في نهاية شهر إبريل 2026، وبينما كانت دول العالم تحصي خسائرها الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، أعلنت لجنة التعريفات الجمركية التابعة لمجلس الدولة الصيني، أن الصين ستمنح عشرين دولة أفريقية تقيم علاقات دبلوماسية معها إعفاء من الرسوم الجمركية، اعتبارا من أول مايو 2026 حتى الثلاثين من إبريل 2028. الدول العشرون المعنية هي الدول غير المصنفة من بين الأقل نموا في أفريقيا، فتلك الأخيرة، وعددها ثلاث وثلاثون دولة، منحتها الصين بالفعل إعفاء على 100% من بنود الرسوم الجمركية منذ أول ديسمبر 2024.
في التاسع والعشرين من إبريل 2026، نقلت وكالة ((رويترز)) عن مسؤول كبير في "البنتاغون" قوله إن كلفة الحرب الأمريكية على إيران بلغت، حتى تاريخه، خمسة وعشرين مليار دولار أمريكي. بيد أن تقريرا لشبكة الأخبار الأمريكية "CNN" نشر في ذات اليوم، ذكر أن التكلفة الحقيقية أقرب إلى 40- 50 مليار دولار أمريكي عند احتساب تكاليف إعادة بناء المنشآت العسكرية الأمريكية واستبدال المعدات المدمرة. في إسرائيل، بلغت التكلفة المباشرة للحرب على إيران، حتى الثاني عشر من إبريل، ما يقرب من اثني عشر مليار دولار أمريكي. نحن هنا نتحدث عن تكلفة الذخائر والمعدات العسكرية وليس الخسائر الاقتصادية للطرفين اللذين شنا الحرب، ولا نتحدث عن الخسائر في الأرواح والدمار الهائل الذي لحق بالمنشآت المدنية والإنسانية والاقتصادية في إيران أو دول الخليج العربية، ولا عن الخسائر الهائلة التي تتكبدها دول العالم يوميا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل إمداد الغذاء والسماد والدواء ومستلزمات المعيشة وغيرها، ولا نتحدث عن التداعيات الجيوسياسية والقانونية والنفسية والإنسانية لهذه الحرب.
في الثامن والعشرين من فبراير، بعد ساعات من بدء الهجمات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، أعربت الصين عن قلقها البالغ ودعت إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، مؤكدة أنه ينبغي احترام سيادة إيران وأمنها ووحدة وسلامة أراضيها. وفي الأول من مارس، أعربت الصين عن رفضها وإدانتها الشديدة لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وفي الثاني من مارس، دعت كل أطراف الحرب إلى ضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، وفي الثالث من مارس، أكد وزير خارجية الصين وانغ يي، خلال محادثة هاتفية مع وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، بناء على طلب الأخير، أن الصين تعارض الضربات العسكرية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على إيران، مؤكدا أن استخدام القوة لن يؤدي إلى حل المشكلة بل سيخلق مشكلات جديدة وتداعيات خطيرة. وأضاف أن القيمة الحقيقية للقوة العسكرية لا تكمن في ساحة المعركة، بل في منع الحرب. وفي الخامس من مارس، قررت الصين إرسال تشاي جيون، مبعوث الحكومة الصينية الخاص لشؤون الشرق الأوسط، إلى المنطقة للعمل على تهدئة الوضع المتوتر، وقد وصل إلى السعودية بالفعل في الثامن من مارس، وزار أيضا الإمارات والبحرين والكويت ومصر، وأجرى محادثات مع وزراء خارجية تلك الدول ومع الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية، بشأن الوضع الإقليمي. وفي الثالث عشر من مارس، أعلن المتحدث باسم الخارجية الصينية أن جمعية الصليب الأحمر الصينية قررت تقديم معونات إنسانية عاجلة قيمتها 200 ألف دولار أمريكي لجمعية الهلال الأحمر الإيرانية. وفي السابع عشر من مارس أعلنت الصين عن حزمة معونات إنسانية عاجلة إلى كل من إيران والأردن ولبنان والعراق. وفي الرابع عشر من إبريل، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين مع ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، حيث أكد الرئيس شي موقف الصين الداعي إلى تعزيز السلام والمحادثات، وأكد مجددا أن الصين ستواصل القيام بدور بناء في هذا الصدد، وطرح مقترحا من أربع نقاط لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، حيث دعا إلى الالتزام بمبدأ التعايش السلمي، وحث على الالتزام بمبدأ السيادة الوطنية، واصفا السيادة بأنها أساس بقاء وازدهار جميع الدول، ولا سيما الدول النامية، ولا يجوز انتهاكها. وفيما يتعلق بالالتزام بمبدأ سيادة القانون على الصعيد الدولي، قال إنه يتعين التمسك بسلطة سيادة القانون على الصعيد الدولي، ورفض تطبيقها بشكل انتقائي، وذلك لمنع انزلاق العالم مجددا إلى قانون الغاب. ودعا إلى التمسك بشدة بالمنظومة الدولية وفي القلب منها الأمم المتحدة، وبالنظام الدولي القائم على القانون الدولي، وبالأعراف الأساسية للعلاقات الدولية التي تستند إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وأضاف الرئيس شي أنه ينبغي التنسيق بين التنمية والأمن، قائلا إن الأمن يجعل التنمية ممكنة، في حين أن التنمية تساعد في حفظ الأمن. وقال الرئيس شي إنه يتعين على جميع الأطراف العمل معا لتهيئة بيئة مؤاتية لتنمية دول منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، معربا عن استعداد الصين لإتاحة مشاركة هذه الدول في الفرص التي يوفرها التحديث الصيني النمط، لتعزيز أساس التنمية والأمن على الصعيد الإقليمي. وفي الحادي والثلاثين من مارس أعلنت الصين وباكستان مبادرة من خمس نقاط تجسد التوافق الدولي بشأن وقف إطلاق النار وتحقيق السلام. في تلك الأثناء، أجرى وزير خارجية الصين وانغ يي ما يقرب من ثلاثين اتصالا هاتفيا مع نظرائه في منطقة الشرق الأوسط ومع جميع أعضاء مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي بشأن الحرب على إيران. وفي السابع والعشرين من إبريل قال فو تسونغ، مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، إن السبب الجذري لحصار مضيق هرمز هو العمليات العسكرية غير القانونية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران. وقال أيضا إن الإفراط في استخدام الوسائل العسكرية لا يحل المخاطر بشكل جذري، بل سيزيد من حدة التوترات والمواجهات، ويخلق أزمات أمنية أكبر.
هذه المقدمة الطويلة ضرورية لبيان كيف كشفت الحرب على إيران، مرة أخرى وليست أخيرة، التناقض الصارخ في قيادة العالم، ما بين عقلية "الأمن المطلق" والهيمنة ولعبة المحصلة الصفرية التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية وذراعها في الشرق الأوسط، إسرائيل، في مقابل الرؤى والمقترحات والمبادرات الصينية المتطورة، والتي تتجسد تماما في مبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحوكمة العالمية، وهما إطاران يضمنان إعادة تشكيل النظام الدولي حول السيادة وعدم التدخل و"الأمن المشترك". لم يعد هذا مجرد كلام نظري، بل بات واقعا ملموسا لكل شعوب الكون.
المثير للاشمئزاز حقا، ولا أقول الدهشة، تلك التقارير الغربية التي تزعم أن الصين "تتربح" من التوترات في الشرق الأوسط. في الثلاثين من إبريل، رفضت وزارة الدفاع الصينية المزاعم بأن الصين "تكسب" من الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، واصفة إياها بالتلاعب السياسي، وفقا لتصريحات أدلى بها المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية، تشانغ شياو قانغ، الذي رفض أيضا بعض التقارير الإعلامية التي تزعم مسؤولية الصين عن الوضع الراهن في الشرق الأوسط. وقال تشانغ إن هذه المزاعم تتجاهل الحقائق وسخيفة للغاية، واصفا إياها بالتلاعب السياسي الذي يهدف إلى إلقاء اللوم على الصين. وأضاف تشانغ: "هذه حرب ما كان ينبغي أن تقع، ولا يستفيد منها أي طرف"، مؤكدا أن الصين ليست منشئة الأزمة ولا طرفا فيها. وأكد أن الصين لم تؤجج الصراع قط، ولم تسع إلى التربح منه، بل عملت باستمرار على تعزيز وقف إطلاق النار. وأشار المتحدث إلى أن الجانب الصيني سيواصل متابعة اقتراحه المكون من أربع نقاط، وسيسعى إلى خفض التصعيد، وسيلعب دورا بناء في تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط.
الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران ليست استثناء من سياسات الهيمنة وفرض النفوذ بالقوة والأمن المطلق ولعبة المحصلة الصفرية التي تنتهجها واشنطن منذ عشرات السنين. بيد أن ثمن هذا النهج بات واضحا وضوح الشمس للجميع. إن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وما تلاه من تصعيد وصل إلى تجميد حركة الملاحة في مضيق هرمز، قد دفع منطقة الشرق الأوسط إلى حافة الهاوية، مخلفا تداعيات تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي. والهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، الذي بدأ كاستعراض للقوة، تحول إلى دوامة خطيرة من الانتقام. في المقابل، اتخذت الصين مسارا مختلفا تماما. فمنذ بداية الأزمة، التزمت بموقفها الثابت، مؤكدة أن الحوار هو الحل الوحيد الممكن. والأهم من ذلك، أن الصين دعمت موقفها بأفعال ملموسة، كما أشرنا أعلاه. هذا الموقف الإستراتيجي الذي تنتهجه بكين ينسجم مع تراثها الفكري، فمفهوم "يي" أي "الاستقامة" في الفكر الكونفوشي يركز على الصواب الأخلاقي، بينما يحدد مفهوم "لي" أي "النظام واللياقة" الطريقة المثلى للتصرف. بعبارة أخرى، لا يكفي أن يكون المرء على صواب، بل يجب عليه أيضا أن يتصرف بالطريقة الصحيحة. ويعكس تركيز الصين على السيادة والأطر القانونية والإجراءات الدبلوماسية هذا الإرث الفكري. وبالمثل، فإن مفهوم "وو وي" أي "اللا فعل" الطاوي، والذي يساء فهمه غالبا على أنه عدم التدخل، يعني العمل بفعالية من دون فرض نتائج تخل بالتوازن الطبيعي. ويتوافق هذا النهج أيضا مع الفكر العسكري الكلاسيكي الصيني، ففي كتابه ((فن الحرب))، يؤكد الخبير العسكري الصيني سون تسي، أن أسمى أنواع النصر يتحقق من دون قتال، بينما أسوأ إستراتيجية هي توسيع نطاق الصراع باندفاع.
إن سعي إسرائيل، بدعم عسكري ومالي وسياسي ودبلوماسي أمريكي، إلى تحقيق "الأمن المطلق" أدى إلى حالة من "عدم الأمن المطلق" لإسرائيل نفسها ولدول الشرق الأوسط. تنتهج إسرائيل سياسة أمنية تقوم على التفوق العسكري والضربات الاستباقية، لإضعاف من تراهم خصوما لها، فضلا عن احتلال الأراضي وإنشاء مناطق عازلة. غير أن هذه الأساليب، التي تعتمد بإفراط على القوة العسكرية، لم تؤد إلا إلى إدخال إسرائيل نفسها في حلقة مفرغة من انعدام الأمن. وقد أثبت تاريخ المنطقة أن أي محاولة لتحقيق "أمن مطلق" في ظل بنية أمنية إقليمية مختلة، تعني بالضرورة تكريس "عدم أمن مطلق" لدى الأطراف الأخرى. ومن ثم، فإن هذا الشعور بانعدام الأمن هو الذي يدفع قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، إلى تطوير قدراتها في مجال الردع غير المتماثل. وقد عبر عن هذا المعنى وزير خارجية الصين وانغ يي في محادثته الهاتفية المشار إليها أعلاه مع وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، بالقول إن القيمة الحقيقية للقوة العسكرية لا تكمن في ساحة المعركة، بل في منع الحرب.
مبادرة الأمن العالمي، التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في الحادي والعشرين من إبريل عام 2022، في افتتاح منتدى بوآو الآسيوي، تدعو إلى تعزيز مفهوم أمني مشترك وشامل يقوم على الحوار بدلا من المجابهة، ويلتزم باحترام سيادة الدول ومراعاة شواغلها الداخلية، وحل النزاعات الدولية من منظور "الربح للجميع". وفي وقت يواجه فيه العالم تحديات غير مسبوقة، متشابكة ومعقدة، باتت الحاجة إلى مقاربة جديدة للحوكمة العالمية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وتمثل مبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحوكمة العالمية محاولة لتلبية تلك الحاجة، إذ تؤكد المبادرتان على الحوار والاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة، وتقران بأنه لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تملي شروط النظام العالمي من دون عواقب.
يقف العالم اليوم عند مفترق طرق، فإما أن يستمر في مسار المواجهة والإكراه، أو أن يتبنى إطارا يعطي الأولوية للحوار والتعاون واحترام السيادة، وإما أن ينزلق أكثر فأكثر نحو الصراع أو أن يسعى بقوة نحو السلام. إن القيادة العالمية الحقيقية لا تتعلق بمن يملك القدرة على شن الحرب، وإنما بمن يملك الحكمة لمنعها أو إنهائها. العالم أمام اختيار ما بين "الأمن المطلق" و"الأمن المشترك"، وما بين "لعبة المحصلة الصفرية" و"الرخاء المشترك".
