على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

المغزى الثقافي والاجتماعي لمائدة الطعام الصينية

: مشاركة
2026-09-29 15:19:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

الطعام في الصين ليس مجرد لقيمات تملأ المعدة وتسد الرمق بل تاريخ وثقافة وأدب وفن وعلاقات عامة، وفوق هذا وذاك متعة من نوع خاص. وللطعام مكانة مهمة في تكوين الشخصية الصينية. ويعد الحق في العيش الكريم أسمى حقوق الإنسان. ولطالما أولت الصين أولوية قصوى لحماية حقوق الإنسان، ولا سيما حق الشعب في العيش الكريم والتنمية. وقد وردت المقولة الصينية الشهيرة "الطعام هو الحاجة الأولى للشعب" لأول مرة في كتاب ((أسرة هان- هانشو)) الذي جُمع خلال فترة أسرة هان (206 ق.م.- 220م). وقد استشهد الرئيس الصيني شي جين بينغ بهذه المقولة في مناسبات عديدة، مؤكدا على أهمية توفير الغذاء الكافي للشعب. ويردد الصينيون حتى الآن مقولة "بالنسبة للحاكم الشعب هو السماء، وبالنسبة للشعب الطعام هو السماء". وتقول الأسطورة الصينية إن إمبراطور السماء منح حكام الصين القدماء مجموعة من ثمانية قوانين ليحكموا بها الشعب، أولها وأهمها كان القانون الخاص بالطعام. وهناك قول صيني شائع بأن "كل بيت ينبغي أن يكون فيه الحطب والأرز والزيت والملح وصلصة فول الصويا والخل والشاي". وجاء في التعليمات الصينية القديمة لشن الحرب: "يجب إرسال الحبوب وعلف الماشية قبل نشر القوات".

وقد أدرك مؤسس أسرة مينغ (1368- 1644م)، تشو يوان تشانغ (1328- 1398م) أهمية إمدادات الحبوب وتوفرها لمن يريد تولي السلطة في الدولة. وكانت الإستراتيجية الشهيرة والفعالة له هي: "شيد أسوار المدينة عالية وخزن الحبوب في كل مكان ولا تتسرع بإعلان نفسك إمبراطورا". وقد رفع ماو تسي تونغ (1893- 1976م)، شعارا مشابها خلال سبعينيات القرن العشرين، فقد قال ماو: "احفروا الأنفاق عميقة وخزنوا الحبوب في كل مكان ولا تتورطوا في الهيمنة." وهذا يعني إقامة ملاجئ واقية من القنابل، تخزين كميات كافية من الحبوب، وعدم الطغيان على الدول الأضعف.

وللمائدة في الصين آدابها الخاصة. وقد كان من عادة العشائر في الصين القديمة، أن تقيم مآدب بغرض مناقشة شؤون العائلة، وكان للطعام آداب ومراسيم خاصة. ويعتقد أن بوادر آداب ومراسيم الطعام للقاءات الجماعية قد نشأت منذ فترة أسرة شيا (القرن 21- 16 ق.م)، وما زال بعض من هذه العادات باقيا إلى اليوم.

تذكر مدونات السجلات التاريخية أن آداب ومراسيم المآدب الإمبراطورية كانت مسجلة في كتاب ((تشولي))، بينما سجلت مراسيم المآدب على مستوى الأمراء والنبلاء في كتاب ((ييلي))، وأما كتاب ((ليجي)) فيسجل دلالاتها ومغزاها. وهناك أيضا مراسيم صارمة للمآدب العادية. فترتيب جلوس المضيف والضيوف محدد بصرامة، حيث يجلس كبار السن والضيوف رفيعو المكانة في صدر المجلس. وحسب ما ورد في كتاب ((ليجي))، يبسط الحصير باتجاهي الجنوب والشمال، فيكون مقعد الغرب هو الأعلى شأنا؛ وإذا بسط باتجاهي الشرق والغرب، يكون مقعد الجنوب هو الأعلى شأنا. وكان الناس في الصين القديمة، قبل اختراع الطاولة والكراسي، يجلسون على الحصائر على الأرض لتناول الطعام. وبشكل عام، كان الضيف الأكبر سنا، يجلس متقدما قليلا عن الآخرين. وكان الضيوف ينهضون من جلوسهم عند تقديم الطعام أو وصول ضيف كبير، تعبيرا عن الاحترام. وقبل تناول الطعام، يقود المضيف ضيوفه في طقس تقديم قرابين الطعام والشراب للأسلاف الذين اخترعوا الطهي، اعترافا بفضلهم.  وكان مكان وضع الطعام يتبع قواعد معينة، حيث كانت الأطباق الجافة توضع على شمال كل ضيف، وتوضع أطباق المرق على اليمين. وتوضع الصلصة والتوابل والخل بحيث تكون في متناول يد الجميع. وليس من اللياقة أن يرفض الضيف ما يقدمه له المضيف من كل طبق، إذ يكون رفضه له تصرفا غير لائق. وبعد أن ينتهي الضيوف من الطعام، يشير المضيف إلى انتهاء المأدبة، وهنا يبدأ الضيوف بإبداء الرغبة في تنظيف الصحون وتجنيب الطعام المتبقي. ولكن، وبعد إلحاح متكرر من المضيف، يُسمح الضيوف للخدم بتنظيفها. هناك أيضا آداب مقبولة عموما لوجبات العائلة. وعلى سبيل المثال، على كل فرد أن ينتظر دوره في تقديم الطعام له وتناوله؛ وأن يبدأ بأكل الطعام الأقرب إليه، ويعد مد اليد فوق الصحون للوصول إلى طعام شهي شراهة. ومن سوء الأدب وقلة الذوق، المضغ بصوت مرتفع أو نحت العظم، وإعادة بقايا طعام إلى الطبق الذي يأكل منه الجميع أو رمي العظم للكلاب والقطط، التي عادة تكون قريبة من مكان تناول الطعام. ومن الأخلاقيات السيئة الاستئثار بطبق معين بحيث لا يحصل الآخرون على نصيب منه. وينبغي تناول المرق من دون إصداء صوت. وكان من تعاليم كونفوشيوس أنه لا كلام على الطعام، ولا ينبغي تناول طعام لم يتم إعداده وفقا للشعائر والطقوس. وقال كونفوشيوس أيضا إن الناس يجب أن يمتنعوا عن المشروبات الكحولية واللحم والأطعمة ذات النكهة القوية، مثل البصل والثوم، قبل تقديم القرابين للآلهة والأسلاف.

ومثلما كان يفعل الفراعنة، كانت شعائر الجنازة الصينية القديمة لا تشتمل فقط على تقديم قرابين من الطعام للآلهة والأسلاف، وإنما أيضا وضع طعام داخل القبر ليرافق المتوفى في العالم الآخر. وكان كونفوشيوس يذكر الطعام دائما عندما يتحدث عن معايير السلوك الأخلاقي، فأخلاق الفرد تتجلى على حقيقتها عند تناول الطعام، وقد قال: "إن المثقف الذي يصبو إلى الحقيقة، ثم يخجل من الملابس الرديئة والطعام السيئ، لا يصلح للحوار معه." 

ومثلما هو الحال في ثقافات عديدة ارتبطت أطعمة بأعياد محددة في الصين، وفي الغالب تكون ثمة علاقة بين الطعام والعيد، ففي عيد منتصف الخريف (عيد تشونغتشيو) يكون الكعك على شكل القمر، وفي عيد الربيع يأكل الصينيون "جياوتسي"، وهي كرات عجين محشوة باللحم والخضراوات تسلق في الماء، تكون على شكل قوالب ذهبية وفضية وأحيانا توضع في داخلها قطع نقد معدنية، رمزا للرخاء. والنودلز أو الشعرية ترمز للعمر المديد، ومن ثم فإن الصينيين يأكلونها في أعياد ميلادهم.

والطعام يعد من أهم وسائل التواصل الاجتماعي وإقامة العلاقات وعقد الصفقات في الصين ويعتقد الصينيون أن شخصية المرء تظهر بوضوح خلال تناول الطعام. وقد جاء في كتاب ((ليجي)): "المرء السامي يعطي الكثير للآخرين ويُبقي القليل لنفسه، يضع الآخرين أولا، ويضع نفسه أخيرا". وقد طبقت هذه المبادئ على تقاليد تناول الطعام الصينية، فالذين يبدأون بتناول الطعام قبل الآخرين، يأخذون أفضل الطعام لأنفسهم، فهم يؤْثِرون أنفسهم، والذين لا يقدمون مزيدا من الطعام للآكلين الآخرين يعتبرون أجلافا أنانيين. وخلال تناول الطعام، يكون عرض أفضل الطعام من كل طبق على الآخرين والإلحاح عليهم مرارا بأن يأخذوا المزيد تعبيرا عن الاحترام وإقامة الصداقات.

ومن آداب الطعام عند الجلوس إلى مائدة صينية، ألا تضع أعواد الطعام عموديا في سلطانية الأرز، ولكن أن تضعها في طبقك الذي تأكل منه، لأن ذلك تصرف غير مهذب بحق المضيف والحضور. والسبب في هذا هو أنه عندما يموت الشخص في الصين يتضمن ضريحه سلطانية من الرمل أو الأرز توضع بها أعواد الطعام عموديا. ومن ثم فإنك عندما تضع أعواد الطعام في سلطانية الأرز على هذا الشكل فإنها تبدو مثل الضريح وتعادل تمني الموت لشخص على طاولة الطعام. وعليك أن تتأكد من أن صنبور إبريق الشاي لا يواجه أي فرد وإنما يكون مواجها خارج الطاولة، ولا تنقر على سلطانيتك بأعواد الطعام، فهذا يفسر على أنه إهانة للمضيف أو الطباخ، فالمتسولون هم الذين ينقرون على سلطانياتهم وأيضا عندما يتأخر وصول الطعام في المطاعم ينقر الناس على سلطانياتهم.

وتلعب المأدبة دورا أساسيا في الزواج عند الصينيين، فمنذ قديم الزمان يلعب الطعام والشراب دورا لا غنى عنه في طقوس الزواج. فمن بداية الخطبة، يدخل الطعام في كل نشاط احتفالي له علاقة بالزواج. وما زالت الولائم تقام للاحتفال بالخطبة والزفاف وللاحتفال بمرور شهر على ميلاد الطفل وعيد الميلاد السنوي الأول له. ومن الميلاد إلى الممات يُحتفى بكل محطة مهمة في حياة الفرد بتجمع الأهل والأصدقاء لتناول الطعام والشراب. ولا تزال مأدبة الزفاف حتى الآن الركن الأهم في إتمام الزواج، فهي بمثابة الإشهار للزواج، وإذا أهمل شخص هذه التعبيرات الاحتفالية المعبرة عن المشاعر فإن الناس ينظرون إليه على أنه عديم الإحساس وعديم الثقافة.

وعلى مستوى العمل وحين تظهر مشكلة فإن الخاطر الأول هو دعوة الشخص القادر على حل الموقف إلى تناول الطعام معا. ويعتقد أن النتائج الأفضل يمكن التوصل إليها بمناقشة الأمور على غداء أو عشاء، وليس في جلسة عمل.

والكتب التي تتحدث عن الثقافة الصينية تحدد أربعة مطابخ، أي أنماط طعام، كبيرة معترف بها في الصين هي: مطبخ سيتشوان ومطبخ قوانغدونغ ومطبخ هواييانغ ومطبخ شاندونغ. في مطبخ سيتشوان، تستخدم المواد العادية لإعداد أنواع شتى من الأطباق وتتغير هذه الأنواع في الوجبات الثلاث يوميا طوال السنة. والمذاق الحار هو أكثر ما يميز أطباق سيتشوان، وتفسير ذلك أن حوض سيتشوان ضبابه كثيف وأيام مطره طوال، والمطر في الصيف طبعا، والجو رطب معظم الأوقات، والطعم الحار يخفف رطوبة جسم المرء. في مطبخ قوانغدونغ لا يكون الطعام مالحا؛ فبسبب حرارة الجو هناك، لا يفضل الناس الإكثار من الملح. والناس في قوانغدونغ يحبون المأكولات البحرية، فقوانغدونغ الواقعة على ساحل البحر تتوفر فيها موارد بحرية هائلة. ويتميز مطبخ هواييانغ بدقة الطهي والطعم الخفيف واللذيذ والمظهر الجميل والألوان المنسقة، ويشتهر بالكابوريا والأسماك النهرية والخضراوات. أما أطباق مطبخ شاندونغ، فتستخدم فيها المواد العالية البروتين وذات القدرة العالية على تحمل الحرارة، وذلك لطول فترة البرد وقلة أنواع الخضراوات في شمالي الصين، وهو مطبخ إمبراطوري بحق، وقد أرست تقنياته الأساس لـبط بكين المشوي الشهير الآن، الذي يعد تطورا بارزا ترجع جذوره إلى مطبخ شاندونغ.

وهناك أنواع أخرى من أنظمة الطعام في الصين، ومن أشهرها مطبخ شينجيانغ، ومن أبرز معالم أطعمته الكباب والمشويات الأخرى الشبيهة بأطعمة آسيا الوسطى والمنطقة العربية. وهناك القدر المنغولي، الذي ينسب إلى منطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم في الصين، وهو قدر يوضع على موقد ناره خفيفة، ويوضع في القدر حساء تضاف إليه رقائق اللحوم، التي تكون في سُمك ورق الكتابة، والخضراوات وغيرها، وتؤكل ساخنة مع إضافة بعض المشهيات إليها.

وثقافة المائدة الصينية لا تقتصر على الطعام، بل تشمل أيضا ثقافة الشاي، الذي يحتل مكانة محورية في الحياة الصينية. وتقول سجلات التاريخ إن الصين عرفت الشاي في أوائل فترة أسرة هان الغربية (206 ق.م- 24م)، حيث كان الشاي مشروبا يوميا في بيوت الأمراء. وكان الشاي يوضع، مع أشياء أخرى، في قبور الموتى. وفي زمن الأسر الجنوبية والشمالية (420- 589م)، شاع شرب الشاي في منطقة جنوب نهر اليانغتسي، وأصبح تقديم الشاي تعبيرا عن الترحيب والاحترام ومن أساسيات إكرام الضيف. وفي أوائل القرن التاسع الميلادي انتقل الشاي من الصين إلى اليابان وبلدان أخرى. وحتى اليوم، الشاي في الصين له طقوس ومهرجانات، ومنها المهرجان الدولي للشاي في فوتشو، عاصمة مقاطعة فوجيان، التي هي موطن الشاي الأحمر والشاي الأسود والشاي الأبيض وشاي الياسمين في الصين، فهذه المقاطعة لها تاريخ عريق في إنتاج الشاي منذ فترة أسرة جين الشرقية (317- 420م).

وفي الصين أربعة أنواع من مقاهي الشاي، وهي: مقهى بكين ومقهى سوتشو ومقهى قوانغدونغ ومقهى سيتشوان. في مقهى بكين يقترن شرب الشاي بالغناء والقص الشعبي، وهي عادة بدأت منذ فترة أسرة سونغ (960- 1279م)، وأشهر مكان للاستمتاع بهذه الأجواء الثقافية الشعبية هو مقهى لاو شه في بكين. وفي مقاهي سوتشو يُشرب الشاي مع الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الجميلة التي تشتهر بها سوتشو. وفي مقاهي قوانغدونغ، يُشرب الشاي أثناء تناول الطعام، أما في مقاهي سيتشوان، فإن الناس يحتسون الشاي أثناء الدردشة ولعب الشطرنج الصيني أو لعبة "ماجيانغ" الصينية.

ثقافة الطعام مدخل مهم لفهم ثقافة الصينيين وعاداتهم وسلوكياتهم، بل وطبيعة الشخصية الصينية. 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4