه سريرا من الحجر، وقام بزراعة بعض أشجار الفاكهة في فناء المسكن. لم تفارق شؤون الدولة عقل جيا طوال فترة إقامته في هذا المكان التي دامت ثلاثة أعوام، كان خلالها يقدم متطوعا نصائحه بشأن القضايا الاجتماعية إلى إمبراطور أسرة هان الغربية. ساعدت رؤاه في الحكم في الحفاظ على وحدة أسرة هان.

تعد القصائد والمقالات الخالدة التي خلفها تشيوي يوان وجيا يي في تشانغشا إرثا ثقافيا ثريا وعميقا لهذه المدينة.

 لمعلوماتك

مقبرة ماوانغدوي لأسرة هان

تعود مقبرة ماوانغدوي، التي تقع في قرية ماوانغدوي بالقرب من نهر ليويانغ في منطقة فورونغ بتشانغشا، إلى عائلة لي تسانغ الذي شغل منصب رئيس وزراء مملكة تشانغشا في أوائل عهد أسرة هان الغربية. بقيت القبور على حالها لأكثر من ألفي عام، حيث لم تتعرض المقبرة لأي تخريب.

عثر في المقبرة على أكثر من ثلاثة آلاف قطعة أثرية ثقافية محفوظة، ومعظمها سليم، من أبرزها جسد محنط لأمرأة يعود تاريخه إلى ألفي عام تم اكتشافه في القبر رقم 1، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المخطوطات الحريرية التي وجدت في القبر رقم 3. يشكل هذان الاكتشافان على وجه الخصوص دليلا ماديا قويا تستند عليه البحوث التي تدرس بدايات عهد أسرة هان الغربية.

تم العثور أيضا على مجموعة متنوعة من التحف، مثل الأدوات اللكية والأقمشة الحريرية، ومنها معطف بطول 28ر1 متر مع أكمام طويلة لا يتجاوز وزنه 49 غراما. ومن القطع الأثرية الأخرى النفيسة التي عثر عليها لوحات حريرية، وقطع ملونة للتماثيل الصلصالية، وأدوات موسيقية، وأسلحة، وأختام، ومخطوطات حريرية. يتم الاحتفاظ حاليا بمعظم هذه القطع في متحف مقاطعة هونان.

 

المواصلات: الحافلات رقم 112 أو 204 أو 501، إلى محطة جنوبي مستشفى ماوانغدوي.

 

متحف تشانغشا لألواح نقوش الخيزران والخشب

هذا هو المتحف الوحيد في العالم المخصص لجمع وحفظ ودراسة وعرض ألواح نقوش الخيزران والخشب. يضم المتحف مائة وأربعين ألف قطعة لوحية من فترة الممالك الثلاث (اُكتُشفت عام 1996) وعشرين ألف قطعة من فترة أسرة هان الغربية (اُكتُشفت عام 2003). كما تضم معروضات المتحف مجموعة من أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة لوحة وقطعة برونزية وخشبية وذهبية وفضية. تعد ألواح نقوش الخيزران والخشب، التي كانت وسيلة الكتابة وحفظ الوثائق في العصور القديمة في الصين، الشكل الأقرب للكتب قبل انتشار الورق على نطاق واسع.

 

المواصلات: الحافلات رقم 124 أو 901، إلى محطة البوابة الغربية لتيانشينقه.

 

ماو تسي تونغ وتشانغشا

ماو تسي تونغ (1893-1976) هو مؤسس جمهورية الصين الشعبية، الذي غيّر مصير الأمة الصينية وترك بصمة لا تمحى في تاريخ العالم.

 

ولد ماو في أسرة ريفية في شاوشان بمحافظة شيانغتان، على بعد حوالي 90 كيلومترا من وسط مدينة تشانغشا. في شبابه، كانت الصين تشهد تغيرات هائلة وتعيش فترة من الاضطرابات السياسية. تأثر ماو بالعديد من الأحداث الكبرى من أهمها الحرب الصينية- اليابانية الأولى، وغزو الدول الثماني المتحالفة، وتأسيس جمهورية الصين، وفترة حكم أمراء الحرب، وحركة الرابع من مايو.

في عام 1911، انتقل ماو، وكان عمره ثماني عشرة سنة، إلى تشانغشا وبقي فيها لمدة عشر سنوات، حيث تابع دراسته هناك والتحق بالخدمة العسكرية وأصبح ناشطا سياسيا. ساهم هذا العقد من الزمن الذي قضاه ماو في هذه المدينة في صياغة أفكاره وبناء شخصيته وصقل موهبته، مما مهد له الطريق للصعود إلى مركز القيادة الوطنية.

تسنى لماو في مدينة تشانغشا قراءة الصحف للمرة الأولى في حياته، حيث كان يتابع الأحداث الرئيسية والآراء التقدمية لهذه الحقبة. كانت الصحف البوابة التي تعرّف من خلالها ماو على الأفكار الثورية والمفكرين ورجال الدولة المعاصرين، مثل صون يات صن، رائد الثورة الديمقراطية الصينية، وتشن دو شيو، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني، وهو شي، أحد داعمي حركة الثقافة الجديدة. سرعان ما أصبح ماو مناضلا من أجل بناء الصين الديمقراطية ضد قوى الإقطاع والاستعمار، وقام بتأسيس جمعية شينمين (الشعب الجديد) مع عدد من زملاء الدراسة، وناقش القضايا العالمية وشؤون الدولة، ودرس الثورة الروسية، سعيا للحصول على أجوبة تساهم في إنقاذ وإصلاح الصين.

في ذلك الوقت، على الرغم من سقوط أسرة تشينغ الإقطاعية، كانت الصين لاتزال مجتمعا شبه إقطاعي وشبه مستعمر يرزح تحت تأثير الاجتياحات الأجنبية والانقسامات التي زرعها أمراء الحرب. كان ماو يتطلع لإيجاد وسيلة لإنقاذ الأمة، فوجد ضالته في الماركسية، وسرعان ما أصبح من معتنقي الشيوعية الراسخين. في عام 1920، قاد ماو عملية تأسيس مجموعة الماركسية في تشانغشا، وحضر في عام 1921 المؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي الصيني كممثل عن تشانغشا. كان رائدا ومؤسسا للحزب الشيوعي الصيني.

كانت مدينة تشانغشا، كمركز ثقافي وسياسي واقتصادي في هونان، النافذة التي اطلع من خلالها ماو على الصين والعالم، ودخل عالم المعرفة الحديثة والأفكار الثورية.

 

لمعلومات

 جزيرة البرتقال الخلابة

تتوسط هذه الجزيرة، ذات المناظر الطبيعية الخلابة، نهر شيانغجيانغ على الجانب المقابل لمركز مدينة تشانغشا في الجهة الشرقية. تحيط بها المياه من كافة الجهات، ويصل امتداد أوسع نطاق لها إلى 140 مترا، بينما يبلغ امتداد أضيق نطاق لها 40 مترا فقط. اعتاد ماو تسي تونغ، الذي درس في تشانغشا في شبابه، الذهاب إلى هذه الجزيرة للسباحة أو مناقشة شؤون الدولة مع زملائه. على ضفاف هذه الجزيرة، كتب ماو قصيدة "تشين يوان تشون تشانغشا"، في عام 1925، قبل مغادرته تشانغشا إلى قوانغتشو، التي كانت مركز الثورة.

المواصلات: خط المترو رقم 2، إلى محطة جزيرة البرتقال (جيوتسيتشو).

      

متحف "مقر إقامة ماو تسي تونغ"

 

ولد ماو تسي تونغ في 26 ديسمبر عام 1893، في منزل عائلته الكائن في شمال غربي محافظة شيانغتان على بعد 90 كيلومترا من تشانغشا. أمضى طفولته ومعظم سنوات صباه في مسقط رأسه. تعرض منزل عائلته المبني من القش لحريق أدى إلى دماره كليا، ولكن سرعان ما شرع والده في بناء منزل آخر في نفس الموقع واستمر في توسيع رقعته. وبحلول عام 1918، اتخذ المنزل الجديد شكله النهائي الذي يماثل إلى حد كبير ما هو عليه الآن.

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، خضع المنزل للعديد من الإصلاحات للحفاظ على مظهره الأصلي. وفي عام 1964، تم تحويل موقع المنزل إلى متحف باسم "مقر الإقامة السابق لماو تسي تونغ"، حيث تعرض فيه تحف تاريخية وصور لماو وأفراد أسرته في فترة الثورات.

 

المواصلات: القطار السريع من محطة تشانغشا الجنوبية إلى محطة شاوشان، ثم الحافلة المخصصة لزوار المتحف.

 مركز للفنون الإعلامية

لا تنافس تشانغشا، من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بكين أو شنغهاي أو قوانغتشو، إلا أن صناعة الترفيه المحلية في المدينة ازدهرت بشكل كبير بفضل محطاتها التلفزيونية التي أنتجت العديد من العروض الشعبية مثل "المعسكر السعيد". قيل إن الفرد في تشانغشا ينفق على الاستهلاك الثقافي سبعة يوانات من كل عشرة يوانات يكسبها. تشكل السوق الضخمة للمنتجات الثقافية في تشانغشا القوة الدافعة لتنمية الصناعة الثقافية في المدينة.

"أنا الآنسة ما من قرية مالان في بلدة مالان على منحدر مالان لجبل مالان (مالانشان)." هذه العبارة الشهيرة لشيا نا، إحدى مقدمات برنامج " المعسكر السعيد"، جعلت من جبل مالان في تشانغشا مألوفا ومعروفا ليس فقط على مستوى مقاطعة هونان وإنما أيضا على مستوى الصين.

كان جبل مالان، الذي يقع في حي كايفو في تشانغشا، مجهولا قبل ذلك. في خمسينيات القرن العشرين، كان هنا فرع من مزرعة كبيرة مملوكة للدولة، واشتهر بزراعة الورد في المزرعة في الثمانينيات. ثم اكتسب المكان شهرة كبيرة عام 2000، بعد ظهور برنامج حمل اسم "موعد الورد" (لقاء البحث عن الحب والسعادة) على شاشة قناة هونان الفضائية، حيث تم تصوير وإنتاج هذا البرنامج في مزرعة الورد السابقة، وسرعان ما شكل نجاحا باهرا على مستوى البلاد بأكملها.

ارتبطت شهرة منطقة مالانشان بصناعة الإعلام التلفزيوني في هونان، إذ اختيرت موقعا لمركز الإذاعة والتلفزيون في هونان عام 1994. قد تغير حال المنطقة كثيرا بعد نقل موقع محطة تلفزيون هونان الفضائية ومحطة هونان الاقتصادية إليها. لم تعد هناك تلك الطرق الموحلة وبرك المياه والأراضي الزراعية التي كانت موجودة من قبل، وتحولت إلى بلدة تتميز بالفنادق والمطاعم الفاخرة، وأصبحت رمزا من رموز الموضة والحداثة.

إلى جانب العروض التلفزيونية، تحتضن تشانغشا أيضا العديد من المهرجانات، منها مهرجان النسر الذهبي للفنون التلفزيونية، ومهرجان جزيرة البرتقال للموسيقى، ومهرجان فن النحت الدولي، وغيرها. تحولت المدينة إلى مركز ثقافي إبداعي هام بفضل صناعة الثقافة الناشئة لديها التي تزداد اتساعا وتنوعا. يجري العمل حاليا في إنشاء حديقة إبداعية لصناعة الفيديو في منطقة مالانشان، بالإضافة إلى المنطقة الجامعية ومنطقة صناعة الإعلان، اللتين تم إنشاؤهما في المدينة.

في 1 نوفمبر 2017، منحت منطمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تشانغشا لقب "مدينة الفنون الإعلامية".

 

 

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037