على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

"الأرض الطيبة" 2026.. القوة الأكثر تفضيلا في العالم

: مشاركة
2026-01-28 09:49:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في عام 2026، يكون قد مضى خمسة وتسعون عاما على نشر رواية ((الأرض الطيبة "The Good Earth") للكاتبة بيرل باك (Pearl S. Buck) (1892- 1973م)، الأمريكية المولد والصينية النشأة والهوى؛ فقد عاشت في الصين نصف سنوات عمرها تقريبا.

السيدة باك، التي يعني اسمها اللؤلؤ، جاءت إلى الصين محمولة في المهد، وكانت الصينية هي لغتها الأم الأولى. كان عمرها بضعة شهور تقريبا، عندما وصلت في عام 1892 إلى البلد الذي وصفته لاحقا في أشهر أعمالها الأدبية بـ"الأرض الطيبة". وكان عمرها تسعة وثلاثين عاما عندما أصدرت شركة جون داي، وهي دار نشر أمريكية، روايتها التي أهلتها لتكون أول امرأة تحمل جنسية الولايات المتحدة الأمريكية تحصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 1938. لم تكن ((الأرض الطيبة)) أول أعمال بيرل باك، فقد أصدرت روايتها الأولى ((رياح الشرق: رياح الغرب)) في عام 1930، لكن اسمها ارتبط بـ((الأرض الطيبة)) التي تم تحويلها في عام 1937، إلى فيلم من إخراج سيدني فرانكلين وفيكتور فليمنغ وغوستاف ماتشاتي وسام وود.

لماذا بيرل باك و((الأرض الطيبة)) الآن ونحن في بداية عام 2026؟ عندما تقرأ أعمال بيرل باك المتعلقة بالصين، تدرك بوضوح كيف استطاعت هذه السيدة أن توظف تجارب حياتها في الصين واطلاعها على الثقافة الصينية، في كسر قيود فهم الغرب لهذا البلد الذي ما زال البعض هناك، للأسف، يسيء فهمه. قدمت باك الصين من منظور الشعب الصيني، وعبرت بدقة عن طبيعة هذا الشعب وطموحاته ومشاعره وأحاسيسه وما يبدو عليه الصينيون بالفعل. صورت تعاطف الفلاحين الصينيين المجتهدين وحياتهم الأسرية، بأسلوب كتابة مباشر، ومن خلال شخصيات حية ومليئة بالمشاعر الحقيقية، ومشاهد وتفاصيل صحيحة وموثوقة. وبعد العدوان الياباني على الصين في عام 1937، وكانت باك قد عادت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عملت على تقديم الإغاثة وزيادة الوعي بما كان يحدث في آسيا. وأسست لجنة الإغاثة الطارئة للصين في عام 1940، وفي عام 1941 أصبحت رئيسة لجنة الإغاثة المتحدة للصين. وفي نفس العام أسست جمعية الشرق والغرب، من أجل زيادة وعي المجتمع الأمريكي حول الشرق.

تجسد ((الأرض الطيبة)) كفاح الصينيين وعلاقتهم بأرضهم واجتهادهم. بطل الرواية وانغ لونغ فلاح فقير ولكن كدود، يتزوج الفتاة المجتهدة أو لان. برغم صعوبة الحياة، يمتلك الزوجان الإرادة والعزم على تغيير واقعهما، يخلصان لأرضهما ويمنحانها العرق والجهد، فتصير حياتهما ميسورة، بل وثرية. أليست هذه حكاية ملايين الصينيين في العصر الجديد الذي نعيشه واقعا الآن؟ إن تركيز الرواية على الارتباط العميق بين البطل والأرض، لكونها مصدرا للرزق والهوية والإشباع الروحي، قد يساعدك على فهم موقف الصين الحازم بأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، ومعارضة بكين القاطعة والحادة للتصريحات الخاطئة التي أدلت بها رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في نوفمبر 2025، بشأن تايوان. إن الطبيعة الدورية للحياة، التي تشكل محورا رئيسيا للرواية، هي انعكاس لمفهوم "التحول" في الفكر الصيني، والذي تم تطويره في العصر الجديد الذي تعيشه الصين؛ التحول الذي يقوده الابتكار الصيني في كافة المجالات حاليا. وإذا كانت العلاقة بين الثروة- كتجسيد للحضارة المادية، والأخلاق- كتجسيد للحضارة الروحية من ملامح رواية ((الأرض الطيبة))، فإن التحديث الصيني النمط يسعى إلى تحقيق التوازن بين الازدهار الاقتصادي والروحي، مما يسهم في بناء مجتمع متماسك تتكامل فيه التنمية المادية والروحية، وتحقيق التناغم بين الإنسان والطبيعة، وجعل السلام والتعاون الدولي ركيزتين أساسيتين لا غنى عنهما في عمليات التحديث.

 أتخيل روح بيرل باك تطوف راضية في أنحاء الصين 2026، فـ((الأرض الطيبة)) في العصر الجديد تقود مسار تحديث يحطم أسطورة أن "التحديث يعني التغريب". الصين تثبت للعالم، وبخاصة في الجنوب، أن أي بلد يمكنه أن يستفيد من تراثه الحضاري وظروفه الوطنية لاستكشاف مسار التنمية المناسب له، والأهم أنها توفر إمكانيات جديدة للعديد من الدول النامية. تشارك الصين بنشاط في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتعزز الحلول السياسية لبؤر الصراع، وتيسر الحوار بين الأطراف في النزاعات الإقليمية، وتقود مسار التنمية الخضراء، صناعيا وزراعيا وتكنولوجيا.

أظن أن بيرل باك، لو أنها بيننا، لم تكن ستدهش لنتائج استطلاعات رأي عالمية عديدة تؤكد أن الصين هي القوة الأكثر تفضيلا لقيادة العالم، ومنها استطلاع مجلة ((الإيكونومست)) البريطانية في نهاية العام الماضي حول الآراء تجاه الصين والولايات المتحدة الأمريكية. هذا الاستطلاع الذي قالت عنه صحيفة ((هوانتشيو "غلوبال تايمز")) الصينية، إنه "أثار صدمة في الغرب"، شمل 32 ألف شخص في اثنتين وثلاثين دولة حول العالم. السؤال الرئيسي في هذا الاستطلاع هو تصور من استطلعت آراؤهم حول الصين والولايات المتحدة الأمريكية. وقد أظهرت النتائج أنه مقارنة بعام 2024، حققت الصين مكاسب كبيرة كـ"القوة القيادية" المفضلة عالميا، حيث ارتفعت نسبة من يفضلون الصين بمقدار 11 نقطة مئوية. وارتفعت تفضيلات الصين كقوة قيادية في العالم في كل مكان شملته العينة التي تم استطلاع رأيها. المثير أن الأجيال الجديدة هي الأكثر تفضيلا للصين، فوفقا لتقرير ((الإيكونومست))، كلما كان المستجيب أصغر سنا، زادت احتمالية ترحيبه بقيادة الصين للعالم. أرقام الاستطلاع تعكس الاعتراف العالمي بالإنجازات التنموية التي تحققها "الأرض الطيبة"، وقدرتها على الحوكمة وانفتاحها ونهجها التعاوني. تتوافق استطلاعات أخرى مع هذه النتائج. على سبيل المثال، أظهر استطلاع لشركة "مورننغ كونسلت" الأمريكية المتخصصة في معلومات الأعمال، أجرته في إحدى وأربعين دولة، حتى نهاية مايو 2025، أن الصين حصلت على تقييم 8ر8 عالميا، مقارنة مع -5ر1 للولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 2025 أيضا أجرى معهد "هوانتشيو" استطلاعا شمل 46 دولة ووجد أن نحو 60% من المستجيبين الأجانب لديهم انطباع إيجابي عام عن الشعب الصيني، بينما 36% لديهم موقف محايد. كما أن الشباب لديهم اهتمام أكبر وانطباع أفضل وشغف أعظم، وموافقة أعلى بشأن الصين. توضح هذه الاستطلاعات زيادة واضحة وثابتة في صورة الصين وتأثيرها على المستوى العالمي.

في الثاني عشر من مايو 2025، نشر موقع "ساينس بلوغ"، تقريرا بعنوان "لأول مرة، العالم يفضل الصين على الولايات المتحدة الأمريكية"، جاء فيه أن أحدث مؤشر لتصور الديمقراطية كشف عن تحول كبير في المواقف العالمية، حيث أصبح عدد أكبر من الدول ينظر إلى الصين بشكل إيجابي مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية للمرة الأولى في تاريخ الاستطلاع.

شمل استطلاع مؤشر تصور الديمقراطية لعام 2025 أكثر من 111 ألف مشارك في مائة دولة، ممثلين لأكثر من 91% من سكان العالم. وجاء في التقرير أن أكثر ما يلفت الانتباه في دراسة هذا العام هو الانخفاض الكبير في مكانة الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي. فقد انخفض صافي تقييم تصور الولايات المتحدة الأمريكية من 22% في عام 2024 إلى -5% في عام 2025، متراجعا عن تقييم الصين البالغ 14%. وحسب التقرير، فإنه من بين 96 دولة شملها الاستطلاع، أصبح لدى 76 دولة الآن نظرة أكثر إيجابية تجاه الصين مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، وحتى في أوروبا، تتجاوز الانطباعات الإيجابية تجاه الصين تلك الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في دول أوروبا الغربية، بينما الفجوة واضحة بين البلدين بشكل خاص عبر منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.

ترجع زيادة الإعجاب العالمي إلى دور الصين كصانعة للسلام العالمي، ومساهمة في التنمية العالمية، وداعمة للنظام الدولي. وقد كان لهذه الجهود والإنجازات تأثير إيجابي على المجتمع الدولي. لا تقتصر تنمية الصين وتقدمها على استفادة شعبها فقط، بل يسهمان أيضا بشكل كبير في السلام والتنمية العالميين. ولا يزال إسهام الصين في النمو الاقتصادي العالمي حوالي 30%، مع تصنيف معدل نموها الاقتصادي من ضمن الأعلى بين الاقتصادات الكبرى في العالم. لقد أصبحت مبادرة "الحزام والطريق"، التي مضى على إطلاقها أكثر من عقد من الزمن، مصدرا للتغيير الملموس والمرئي في حياة العديد من الناس العاديين. في أفريقيا، جلبت محطات الطاقة المائية التي تم بناؤها بمشاركة شركات صينية النور للعديد من المنازل. وفي جنوب شرقي آسيا، تبزغ الحدائق الصناعية المدعومة بالتكنولوجيا والاستثمار الصيني بسرعة. تأتي هذه المشروعات من دون أي قيود سياسية ومن دون محاضرات أو دعم نابع من التفاخر، وإنما استجابة صادقة لتطلعات الدول الشريكة نحو التنمية الاقتصادية وتحسين سبل المعيشة.

إن ارتفاع مكانة الصين العالمية يعكس أيضا تزايد الاعتراف والاحترام الدولي لقوة كبرى واثقة ومكتفية ذاتيا تدافع عن العدالة وتدعم الضعفاء وتعزز النوايا الحسنة. في مواجهة ازدياد الأحادية والحماية الاقتصادية، تظل الصين راسخة على الجانب الصحيح من التاريخ، داعية لتطوير اقتصاد عالمي منفتح. وعند مواجهة الهيمنة وسياسات القوة، تتمسك الصين دائما بالعدل وتتصرف بنزاهة، وتدافع بحزم عن النظام الدولي القائم على القانون الدولي، مع العمل على جعل هذا النظام أكثر عدلا وإنصافا.

 في الوقت نفسه، تنعكس الصورة الإيجابية للصين من خلال النمو المستمر لقوتها الناعمة، من خلال العديد من المنتجات والمبادرات الثقافية، التي تحطم فقاعة المعلومات التي أنشأتها وسائل الإعلام الغربية لفترة طويلة، مما أتاح للعالم رؤية الصين الحقيقية الغنية بالابتكار التكنولوجي، المليئة بالعمق التاريخي، والتي يتميز سكانها بالدفء والانفتاح.

يمثل ميل العالم نحو الصين في نهاية المطاف نتيجة لانفتاح البلاد وثقتها في المستقبل. تدرك الصين جيدا أن الانفتاح يجلب التقدم، بينما تؤدي العزلة إلى الجمود. تواصل الصين توسيع "دائرة الأصدقاء بدون تأشيرة"، وتقصير القائمة السلبية للاستثمار الأجنبي، وتحسين بيئة الأعمال لتتيح للشركات العالمية المشاركة في فوائد التنمية الصينية. ووفقًا لمسح حديث أجراه بنك "HSBC" شمل أكثر من 5700 شركة عابرة للحدود في 13 سوقا عالمية، تعد الصين السوق المفضلة لزيادة الاعتماد التجاري. إن الابتكارات الرائدة للصين في مجال التصنيع المتقدم والطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي لا تدفع فقط نحو التنمية العالية الجودة للصين، بل تساهم أيضا بـ"حلول صينية" لمعالجة التحديات المشتركة التي يواجهها الإنسان من خلال التقنيات المتقدمة والخدمات العالية الجودة. إن ارتفاع شعبية الصين على المستوى العالمي ليس من قبيل المصادفة، فهو نتيجة طبيعية لعقود من العمل الجاد المكرس والتنمية السلمية؛ وهو الاستجابة الحتمية للالتزام الثابت للصين بالمشاورات الموسعة والمساهمة المشتركة والمنافع المتبادلة في إطار التعددية الحقيقية؛ وهو الصورة الجماعية لعصر، رسمه عدد لا يحصى من الشركات الصينية والعاملين في المجال الثقافي والمواطنين العاديين من خلال التعاون الصادق والمنتجات المبتكرة والابتسامات الدافئة. إنه يعكس اعترافا بمسار الصين وتأكيدا لمساهماتها، ويعمل كدليل حي على تزايد تفاعل وانتشار مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. ويذكرنا بأن تشكيل صورة دولة كبرى لا يكمن في الخطاب العدائي، بل في الممارسة الهادئة والمتسقة؛ وليس في بناء شخصية مصطنعة بعناية، بل في السعي المستمر لفعل الصواب، من خلال الاستمرار في هذا المسار من التعاون الذي يحقق المنفعة المتبادلة والانفتاح الشامل.

أتذكر هنا ما قالته ذات يوم ألين تشاو، وزيرة النقل الأمريكية في إدارة دونالد ترامب الأولى ووزيرة العمل الأمريكية في إدارة جورج بوش الابن: "الأمريكيون لا يفهمون ما يقوله الصينيون.. من الجيد أن يذهب الأمريكيون إلى الصين لفهم التاريخ الصيني القديم الممتد منذ آلاف السنين. يمكن للأمريكيين التعلم من ذلك وفهم التفكير الصيني، وكذلك فلسفة وثقافة الصين."

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4