على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

حديث الحرب والسلام

: مشاركة
2020-09-09 08:51:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في مقالة رأي نُشِرَت في السابع من أغسطس سنة 2020، بصحيفة ((هوانغتشيو)) الصينية المعروفة باسم "Global Times" في نسختها الإنجليزية، كان العنوان لافتا: "إذا اندلعت الحرب بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، فمن ستكون له اليد العليا؟" المقالة كتبها هو شي جين، رئيس تحرير الطبعتين الصينية والإنجليزية لـ((هوانغتشيو)).

في التفاصيل، يقول السيد هو: "كثيرا ما يسألني الناس، إذا اندلع صدام عسكري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، فمن سيكون الفائز؟" ويجيب رئيس تحرير الصحيفة التي تصدر برعاية دار ))صحيفة الشعب اليومية)) التابعة للحزب الشيوعي الصيني، عن هذا السؤال قائلا: "من حيث القوة العسكرية الشاملة، من هو الأقوى، الصين أم الولايات المتحدة الأمريكية؟ ينبغي أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالمياه الساحلية للصين والقوة البحرية للصين بالإضافة إلى القوة القتالية البرية مقابل القوة البحرية للولايات المتحدة الأمريكية، يكون من الصعب تحديد الجانب الأكثر قوة. إذا لم يتم الاختبار، سيكون هناك عدم يقين." ويواصل حديثه مؤكدا أنه عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأساسية للصين، فإن تايوان- على سبيل المثال- تتجاوز الخط بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية وتقود إلى مواجهة عسكرية، وعندها سيكون هناك في ذلك الوقت صراع للإرادات بالإضافة إلى صراع على القوة. من هو صاحب اليد العليا في هذا الموقف؟ إنه مزيج من القوة العسكرية بالإضافة إلى الأخلاق فضلا عن إرادة القتال." ويتساءل السيد هو: "من برأيك سيكون أقوى في حرب قبالة سواحل الصين؟"

لذلك، وفقا لرؤية السيد هو، ينبغي تذكير الولايات المتحدة الأمريكية بأن تنأى بنفسها عن المصالح الأساسية للصين. ويقول: "لا تلعبوا بالنار قبالة سواحل الصين، ولا تثيروا الصراع حقا حول مسألة تايوان، ولا تتجاوزوا الحدود في بحر الصين الجنوبي. إذا كانت إدارة ترامب تريد فقط خلق توترات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة في حملته لإعادة انتخابه، وليست مستعدة حقا لمواجهة عسكرية، فلتكن حذرة في الأشهر القليلة المقبلة، وعليها أن لا تذهب بعيدا."

ولكن رئيس تحرير الصحيفة، ذات المواقف الواضحة والصريحة، يؤكد مجددا أن الصين لا تريد الحرب. يقول: "اقتراحي هو أنه لا ينبغي للجيش الصيني أن يطلق الطلقة الأولى تحت أي ظرف من الظروف. لكنني على ثقة من أن الصين ستكون مستعدة جيدا لإطلاق الطلقة الثانية ردا على الطلقة الأولى. فيما يتعلق بالمصالح الأساسية، لن تتراجع الصين. موقف الصين واضح للجميع. أفضل طريقة هي أن تحترم الصين والأطراف المعنية المصالح الأساسية لبعضها البعض. إذا تداخلت المصالح الأساسية لكلا الجانبين فيجب إدارة النزاع بحرص، وعدم السماح له بالفوران والخروج عن السيطرة."

في اليوم السابق لمقالة السيد هو، ذكرت وكالة الأنباء الصينية الرسمية ((شينخوا))، أن عضو مجلس الدولة ووزير الدفاع الوطني الصيني وي فنغ خه تلقى في السادس من أغسطس 2020 مكالمة هاتفية من وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، بناء على دعوة من الأخير. تبادل الوزيران وجهات النظر حول العلاقات الثنائية، وكذلك التبادلات العسكرية الثنائية في المرحلة المقبلة. وأوضح وي فنغ خه موقف الصين المبدئي بشأن عدة مسائل، من بينها بحر الصين الجنوبي وتايوان ووصم الولايات المتحدة الأمريكية للصين (فيما يتلعق بوباء كوفيد- 19). وحث السيد وي الجانب الأمريكي على وقف الأقوال والأفعال الخاطئة، وتحسين الإدارة والسيطرة على المخاطر البحرية، وتجنب اتخاذ خطوات خطيرة من شأنها تصعيد الموقف، وحماية السلام والاستقرار الإقليميين. ومن جانبه قال إسبر، إنه وسط التوترات بين البلدين، يتعين على الجيشين مواصلة الحوار والتشاور لإدارة الأزمات وتجنب سوء التقدير وتقليل المخاطر.

ولكن وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر هو نفسه الذي صرح في الثاني والعشرين من يوليو 2020، بأن بلاده تقوم بتجهيز قواتها في جميع أنحاء آسيا وتعيد تمركزها استعدادا لمواجهة محتملة مع الصين. وأضاف إسبر في حديث عبر الفيديو إلى المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواصل إرسال سفن بحرية إلى المنطقة لمواجهة سياسات الصين التوسعية، حسب صحيفة ((وول ستريت جورنال)) الأمريكية. وأضاف وزير الدفاع الأمريكي أنه "في عام 2019، أجرت الولايات المتحدة الأمريكية عمليات لتأكيد حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي أكثر مما كانت عليه في العقود الأربعة السابقة."

حديث الحرب هذا يأتي في خضم جملة واسعة من الخلافات الصينية- الأمريكية في العديد من القضايا تصاعدت بحدة منذ تولي إدارة ترامب الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية، من المتوقع أن تتصاعد لهجة الإدارة الأمريكية تجاه الصين، فمن المعروف أن الصين ظلت على مدى عقود واحدة من أهم قضايا حملات الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وما يجري حاليا ليس استثناء، فحتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011، اعتبر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ومسؤولون في إدارته، أن الصين منافس إستراتيجي رئيسي وليس شريكا إستراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية. وخلال حملته الانتخابية الرئاسية سنة 2016، لم تكن تصريحات ترامب تجاه الصين أقل تشددا. قبل أسبوع من لقائه الأول مع الرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2017 في منتجع مارالاغو في ولاية كاليفورنيا، كتب ترامب على "تويتر" قائلا: "لقاء الأسبوع المقبل مع الصين سيكون صعبا جدا."

بالإضافة إلى الخلافات التقليدية بين البلدين في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وشبه الجزيرة الكورية، ونزاعاتهما التجارية وتباين رؤاهما حول قضايا الحريات وحقوق الإنسان، برزت في الفترة الأخيرة خلافات من نمط جديد، ومنها ما يمكن تسميته بالتنافس التكنولوجي سواء ما يتعلق بأعمال شركة هواوي الصينية والجيل الخامس لشبكة الإنترنت وتطبيق توك توك أو ادعاءات التجسس والسرقة التكنولوجية. هذا الموقف الأمريكي لا ينفصل عن التطور التكنولوجي السريع للصين الذي أثار القلق في إدارة ترامب. ذلك لأن الصناعات التحويلية في الصين قد اكتسبت قدرات في البحث والتطوير وكذلك في الابتكار، مع ظهور عدد من الشركات والعلامات التجارية الصينية ذات القدرات التنافسية العالمية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والإنترنت والتكنولوجيا الحيوية والطاقة الجديدة. الخلافات امتدت إلى الصعيد الدبلوماسي، فقد أغلقت الإدارة الأمريكية القنصلية الصينية في هيوستن، وهو الأمر الذي اعتبره المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "استفزازا سياسيا" تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية من جانب واحد، وينتهك بشكل خطير القانون الدولي، والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية والاتفاق القنصلي الثنائي بين البلدين. وقد ردت الصين على تلك الخطوة بإغلاق القنصلية الأمريكية في تشنغدو بمقاطعة سيتشوان. هذا فضلا عن محاولات واشنطن توظيف وباء كوفيد- 19 سياسيا وإلقاء اللوم على بكين وتحميلها مسؤولية تفشي الوباء عالميا، وأيضا التدخل الأمريكي في شؤون هونغ كونغ وتايوان وشينجيانغ، إلخ.

عضو مجلس الدولة الصيني، وزير الخارجية وانغ يي، قال في مكالمة هاتفيه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف: "الولايات المتحدة الأمريكية فقدت عقلها وأي أخلاق وثقة." وأضاف أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتحمل مسؤولياتها تجاه الآخرين وتستخدم الوباء لتشويه سمعة البلدان الأخرى وإلقاء اللوم على الآخرين.

السيد وانغ يي طرح، في الخامس من أغسطس 2020، أربعة مبادئ كإطار العلاقات الصينية- الأمريكية، من بينها الابتعاد عن الخطوط الحمراء وتجنب المواجهة، وإبقاء القنوات مفتوحة للحوار الصريح. وفي مقابلة مع ((شينخوا))، قال وانغ يي: "نحن مستعدون لاستئناف آليات الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية على أي مستوى وفي أي منطقة وفي أي وقت. يمكن طرح جميع القضايا على طاولة المناقشة."

وفي السادس من أغسطس 2020، قام السفير الأمريكي لدى الصين تيري برانستاد، بزياة إلى مدينة شانغهاي والتقى عمدة المدينة، وقال إنه في مواجهة كوفيد- 19، أنقذت الإمدادات الطبية من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية الأرواح، وجاء العديد من البضائع من شانغهاي، معربا عن امتنانه لذلك. وقال أيضا إنه تقديرا لتقدم شانغهاي في السنوات الأخيرة، يتوقع تعزيز التبادلات والتعاون الثنائيين والتغلب على التأثير الذي أحدثه كوفيد- 19، معربا عن أمله في إقامة الدورة الثالثة لمعرض الصين الدولي للاستيراد بنجاح في الموعد المقرر.

تعليقا على هذا اللقاء، قال لي هاي دونغ، الأستاذ بمعهد العلاقات الدولية في جامعة الشؤون الخارجية الصينية ببكين، إنه يظهر أنه على الرغم من الخلافات، فإن الصين والولايات المتحدة الأمريكية تستكشفان بنشاط المزيد من قنوات الاتصال الإيجابية. ولكن البروفيسور لي يعتقد أنه مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، فإن إدارة ترامب، التي تتبنى تكتيك "لوم الصين"، ستكثف سياساتها العدائية ضد الصين.

وكما قلنا من قبل، فإن الخلافات الصينية- الأمريكية في قضايا عديدة هي تجليات للتنافس بين قوة عالمية صاعدة وقوة أخرى مهيمنة يتقلص دورها ببطء يوما بعد يوم، كما أنها انعكاس لتباين حقيقي في المفهوم الصيني والمفهوم الأمريكي للنظام العالمي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. الجديد في هذا الملف هو الانقسامات العميقة داخل المجتمع الأمريكي، التي اتخذت مظاهر متعددة في الفترة الأخيرة، وفشل إدارة الرئيس ترامب في التعاطي مع القضايا الداخلية الجوهرية.

سيظل حديث الحرب والسلام متداولا، وستتصاعد لهجة المواجهة حينا وتتغلب لغة التوافق أحيانا، وسيظل من الحتمي الإبقاء على الحد الأدنى من التفاهمات بين البلدين بحيث لا تتفاقم خلافاتهما إلى صراع مفتوح ستكون آثاره كارثية عليهما وعلى العالم كله. إن حسم التنافس بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية سيظل مرهونا بقدرة كل منهما على إدارته بحكمة دون الانزلاق إلى هاوية قد تكلفهما معا ثمنا باهظا.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037