بعد انعقاد دام ثمانية أيام، اختتمت في الثاني عشر من مارس 2026، الدورة الرابعة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب الصيني، بحضور رئيس الصين، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، شي جين بينغ، وقادة آخرين من الحزب والدولة في قاعة الشعب الكبرى ببكين. في اليوم السابق، الحادي عشر من مارس، اختتم المجلس الوطني الرابع عشر للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني دورته الرابعة، بحضور شي جين بينغ وغيره من قادة الحزب الشيوعي الصيني والدولة أيضا.
في كل عام، يترقب الصينيون والعالم رقمين مهمين يصدران خلال "الدورتين"؛ الرقم الأول هو المتعلق بالمعدل المستهدف لنمو الناتج المحلي الإجمالي، والرقم الثاني هو المتعلق بالنسبة المقررة لزيادة ميزانية الدفاع الوطني. الرقم الأول مؤشر مهم للرأي العام العالمي لتفسير مسار الاقتصاد العالمي. والرقم الثاني، مؤشر لا يقل أهمية لفهم اتجاه القدرات الدفاعية للصين.
خلال الاجتماع الختامي للدورة الرابعة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب الصيني، أقر نواب الشعب تقرير أعمال الحكومة والخطوط العريضة للخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية (2026- 2030). كما أقروا قانون الإيكولوجيا والبيئة وقانون تعزيز الوحدة والتقدم بين القوميات وقانون التخطيط الوطني للتنمية. وأقروا أيضا قرارا بشأن تنفيذ خطة عام 2025 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية وبشأن خطة عام 2026 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، كما وافقوا على خطة عام 2026، فضلا عن اعتماد قرار بشأن تنفيذ الميزانية المركزية والميزانيات المحلية لعام 2025 وبشأن الميزانية المركزية والميزانيات المحلية لعام 2026، كما وافقوا على الميزانية المركزية لعام 2026، واعتمدوا قرارا بشأن تقرير أعمال اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وقرارا بشأن تقرير أعمال محكمة الشعب العليا، وقرارا بشأن تقرير أعمال نيابة الشعب العليا، وقرارا بالموافقة على تقرير اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني بشأن أعمال إصلاح القوانين والتعامل المقترح مع بعض القوانين والقرارات.
توفر "الدورتان"، كأهم حدث سياسي صيني داخلي، منصة لاستعراض أعمال الحكومة الصينية خلال العام المنصرم والاطلاع على خطط الصين للمستقبل، وهي خطط لا يقتصر تأثيرها على السياسات الداخلية وحياة المواطن الصيني ومستقبله فحسب، وإنما أيضا يمتد إلى كافة أنحاء العالم، بالنظر إلى الموقع الذي تحتله الصين في التفاعلات السياسية والاقتصادية الدولية. عقدت "الدورتان" لعام 2026 في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وجيوسياسية عالمية بالغة التعقيد، ومع ذلك أبرزت "الدورتان" العديد من المؤشرات الإيجابية، مع التركيز على التنمية العالية الجودة والابتكار التكنولوجي والمرونة الاقتصادية، وذلك مع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة. ومن أبرز المؤشرات الإيجابية: أولا، النمو الاقتصادي المستهدف، إذ حددت الصين هدفا لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 بنسبة تتراوح بين 5ر4% و5%، مع التركيز على التنمية "العالية الجودة" بدلا من مجرد زيادة حجم الإنتاج. ويشير هذا إلى تحول إستراتيجي نحو نمو مستدام طويل الأجل؛ ثانيا، التركيز على الصناعات المستقبلية. تولي الحكومة الصينية أولوية قصوى لـ"القوى المنتجة الحديثة النوعية"، مع التركيز بشكل كبير على دعم قطاعات مثل تكنولوجيا الكم والتصنيع الحيوي والهيدروجين والطاقة النووية الاندماجية وواجهات الدماغ والحاسوب والذكاء الاصطناعي المدمج وشبكات الجيل السادس للاتصالات النقالة؛ ثالثا، تحقيق المزيد من الاعتماد على الذات في التكنولوجيا من خلال زيادة الدعم للبحث والتطوير وتسويق الابتكارات؛ رابعا، الانفتاح والاستثمار الأجنبي. فعلى الرغم من التحديات العالمية، أشارت الحكومة إلى استمرار انفتاح الاقتصاد، بما في ذلك زيادة فرص الوصول إلى قطاع الخدمات وبرامج تجريبية في القطاع الرقمي لجذب الاستثمار الأجنبي؛ خامسا، تبني سياسة إيكولوجية استباقية. إن طرح مسودة قانون الإيكولوجيا والبيئة الجديد وإقراره يشير إلى نهج أكثر حزما وقائما على سيادة القانون للتنمية الخضراء، بما يدعم هدف الصين المتمثل في بلوغ ذروة انبعاثات الكربون بحلول عام 2030. وكانت الكلمات المفتاحية التي أثارت الانتباه في "الدورتين" هذا العام هي: القوى المنتجة الحديثة النوعية، التحديث الصيني النمط، الانفتاح العالي المستوى، التنمية الخضراء، الديمقراطية الشعبية بعملياتها الكاملة.
وقد ورد في تقرير أعمال الحكومة أن "الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021- 2025)" اكتملت بنجاح، وأن التحديث الصيني النمط خطا خطوات جديدة ثابتة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن "الخطة الخمسية الرابعة عشرة" صادفت فترة شديدة الصعوبة والتعقيد على المستويين المحلي والدولي، سواء من حيث تداعيات جائحة كوفيد- 19 أو التوترات والصراعات الدولية والسياسات الحمائية ومناهضة العولمة، إلى آخره، ومع ذلك حققت أهدافها الرئيسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن المهم هنا أيضا الإشارة إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للصين من مائة وعشرة تريليونات يوان إلى مائة وأربعين تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 9ر6 يوانات تقريبا حاليا)، مع تعزيز الابتكار والطاقة الخضراء وصناعات التكنولوجيا العالية، مما يمثل تحولا نحو تنمية عالية الجودة رغم التحديات على الساحة الدولية. ما يثير الإعجاب أيضا أن الصين استطاعت خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي بنسبة 4ر5% في المتوسط وخلق ما يقرب من ستين مليون فرصة عمل جديدة، وارتفاع متوسط العمر المتوقع للفرد إلى 25ر79 سنة في عام 2025، بزيادة 32ر1 سنة عن عام 2020. هذا يعني أن الصين تضع الشعب في المقام الأول فعلا لا قولا. يؤكد ذلك ما ذكره لي هاي تشاو، رئيس لجنة الصحة الوطنية الصينية، في السابع من مارس 2026، بأن السنوات الخمس المنصرمة هي فترة شهدت تقدما تاريخيا لقطاع الرعاية الصحية في الصين مع تحسينات ملحوظة في عدة جوانب. وأضاف أن تبني سياسة تعطي الأولوية للخدمات على المستوى القاعدي قد أدى إلى زيادة مطردة في الزيارات إلى مؤسسات الرعاية الصحية على المستوى الأولي، والتي تعاملت مع 6ر52% من جميع التشخيصات والعلاجات الطبية على الصعيد الوطني في عام 2025، كما أن المزيد من العاملين في مجال الرعاية الصحية يخدمون المجتمعات الحضرية والريفية على حد سواء. اللافت أن أكثر من 90% من السكان يمكنهم اليوم الوصول إلى أقرب مرفق للرعاية الصحية في غضون خمس عشرة دقيقة سيرا على الأقدام. وأشار لي هاي تشاو إلى أنه حتى نهاية عام 2025، كان لدى الصين أكثر من 1ر1 مليون مؤسسة طبية ورعاية صحية، وأكثر من 16 مليون عامل في مجال الرعاية الصحية، موضحا أن الجهود ستركز في المستقبل على تعزيز خدمات الرعاية الصحية على المستوى الأولي وتحسين خدمات طب الأطفال والصحة النفسية والطب العام والتمريض التأهيلي، وغيرها من الخدمات. كما سيستمر استخدام الفرق الطبية المتنقلة والعلاج الطبي عن بعد والاستشارات عبر الإنترنت، لتوسيع نطاق وصول السكان إلى خدمات الرعاية الصحية. وأكد السيد لي على أن الصين تهدف إلى زيادة متوسط العمر المتوقع للفرد إلى حوالي 80 عاما، من خلال الجهود المخطط لها خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
بالعودة إلى الرقم 5ر4%- 5%، كنسبة مستهدفة لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، فإنه يعد مؤشرا بالغ الأهمية في الرأي العام العالمي لتفسير مسار الاقتصاد العالمي. في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية وضعف زخم الانتعاش الاقتصادي العالمي، تظهر الخطة الاقتصادية التي قدمتها الصين عزيمة إستراتيجية وفعالية في السياسات وحيوية تنموية وقدرة على الحوكمة. ولا يقتصر دورها على كونها دحضا قويا لسردية "ذروة النمو الصيني"، بل تمثل أيضا مصدرا نادرا لليقين في عالم يزداد تقلبا. وحسب خبراء الاقتصاد، فإن هدف النمو الذي يتراوح بين 5ر4% و5%، هو استنتاج علمي مبني على حسابات دقيقة وتقييمات شاملة للمخاطر. فهو يرسي حدا أدنى للنمو مع إتاحة هامش واسع للمرونة. الاقتصاد الصيني اقتصاد عملاق يتجاوز إجمالي ناتجه 140 تريليون يوان، والزيادة الاقتصادية للصين في عام 2024 وحده تعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدولة متوسطة الحجم. ويظهر تحليل أجراه صندوق النقد الدولي أنه عندما يرتفع معدل النمو في الصين بنسبة نقطة مئوية واحدة، فإنه يسهم في رفع مستويات الإنتاج في الاقتصادات الأخرى بمعدل 3ر0 نقطة مئوية. وبالمقارنة مع الاقتصادات الكبرى الأخرى، فإن هذا النمو ليس "منخفضا" وليس "بطيئا" وفقا للمعايير العالمية.
والأهم من ذلك، أن هذا الهدف يولي اهتماما أكبر للجودة. فهو يحول تركيز التنمية بشكل حاسم نحو الابتكار التكنولوجي والتحول الأخضر واستقرار ومرونة سلاسل التوريد والصناعة، بدلا من السعي وراء الأرقام. يتيح تحديد هذا الهدف مجالا إستراتيجيا قيما للمناورة مع دخول الإصلاحات الهيكلية مرحلة أكثر عمقا، مما يضمن قدرة الاقتصاد الصيني العملاق على المضي قدما بثبات في مواجهة التحديات المعقدة والظروف الصعبة. علاوة على ذلك، يجسد هذا الهدف عزيمة إستراتيجية، فهو لا يتأثر بالتقلبات القصيرة الأجل ولا يتأثر بالآراء الخارجية، بل يلتزم التزاما راسخا بالبحث عن الحقيقة من خلال الحقائق في جميع الأوقات، ويتقدم بثبات على طريق التنمية العالية الجودة. وقد ذكرت مجلة ((الإيكونوميست)) مؤخرا أن تعديل النسبة المستهدفة "يمنح صانعي السياسات مساحة أكبر لإعطاء الأولوية للإصلاح الهيكلي وتحسين جودة البيانات".
كما هو معلوم، تثير تقارير بعض وسائل الإعلام الغربية الشكوك حول الاقتصاد الصيني، زاعمة أنه سيفقد محركه الأساسي من دون قطاع العقارات والصناعات التحويلية المنخفضة التكلفة. هذا التفكير يتجاهل طفرة الابتكار التي تشهدها الصين حاليا وبزوغ دور قيادي للقوى المنتجة الحديثة النوعية والعالية الجودة بزخم غير مسبوق. فمن النجاح العالمي للصناعات الثلاث الجديدة؛ مركبات الطاقة الجديدة وبطاريات الليثيوم أيون ومنتجات الطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى قدرة الصين على مواكبة بل وريادة مجالات متقدمة مثل الجيل الخامس للاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، فضلا عن الريادة في استكشاف "الآفاق المجهولة" للعلوم والابتكار التكنولوجي، مثل صناعات المستقبل، تحققت اختراقات شاملة في مجالات التكنولوجيا الأساسية. هذا ليس مجرد تحول صناعي بسيط، بل هو تحول جذري يعيد تشكيل حدود الإنتاجية نفسها.
إن هدف النمو الذي تم تحديده ليس مجرد استنتاج علمي، بل هو أيضا التزام جاد بتطلعات الشعب الصيني لحياة أفضل. ومن الجدير بالذكر أن الصين، من خلال التنظيم الاقتصادي الكلي العابر للدورات الاقتصادية والسياسات الصناعية الموجهة، تنفذ مجموعة منسقة من التدابير السياسية لضمان جودة كل نقطة مئوية من النمو، وتنفيذ السياسات التي تعود بالنفع على الأفراد والشركات بفعالية. إن فعالية هذه السياسات العالية الجودة والموثوقة ليست فقط ضمانة أساسية للاقتصاد الصيني ضد الصدمات الخارجية، بل هي أيضا واحدة من أثمن وأندر "أصول الائتمان" في نظر المستثمرين العالميين.
إن مواصلة الصين توسيع انفتاحها العالي المستوى على العالم، والبناء المشترك العالي الجودة لمبادرة "الحزام والطريق"، لهما تأثير بالغ على التنمية العالمية وانعكاسات إيجابية على تنمية الدول المختلفة. هذا يعني أن الصين تواصل إسهامها الضخم في التنمية العالمية عبر دفع العولمة الاقتصادية وتقوية سلاسل القيمة العالمية للدول المشاركة، وتوفير فرص استثمارية ضخمة. يسهم هذا النهج في صون مصالح الدول النامية وتطوير البنية التحتية وتعزيز التبادل التجاري والتعاون التكنولوجي، مما يدعم السلام والاستقرار العالمي. وأبناء المنطقة العربية يلمسون هذا بوضوح من خلال المشروعات العملاقة التي يجري تنفيذها في إطار البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، في مصر والسعودية والإمارات والجزائر والمغرب وغيرها من الدول العربية. إن مواصلة الصين الانفتاح العالي المستوى يعني المزيد من التعاون العلمي والتكنولوجي وفتح السوق الصينية الضخمة للمنتجات والاستثمارات العالمية، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات لم يسبق لها مثيل منذ قرن من الزمان، كما قال الرئيس الصيني شي جين بينغ. إن العالم يستفيد من إسهامات الصين التي تعمل على تعزيز التنمية والسلام في وقت تعصف فيه الأزمات بكل أرجاء المعمورة.
إذا كان الهدف الأسمى للديمقراطية هو تحقيق مصالح الشعب، فإن الحقائق تثبت نجاح الممارسة الديمقراطية في الصين، من خلال نظام سياسي يمثل المجلس الوطني لنواب الشعب واحدا من أهم أعمدته. وفي وقت تتزعزع فيه ثقة شعوب دول كثيرة بقدرة أنظمتها السياسية على التعاطي مع الأزمات ومواجهة التحديات، تتعزز ثقة الصينيين في النظام السياسي لبلدهم.
