على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

من "التهديد الصيني" إلى "الصين الرائعة".. الغرب يتحول

: مشاركة
2026-02-14 14:36:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في منتصف تسعينيات القرن العشرين، بدأ يتشكل في الغرب ما يمكن أن أطلق عليه "نسخة جديدة" من نظرية "التهديد الصيني". كانت البداية بمقالة في عام 1994، للمحلل البيئي الأمريكي لستر راسل براونز، بعنوان "من سيطعم الصين؟"، ثم كتاب للكاتب نفسه صدر في العام التالي بعنوان "من سيطعم الصين؟ جرس إنذار لكوكب صغير"، حيث جادل السيد براونز بأن النمو السكاني الهائل في الصين وارتفاع مستويات المعيشة سيتجاوزان الإمدادات الغذائية العالمية، مما سيجبر الصين على استيراد كميات ضخمة من الغذاء، وقد يتسبب ذلك في مجاعة أو صراع. كان عدد سكان الصين آنذاك مليارا ومائتي مليون نسمة. البعض في الغرب ذهب إلى أبعد من ذلك، بالتحذير من أن الصين قد تضطر إلى "غزو" بلدان مجاورة للحصول على غذاء لسكانها. استندت هذه الفكرة إلى حقيقة أن الصين كانت تطعم سكانها خمس سكان العالم آنذاك، بما يعادل 7% فقط من المساحة المزروعة في العالم. صار هذا المفهوم، لاحقا، جزءا من خطاب "التهديد الصيني" الأوسع في الغرب، الذي ركز على المخاطر المتصورة الناجمة عن صعود الصين السريع اقتصاديا وعسكريا، بما يشكل، وفقا لهذا الخطاب الغربي، تحديا كبيرا للنظام العالمي القائم؛ إذ تسعى الصين من خلال التوسع العدواني والتحديث العسكري وتقويض القيم الديمقراطية، إلى إزاحة الولايات المتحدة الأمريكية عن صدارة القوى العظمى المهيمنة.

انبثق خطاب "التهديد الصيني" من تصورات خاطئة وتشعبت منه مفاهيم أكثر خطأ، فقد اعتمد دعاة هذا الخطاب ثلاثة منطلقات لدعم فرضية "التهديد الصيني": أولا، العوامل الأيديولوجية؛ فتمسك الصين بالنظام الشيوعي جعلهم ينظرون إليها نظرة سلبية. وقد أضاف عالم السياسة الأمريكي الشهير صموئيل هنتنغتون عاملا ثقافيا؛ ففي صراع الحضارات، يعد "التحالف المشؤوم بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشية"، وفقا للسيد هنتنغتون، التهديد الأكبر للغرب. ثانيا، العوامل الجيوسياسية والجيواقتصادية؛ فبعد أن تخلصت الصين من قيودها الأيديولوجية، وكقوة كبيرة من حيث المساحة والسكان والاقتصاد، تسعى وراء مصالحها وفرض احترامها. وقد تدفع النزعة القومية الصين إلى مسار الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذا رفضت الأخيرة التكيف أو المشاركة في القيادة، في ظل صعود الصين كقوة عظمى. ثالثا، انهيار الصين، وهي نظرية تم الترويج لها لفترة من الزمن وتجلت بوضوح في كتاب ((الانهيار الوشيك للصين)) للمحلل السياسي الأمريكي غوردون غوثري تشانغ، الصادر سنة 2001، إذ تصور البعض في الغرب بأن الصين سوف تنهار، وقد يؤدي انهيارها المفاجئ على غرار ما حدث في الحقبة السوفيتية، وخروجها عن السيطرة، إلى سيناريو أسوأ. بل إن السيد تشانغ تنبأ بالسنة التي ستنهار فيها الصين وهي 2011. المثير للسخرية أنه في شهر ديسمبر 2011، عدل تشانغ توقيت عام الانهيار المتوقع إلى سنة 2012.

تجاهل دعاة نظرية "التهديد الصيني" أو "انهيار الصين" وغيرهما من نظريات شيطنة الصين، مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن: "يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت." وربما لم يسمعوا بمقولة الشاعر العربي أبي الطيب المتنبي: "السيف أصدق أنباء من الكتب، في حده الحد بين الجد واللعب." لم يكن اللعب بالحقائق ليستمر طويلا. لقد أكدت الصين غير مرة أن صعودها سلمي، وكان ذلك واضحا ومبكرا، ففي ديسمبر عام 2003، وفي كلمته بجامعة هارفارد الأمريكية، طرح رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك ون جيا باو مفهوم "الصعود السلمي للصين"، الذي تضمن ما يلي: أولا، تعتمد تنمية الصين على السلام العالمي، وستساهم فيه بدورها؛ ثانيا، تلجأ الصين إلى الوسائل السلمية لتحقيق التنمية؛ ثالثا، تعتمد تنمية الصين بشكل أكبر على موارد الصين وسوقها؛ رابعا، الصين مستعدة لعملية طويلة الأمد من العمل الجاد، قد تمتد لأجيال، لتحقيق الازدهار الاقتصادي. أخيرا، حتى مع تحقيق الصين لتنميتها الاقتصادية، فإنها لن تسعى للهيمنة على العالم ولن تشكل تهديدا لأي دولة. وفي ظل المبدأ التوجيهي "الصعود السلمي للصين"، مارست الحكومة الصينية دبلوماسية نشيطة تضمنت إقامة شراكات إستراتيجية مع القوى العالمية وتعزيز "سياسة حسن الجوار" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والسعي إلى التعاون وتجنب المجابهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن طرح العديد من المبادرات التي يمكن اعتبارها "منفعة عامة" عالمية، ومنها مبادرة "الحزام والطريق" ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحضارة العالمية، وأخيرا مبادرة الحوكمة العالمية، مع الانخراط في أطر إقليمية وعالمية مثل منظمة شانغهاي للتعاون ومجموعة "بريكس" ومنتدى التعاون الصيني- الأفريقي ومنتدى التعاون الصيني- العربي ورابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، وغيرها.

بمرور الوقت، فقدت نظرية "التهديد الصيني" جاذبيتها، ولكن البعض في الغرب ظل مصرا على شيطنة الصين، فظهرت افتراءات مثل "الاستعمار الصيني الجديد"؛ لوصف التأثير الاقتصادي والسياسي المتزايد للصين حول العالم، خاصة في أفريقيا وآسيا عبر الاستثمار الضخم، و"فخ الديون"؛ بزعم أن الصين تغرق الدول النامية بقروض مشروعات بنية تحتية مما يوقعها في ديون لا تستطيع سدادها، فتجبرها الصين على التنازل عن أصول إستراتيجية لها، و"فخ ثيوسيديدس" الذي صاغه عالم السياسة الأمريكي غراهام أليسون، وهلم جرا. أثبتت الحقائق أن ما يسمى بـ"التهديد الصيني" كان افتراء زائفا، كما قالت خبيرة الاقتصاد جين كيو، أستاذة المالية في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا، في التاسع من ديسمبر 2025، التي وصفت ظاهرة "التهديد الصيني" بأنها "توصيف خاطئ تماما"، مشيرة إلى أن الصين دعمت بدلا من ذلك الانتشار العالمي للتكنولوجيا من خلال خفض التكاليف بشكل كبير عبر الإنتاج الضخم. وأضافت السيدة جين كيو، في كلمتها أمام قمة الأعمال العالمية لسلسلة التوريد في هونغ كونغ، أن مقترحات الصين لخطتها الخمسية المقبلة، الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026- 2030)، تشير إلى إدراك بكين لضرورة إعادة التوازن لاقتصادها وتحسين انسجامها مع بقية العالم. وقالت أيضا: "علينا أن ندرك أن المنظور الآخر لا يتمثل في اعتبار الصين تهديدا، بل في كونها مستفيدا كبيرا من انتشار التكنولوجيا حول العالم."

بعيدا عن الساسة ومآربهم، يأتي تقدير الصين والاعتراف بفضلها على العالم من شخصيات عامة ترى الأمور بعين الحقيقة. المؤثر الأمريكي دارين جيسون واتكينز جونيور، المعروف على الإنترنت باسم "IShowSpeed"، وهو من أشهر مقدمي البث المباشر والشخصيات المؤثرة على الإنترنت في العالم، عندما رقص أمام روبوت شبيه بالبشر في مدينة شنتشن الصينية وجرب "مركبة كهربائية عائمة"، لم يتمالك نفسه من التعبير عن إعجابه الشديد بهذا "المستقبل"، واصفا الصين بأنها "رائعة" لأنها تجسد مستقبل المجتمع البشري وإمكانياته على مستويات متعددة.

وكان لافتا العنوان الذي نشرته مجلة ((الإيكونوميست)) البريطانية في العشرين من مايو 2025، "How China became cool" والذي يمكن ترجمته إلى العربية "كيف أصبحت الصين رائعة". التقرير الذي حمل هذا العنوان، برغم الخبث الواضح في صياغته، مثّل اعترافا من وسيلة إعلامية غربية محافظة بتغير صورة الصين لدى الغربيين وبخاصة الشباب. استشهد التقرير بما بثه المؤثر الأمريكي واتكينز جونيور، ذو العشرين عاما، قائلا إن واتكينز، وخلال رحلة استغرقت أسبوعين، استعرض لمتابعيه البالغ عددهم 38 مليونا تاريخ الصين العريق وشعبها الودود وتقنياتها المتقدمة، فقد رقص مع روبوت شبيه بالبشر وتناول وجبة من كنتاكي تم توصيلها بواسطة طائرة من دون طيار وجرّب سيارة أجرة طائرة. وبينما كان يقود سيارته الكهربائية البرمائية، على غرار سيارات جيمس بوند، إلى بحيرة في شنتشن، أبدى دهشته بالقول: "يا إلهي، هذه السيارة لا تغرق.. الصين مبدعة. هذه السيارات الصينية مبدعة"، وردد مرارا خلال زيارته: "الصين مختلفة يا أخي."

في عالم اليوم، حيث صار بوسع كل شخص أن يصبح بنفسه وسيلة إعلامية، وحيث صار من الصعب إن لم يكن من المستحيل تمرير فرية أو أكذوبة، لم يعد الناس يفهمون الصين من خلال وسائل الإعلام التقليدية أو الأطر الأيديولوجية فحسب، وإنما أيضا باتوا يفهمونها بشكل متزايد من خلال الاقتصاد القائم على المنصات الرقمية والمنتجات التقنية وثقافة الموضة وأنماط الحياة الحضرية. أدى ظهور مصطلح "الصين الرائعة (Cool China)" إلى تفكيك البنى السردية القديمة التي كانت تستخدمها وسائل الإعلام الغربية، والتي اضطرت إلى مراجعة تصوراتها الأحادية السابقة عن الصين، بينما ترسخ الصين نفسها أسس سردية جديدة. فمن ((الإيكونوميست))" التي تساءلت "كيف أصبحت الصين رائعة"، إلى وسائل إعلام غربية أخرى مثل ((رويترز)) و((نيويورك تايمز)) و((دي فيلت)) الألمانية، اكتسب مصطلح "الصين الرائعة" زخما في الخطاب الدولي.

يشير مصطلح "الصين الرائعة" إلى جاذبية الصين العالمية المتنامية، والتي تشمل الثقة الثقافية والابتكار وثقافة الشباب الديناميكية التي تتبنى الصفات الإيجابية والعملية. ونشير هنا إلى كلمة "كو" () العامية الصينية، والتي تعني الأنيق أو الرائع، هي كلمة مستعارة مباشرة من الإنجليزية وتستخدم على نطاق واسع لوصف أي شيء مثير للإعجاب أو جدير بالثناء. يدل هذا المصطلح على أن أكثر من مليار وأربعمائة مليون صيني يتمتعون بهوية ثقافية مميزة، ويسهمون في تشكيل مسيرة الحضارة العالمية، ويحظون بالتقدير والاحترام.

يجسد مصطلح "الصين الرائعة" الصورة المتكاملة والطابع الذي تقدمه الصين اليوم. عندما يبدأ تقدير روح دولة، أي دولة، وقيمها الثقافية والاقتداء بها ودراستها، فلا شك أن مكانتها في المشهد العالمي تتعزز. والصين، كونها قوة كبيرة ذات طابع حضاري، فإن جاذبيتها لا تكمن في تصدير تأثيرها، بل في نشره من خلال الانفتاح والتسامح الثقافي. كما تنبع جاذبية الصين من ثقتها بنفسها ونظرتها المستقبلية التي تتعامل بها مع العالم. ففي وقت تجتاح فيه تيارات الأحادية والحمائية المجتمع الدولي بين الحين والآخر، فإن فلسفة الصين القائمة على الانفتاح والشمول والتعاون المثمر للجميع، وسعيها نحو التعددية وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، تقدم شيئا ثمينا لعالم مضطرب. هذا الشيء هو الاستقرار والوضوح. والأهم من ذلك، أن مصطلح "الصين الرائعة" يعكس التأثير البنيوي للصين في عصر الترابط العالمي العميق. فمن أنظمة سلسلة التوريد إلى الصناعات الاستهلاكية الجديدة، تقدم الصين نموذجا لكيفية تنظيم المجتمعات العالمية لنفسها وكيفية تطور المنطق الاقتصادي. إنها قوة حضارية شاملة تتجاوز المفاهيم التقليدية للقوة الصلبة والناعمة.

إن التقنيات السريعة التطور، بما في ذلك نموذج "ديب سيك" المفتوح المصدر وهواتف هواوي ذات التصميم الثلاثي الطي وشبكات توصيل الطرود بواسطة الطائرات من دون طيار في المدن والبنية التحتية المتطورة لمركبات الطاقة الجديدة، أضحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية في الصين. ولا تزال هذه المشاهد التقنية اليومية تثير إعجاب الجمهور في الخارج، وخاصة الأجيال الشابة. ويشكل الإبداع المعاصر للثقافة الصينية بعدا أساسيا آخر يجعل الصين "رائعة".

وتحمل عبارة " الصين الرائعة" صدى عميقا عبر الثقافات. فعندما يبدأ العالم في وصف الصين بهذه النبرة الجمالية، المواكبة للعصر والودية، فهذا يدل على أن تنمية الصين قد تجاوزت النمو في الحجم والسرعة، ودخلت مرحلة التنمية العالية الجودة. وهذا يظهر أن الصين تحظى بتقدير متزايد من العالم.

أن تكون "رائعا" يعني أن تكون واثقا وجذابا ومبدعا، وقادرا على التعاطف مع العالم. لم ينشأ مصطلح "الصين الرائعة" من حملة ترويجية من أعلى إلى أسفل، ولم يكن من صنع وسائل الإعلام الأجنبية، وإنما نشأ من ردود فعل عفوية وصادقة من الجمهور الأجنبي، ولا سيما الشباب، الذين يرون الصين على حقيقتها، بعد أن تجاوزوا طبقات من "المرشحات" المسبقة.

تثير "الصين الرائعة" اهتماما عالميا لإعادة اكتشافها، مما يعزز بشكل كبير حضورها الدولي ويرسخ انطباعات إيجابية عن ثقافتها. في المستقبل، ستنفتح الصين أكثر وتوسع آفاق الابتكار وتعمق التعاون لتبادل المزيد من الفرص والفوائد مع العالم، لتتيح لكل شعوب العالم رؤية الصين وتجربة جوانبها الأكثر روعة.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4