كانت عقارب ساعتي تشير إلى الثامنة والربع مساء الأول من سبتمبر عام 2026، عندما رن هاتفي، ليخبرني سائق السيارة التي أرسلتها إحدى القنوات الفضائية المصرية لتقلني إلى مدينة الإنتاج الإعلامي بالجيزة في مصر، حيث سيجري لقاء محدد سلفا حول العلاقات الصينية- المصرية. نزلت من الفندق الذي كنت أحضر فيه فعالية بمناسبة زيارة الرئيس شي جين بينغ لمصر، والذي كان قد وصل قبل سويعات قليلة إلى القاهرة. سألت السائق عن حالة المرور، وتحديدا في الطريق المؤدي إلى المتحف المصري الكبير المقرر أن يزوره الرئيس شي، والذي لا بد أن نمر عبره إلى وجهتنا، فقال: "لا يوجد زحام، سنصل قبل الموعد." كانت أعلام مصر والصين ترفرف أمامنا فوق أعمدة الإنارة، مع لافتات ترحيب بضيف مصر الكبير. قال السائق: "هذه زيارة مهمة. الصين بلد صديق." لم يكن حديثه الودي حول الصين، لمدة نصف ساعة تقريبا، مختلفا عما يقال في ملتقيات البحوث والدراسات التي أشارك فيها والتي تعكس الثقة بالصين وتطلع العالم بشكل متزايد إلى "دبلوماسية اليقين" الصينية؛ اليقين بشأن السلام واليقين بشأن التعاون واليقين بشأن التقدم.
وفي الثالث والعشرين من سبتمبر عام 2026، وفي سابقة نادرة، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعقيلته ميلانيا، الرئيس شي جين بينغ وعقيلته بنغ لي يوان في قاعدة "أندروز" المشتركة. وتضمنت مراسم الاستقبال إطلاق طلقات مدفعية تشريفية، واصطفاف حرس شرف مكون من 21 فردا، وفريقين لحمل الأعلام يرفعان العلمين الصيني والأمريكي، وعزف فرقة القوات الجوية الأمريكية النشيدين الوطنيين الصيني والأمريكي، بالإضافة إلى تحليق طائرتين من طراز B-1فوق الموقع.
وقد نقلت وزارة الخارجية الصينية تصريحات مكتوبة أدلى بها الرئيس شي لدى وصوله إلى واشنطن، أكد فيها أن أكبر اقتصادين في العالم يمكنهما التعايش معا. وأضاف: "يمكننا، بل ينبغي علينا، معا إيجاد النهج الصحيح لكي تتعايش الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهما دولتان كبيرتان، بانسجام في العصر الجديد. وأنا واثق من قدرتنا على ذلك." وقال أيضا: "إن تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب، وبإمكان البلدين الإسهام في نجاح بعضهما البعض، مما يعود بالنفع على العالم بأسره".
الثقة بالصين لم تعد مقتصرة على دول أو مناطق ظلت تقليديا صديقة لها، وإنما تمتد اليوم إلى دول كان مؤشر ثقتها في الصين متواضعا. ويشير استطلاع أجراه مؤخرا مركز "بيو" للأبحاث الأمريكي، ونشر تقريره في الخامس عشر من يوليو عام 2026، إلى أن الصين تتفوق حاليا على الولايات المتحدة الأمريكية في مؤشرات القبول العالمي، وهي نتيجة مناقضة للاستطلاعات العالمية التي أجراها "بيو" على مدى عشرين عاما تقريبا. تقرير "بيو"، الذي استند إلى مقابلات مع أكثر من 42 ألف شخص في ست وثلاثين دولة حول العالم، وجد أن الصين باتت تحظى الآن بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة الأمريكية في معظم الدول التي شملها الاستطلاع. كما سجل الاستطلاع ذاته تحولا بارزا آخر؛ ففي الدول العشرين التي يتابعها المركز سنويا منذ عام 2023، تجاوز مستوى الثقة بالرئيس الصيني شي جين بينغ مستوى الثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وحسب تقرير للموقع الإلكتروني لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فإنه نظرا للمكانة المرموقة التي يتمتع بها مركز "بيو"، باعتباره المعيار الذهبي لرصد الرأي العام العالمي، فمن الصعب التقليل من أهمية هذه النتائج، التي لا تعد مفاجأة مدوية بقدر ما تمثل تأكيدا لاتجاه كان ظاهرا بالفعل في أماكن أخرى. ففي تصنيفات عام 2025 لمؤسسة "غالوب" الأمريكية المتخصصة في الاستشارات والتحليلات واستطلاعات الرأي، تفوقت الصين على الولايات المتحدة الأمريكية من حيث متوسط معدلات القبول.
لم تعد الصين تُقرأ من الخارج، أو بعيون أخرى. فمع تزايد أعداد المسافرين إلى الصين، للسياحة أو التجارة أو الدراسة أو حضور مؤتمرات وندوات، ومع التأثير الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي ومنها "تيك توك" و"يوتيوب"، باتت الصين أقرب إلى شعوب العالم، ويفقد الخطاب السلبي حول الصين تأثيره على نحو متزايد. في عام 2025، قام مواطنون أجانب بأكثر من 82 مليون رحلة عابرة للحدود إلى الصين، بزيادة بلغت نسبتها 4ر26% مقارنة بالعام السابق، وفقا لبيانات الإدارة الوطنية للهجرة في الصين. وقد دخل أكثر من ثلاثين مليون زائر البلاد من دون الحاجة إلى تأشيرة. وفي الربع الأول من عام 2026، زار ثمانية ملايين وثلاثمائة وعشرون ألف أجنبي الصين من دون تأشيرة. ومع تزايد انخراط الناس في التفاعل مع الصين عبر التجارة والسياحة والتبادلات الثقافية والتعليمية والشبابية، لم يعد ممكنا تقديم الصين وفقا لافتراضات قديمة بالية ومنحازة.
الثقة بالصين سبب، ضمن أسباب أخرى عديدة، يمكن أن يفسر الاهتمام العالمي الواسع بجولات الرئيس شي جين بينغ الخارجية، ومنها جولته الأخيرة في آسيا الوسطى وأفريقيا. فبينما باتت كلمات "مضطرب" و"مجزأ" و"فوضوي" هي الأكثر شيوعا لوصف المشهد العالمي الراهن، تبرز الدبلوماسية الصينية بطابع مختلف ومميز تماما، فهي ذات وتيرة ثابتة واتجاه واضح وتحرك سريع، مما يضفي على العالم قدرا كبيرا من اليقين الذي تشتد الحاجة إليه.
تسعى "دبلوماسية اليقين" الصينية إلى توفير مسار ثابت للمضي قدما وفتح قنوات التواصل وتهيئة بيئة يمكن التنبؤ بها للتعاون، وممارسة دور الدولة الكبرى بمسؤولية. ويستند هذا النهج إلى إمكانية التنبؤ بمسار التنمية والإستراتيجية الدبلوماسية للصين، فضلا عن عزمها الإستراتيجي على صون الاتجاه العام المتمثل في السلام العالمي والتنمية والتعاون. تقف الصين دائما في الجانب الصحيح من التاريخ، وتواصل بثبات السير في طريق التنمية المنفتحة والتعاون القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة.
تقدم الصين للعالم ثلاثة أشكال على الأقل من "اليقين": يقين بالسلام ويقين بالتعاون ويقين بالتقدم. وتعكس حالة اليقين الثابتة هذه خيار الصين الإستراتيجي الراسخ، المستمد من تاريخها وثقافتها وتجربتها التنموية ورؤيتها لمستقبل البشرية ومصيرها المشترك. وفي ظل تزايد القلق من انزلاق العالم نحو الاضطراب والفوضى، ترسم الصين مسارا واضحا وسط العاصفة، يتمثل في التمسك بالسلام كركيزة أساسية، وتسوية الخلافات من خلال العمل التنموي، وتعزيز الحوكمة العالمية عبر الالتزام المشترك بالتعاون. ولهذا السبب، تحظى "دبلوماسية اليقين" الصينية بترحيب واسع وترقب كبير من جانب العالم.
الملاحظ أن بعض التحليلات الغربية تعزو تنامي ثقة العالم بالصين إلى السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من فرض الرسوم الجمركية وتقليص المساعدات إلى ازدراء الحلفاء. وتشير تلك التحليلات إلى أن التقلبات في السياسة الأمريكية، بما في ذلك استخدام القوة والأضرار الاقتصادية الناجمة عن الرسوم الجمركية، قد أدت إلى تصلب المواقف الدولية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين باتت الصين تبدو الآن طرفا أكثر موثوقية. والحقيقة أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أن الثقة بالصين هي ثمرة طبيعية للنهج الذي تتخذه بكين مسارا ثابتا منذ تأسيس الصين الجديدة في عام 1949، وليس خَصْما من الثقة بدول أخرى. ويبدو أن تلك الرؤية الغربية لم تخرج بعد من إسار لعبة المحصلة الصفرية والنظر إلى العالم ككعكة من المصالح؛ ما يأخذه طرف منها يكون خَصْما من طرف آخر. في شهر مارس عام 2025، وخلال اجتماع مع ممثلي شركات دولية، قال الرئيس شي جين بينغ إن الشراكة مع الصين ستجلب المزيد من الفرص؛ فالإيمان بالصين هو إيمان بالغد، والاستثمار في الصين هو استثمار في المستقبل.
الصين شريك موثوق به، هكذا قال السائق المصري المشار إليه أعلاه. إن الفهم المتبادل شرط أساسي لتبديد أي أحكام مسبقة، في حين تنبع الثقة من إدراك منطق التنمية وفلسفة الحوكمة الاجتماعية التي تتبناها الدولة. إن فلسفة التنمية الجديدة في الصين، والتي تتسم بأنها مبتكرة ومنسقة وخضراء ومنفتحة وتشاركية، تقدم حلا علميا لتحديات التنمية، وتجيب في الوقت ذاته عن تساؤلات حول محركات التنمية ومساراتها مع دخول الاقتصاد الصيني مرحلة تنموية جديدة.
يواجه العالم اليوم تحديات جمة، مثل ضعف زخم النمو الاقتصادي واتساع فجوة الدخل والتلوث البيئي وتغير المناخ والرياح المعاكسة للعولمة وتركُز ثمار التنمية في أيدي قلة قليلة. وقد عجزت الحلول الدولية السائدة عن معالجة هذه القضايا بفعالية. وفي هذا السياق، ترسم فلسفة التنمية الصينية الجديدة بوضوح مسارا للخروج من المأزق العالمي الراهن، وتسهم في تحقيق التنمية البشرية على المدى الطويل.
لقد دأبت الصين على نصرة العدالة الدولية، مبرهنة بذلك على التزامها بمسؤولياتها كدولة كبرى. وانطلاقا من إرثها التاريخي العريق كأمة محبة للسلام، تتبنى الصين الفلسفة الكونفوشية في الحوكمة، ساعية لكسب الاحترام بدلا من السعي وراء المكاسب الاقتصادية أو الهيمنة العسكرية على الآخرين، حتى في أوج قوتها وازدهارها.
الصين، وهي دولة اشتراكية، لا تضع خطوطا فاصلة على أساس أيديولوجي، ولا تسعى لتصدير أيديولوجيتها؛ بل تؤمن بمبدأ المساواة بين جميع الدول، بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها. وقد حظيت مبادرات الصين، مثل مبادرة "الحزام والطريق" باعتبارها منفعة عامة عالمية، ورؤية "بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية"، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، بقبول وتأييد متزايدين في العالم. وعلى النقيض من استخفاف بعض الدول بالنظام الدولي، تشدد الصين على أهمية الالتزام بالقانون الدولي والمحافظة على النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، وفي القلب منه الأمم المتحدة.
يظل الاقتصاد الصيني قوة دافعة لازدهار واستقرار العالم. فمنذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، لعب النمو الاقتصادي السريع للصين دور المحرك للنمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي، حيث أتاح فرصا استثمارية واسعة، ووفر أسواقا ضخمة للصادرات، وقدم سلعا عالية الجودة. وعلى عكس بعض الدول التي تعتبر الوصول إلى أسواقها امتيازا خاصا بها، تواصل الصين التزامها بتعزيز الانفتاح المؤسسي، مع التركيز على توسيع نطاق الانفتاح بأسلوب منظم، وتعمل على تكييف نماذج التعاون بما يتناسب مع الظروف الوطنية للدول المختلفة، مما يتيح للعالم المزيد من الفرص في مجالي التصدير والاستثمار. الصين هي الدولة الوحيدة في العالم التي فتحت أسواقها من دون رسوم جمركية لمنتجات قارة بأكملها، هي قارة أفريقيا.
لا تصدر الصين الأزمات، ولا تعتمد على أساليب عدوانية للتنافس على المصالح. بل تركز على ترسيخ مسارها وإدارة شؤونها الداخلية بكفاءة، وهذا هو أعظم إسهام تقدمه للعالم. فاليوم، لا تزال سلاسل التوريد والصناعة العالمية تشهد اضطرابات وتغيرات، ويسود السوق الدولية نقص عام في الثقة والطلب والتوجه. وفي هذا السياق، تعد قدرة الصين على المحافظة على النمو محركا مهما لاستقرار الاقتصاد العالمي، إذ يُتيح انفتاح الصين مساحة أكبر للتعاون الدولي؛ كما يضخ تطويرها لقوى منتجة حديثة النوعية زخما جديدا في التحديث الصناعي العالمي والتحول الأخضر، وتوفر محافظة الصين على الاستقرار الاجتماعي للعالم شبكة إنتاج موثوقة وسوقا رحبة.
كما أن الثقافة الصينية تتمتع بجاذبية كبيرة، وتعكس صورة دولة جديرة بالثقة ومحبوبة وتحظى بالاحترام. فمع تاريخ يمتد لآلاف السنين، تشكل سمات الحضارة الصينية، المتمثلة في المصداقية المتأصلة في قيمها الحضارية، والجاذبية النابعة من تركيزها على الانسجام، والاحترام المستمد من سعيها نحو المصلحة العامة، جوهر هذه الحضارة، وتتلاقى في الوقت ذاته مع القيم الإنسانية المشتركة.
في المقابلة التلفزيونية المشار إليها أعلاه، قلت إن التعاون الصيني- المصري يعد نموذجا للتعاون بين دول "الجنوب العالمي" لوضع إطار للمشاركة في وضع المعايير الدولية، وبناء نظام عالمي يتسم بالعدالة والإنصاف. كما أن مواقف الصين تجاه القضايا العربية تعزز الثقة التقليدية للشعوب العربية في الصين. وأشير هنا إلى أنه قبل أربع سنوات، في عام 2022، أظهرت نتائج استطلاع أجرته شبكة "الباروميتر العربي" البحثية المستقلة غير الحزبية، التي تستضيفها جامعة برينستون الأمريكية، أن الصين تحظى بشعبية أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية بين شعوب غالبية الدول العربية التي شملها الاستطلاع. وأوضحت الدراسة التي أجرتها الشبكة في هذا الشأن، أن من ضمن أسباب شعبية الصين كونها قوة غير استعمارية، فضلا عن عدم وجود تدخلات عسكرية مباشرة لها في المنطقة العربية.
الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل تتراكم من خلال الاستمرارية والاستقرار والقدرة على الوفاء بالوعود. ومن يستطيع الصمود في وجه العواصف يصبح بطبيعة الحال ركيزة أساسية للآخرين.
