على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

الأمن الوطني في هونغ كونغ

: مشاركة
2020-08-18 15:08:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في اليوم الأول من الشهر المنصرم، يوليو 2020، مضى ثلاثة وعشرون عاما على عودة هونغ كونغ إلى أحضان وطنها الأم؛ جمهورية الصين الشعبية، وفي نفس اليوم كان قانونُ الأمن الوطني لهونغ كونغ قد دخل إلى حيز التنفيذ بالفعل؛ ذلك القانون الذي انشغلت به وسائل إعلام ودوائر سياسية غربية منذ عرض مشروعه على المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني. القانون الذي يحمل اسم "قانون جمهورية الصين الشعبية بشأن حماية الأمن الوطني في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة"، تمت الموافقة عليه بالإجماع في الثلاثين من يونيو 2020، من الجلسة العشرين للجنة الدائمة للمجلس الوطني الثالث عشر لنواب الشعب الصيني، أعلى هيئة تشريعية في الصين، قبل أن يوقع رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ على أمر رئاسي لإصدار القانون، الذي دخل حيز التنفيذ في تاريخ إصداره.

يشتمل "قانون جمهورية الصين الشعبية بشأن حماية الأمن الوطني في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة"، على ستة فصول تضم ستا وستين مادة، يحدد من خلالها القانون واجبات هيئات حكومة منطقة هونغ كونغ من أجل حماية الأمن الوطني. كما يحدد القانون أربعة أنواع من الجرائم، هي: الأنشطة الانفصالية والتخريب والأنشطة الإرهابية والتواطؤ مع دولة أجنبية أو عناصر خارجية لتعريض الأمن الوطني للخطر، والعقوبات بحق مرتكبي تلك الجرائم.

وينص القانون على أن تنشيء الحكومة المركزية لجمهورية الصين الشعبية مكتبا في منطقة هونغ كونغ لحماية الأمن الوطني. وينص أيضا على أن تنشئ منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة لجنة لحماية الأمن الوطني، تخضع لمراقبة ومساءلة الحكومة المركزية، وتكون برئاسة الرئيس التنفيذي لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وأن يكون لتلك اللجنة مستشار للأمن الوطني تعينه الحكومة المركزية. وطبقا للقانون، تقوم قوة شرطة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة بإنشاء إدارة لحماية الأمن الوطني.

وبعد إقرار القانون، تشاورت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني مع لجنة القانون الأساسي لمنطقة هونغ كونغ بالمجلس الوطني لنواب الشعب وحكومة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وبعد ظهر الثلاثين من يونيو 2020، اعتمدت بالإجماع قرارا بإدراج القانون في الملحق الثالث للقانون الأساسي لمنطقة هونغ كونغ. وينص ذلك القرار على أن "قانون جمهورية الصين الشعبية بشأن حماية الأمن الوطني في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة" يُطبق محليا في منطقة هونغ كونغ عبر صدوره من خلال سلطات المنطقة.

"القانون الأساسي لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة"، ينص في مادته الأولى على أن "هونغ كونغ جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية"، كما تنص المادة الثالثة والعشرون منه على أن "منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة يجب أن تسن قوانين بمفردها لحظر أي عمل من أعمال الخيانة أو الانفصال أو الفتنة أو التخريب ضد الحكومة الشعبية المركزية أو سرقة أسرار الدولة، لحظر المنظمات أو الهيئات السياسية الأجنبية من القيام بأنشطة سياسية في المنطقة، ومنع المنظمات أو الهيئات السياسية في المنطقة من إقامة علاقات مع المنظمات أو الهيئات السياسية الأجنبية".

 لاقى قانون الأمن الوطني بشأن هونغ كونغ ترحيبا من حكومة وأبناء منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، فقد قالت السيدة كاري لام الرئيسية التنفيذية لمنطقة هونغ كونغ، في بيان يوم 30 يونيو، إن حكومة منطقة هونغ كونغ ترحب باعتماد القانون. وأضافت: "أنا واثقة من أنه بعد تطبيق قانون الأمن الوطني، ستخف حدة الاضطرابات الاجتماعية التي أزعجت سكان هونغ كونغ لمدة عام تقريبا وسنستعيد الاستقرار، مما سيمكن هونغ كونغ من البدء من جديد، والتركيز على التنمية الاقتصادية وتحسين معيشة السكان." وقد وقّع نحو ثلاثة ملايين فرد من سكان هونغ كونغ على عريضة لدعم تشريع الأمن الوطني في فعاليات استمرت ثمانية أيام في شهر مايو.

وقال لي تشان شو، رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، إن اعتماد القانون والقرار بالإجماع، يعكس الإرادة المشتركة للشعب الصيني، بمن فيهم سكان هونغ كونغ، مؤكدا أن الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي ونظام سيادة القانون، هي أسس التنمية في هونغ كونغ. وقال إن التشريع يمثل تطلعات الشعب واتجاه العصر الذي لا يقاوم. كما عبر مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو التابع لمجلس الدولة الصيني عن دعمه القوي للقانون، واعتبره حدثا بارزا من شأنه أن يؤدي إلى نقطة تحول بالنسبة لهونغ كونغ لإنهاء الفوضى واستعادة النظام. وقد أعربت دول عديدة عن دعمها لقانون الأمن الوطني بشأن هونغ كونغ، ففي يومي الأول والثاني من يوليو، عبر ممثلو أكثر من عشرين دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف عن دعم بلادهم للقانون، وذلك عقب بيان مشترك لتأييد القانون أدلى به ممثل كوبا في الثلاثين من يونيو نيابة عن ثلاث وخمسين دولة، من بينها دول عربية مثل البحرين والسودان والجزائر والمغرب.

ولكن هذا القانون، الذي جاء بعد أن أدت الاضطرابات والعنف في هونغ كونغ إلى دخول المنطقة في وضع خطير، تعرض لانتقادات من بعض الدول الغربية، وتحديدا بريطانيا؛ الدولة المستعمِرة السابقة لهونغ كونغ، والولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى بكل السبل لتقويض الصين، فضلا عن كندا وأستراليا وهما دولتان تدوران في فلك السياسية الأمريكية.

هذه الدول الأربع أعطت لنفسها الحق في التحدث باسم "المجتمع الدولي"، وفي لغة متغطرسة معهودة منها قالت في بيان مشترك لها في الثامن والعشرين من مايو 2020، إنّ "المجتمع الدولي" له حصة كبيرة وطويلة الأمد في ازدهار هونغ كونغ واستقرارها. واعتبرت أنّ إقرار الصين للقانون يهدد بتقويض الثقة بين الحكومات والتعاون الدولي. بل وزعم البيان المشترك أن فرض القانون يتعارض مع التزامات الصين الدولية، ومع الإعلان الصيني- البريطاني المشترك لعام 1984، الذي أعيدت بموجبه السيادة على هونغ كونغ من المملكة المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية. هذا تضليل فج وافتراء لا أساس له، فالإعلان المشترك بين حكومة جمهورية الصين الشعبية وحكومة مملكة بريطانيا العظمى وشمال إيرلندا المتحدة بخصوص هونغ كونغ، الموقع في التاسع عشر من ديسمبر عام 1984 بمدينة بكين بين رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك تشاو تسي يانغ ورئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارغريت تاتشر، هو الذي تمت على أساسه صياغة القانون الأساسي لمنطقة هونغ كونغ والذي ينص في مادته الأولى على أن هونغ كونغ جزء لا يتجزأ من جمهورية الصين الشعبية. الأهم أن هونغ كونغ منطقة إدارية خاصة تابعة لجمهورية الصين الشعبية، وأن الصين تمارس سلطتها في المنطقة استنادا إلى الدستور الصيني والقانون الأساسي للمنطقة وليس الإعلان الصيني- البريطاني المشترك.

 لقد ذهبت الإدارة الأمريكية إلى أبعد من مجرد الاعتراض، فقد قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إنه لم يعد بالإمكان التأكد من تمتع هونغ كونغ "بدرجة عالية من الحكم الذاتي عن بر الصين الرئيسي". وانضمت الحكومة البريطانية إلى العزف النشاز فأعلنت عن تمديد تأشيرات ثلاثمائة ألف مواطن بريطاني يقيمون في هونغ كونغ، "سعيا لمنحهم الجنسية في المستقبل"، إن لم تعلّق الصين قانون الأمن الوطني. وفي الثاني من يوليو 2020، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على تشريع باسم "قانون الحكم الذاتي لهونغ كونغ" لمعاقبة البنوك التي تتعامل مع المسؤولين الصينيين الذين ينفذون قانون الأمن الوطني في هونغ كونغ، وهي الخطوة التي أدانتها في ذات اليوم لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، حيث أوضحت اللجنة في بيان لها أن هذا التحرك الأمريكي يمثل تدخلا صارخا في الشؤون الداخلية للصين وينتهك بشدة القانون الدولي والأعراف الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية. وذكر البيان أن "سن قانون حماية الأمن الوطني في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة يخص الشأن الصيني الداخلي بشكل كامل، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه". كما أعربت حكومة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، في الثالث من يوليو، عن معارضتها الشديدة لتمرير ما يسمى بـ"قانون الحكم الذاتي لهونغ كونغ" من قبل الكونغرس الأمريكي.

في عدد من الحوارات التلفزيونية حول هذا الموضوع، كان السؤال المتكرر هو مدى تأثير القانون على سياسة "دولة واحدة ذات نظامين" التي تنتهجها الصين تجاه هونغ كونغ. وكما قلت في حوار مع محطة BBC البريطانية، فإن قانون الأمن الوطني لا علاقة له بنمط حياة سكان هونغ كونغ ولا يتعارض مع "دولة واحدة ذات نظامين". ولا يوجد نص في القانون يُفهم منه صراحة أو ضمنا أنه يقمع الديمقراطية والحرية في هونغ كونغ، فالجرائم المنصوص عليها في القانون، وهي كما أسلفنا: الأنشطة الانفصالية والتخريب والأنشطة الإرهابية والتواطؤ مع دولة أجنبية أو عناصر خارجية لتعريض الأمن الوطني للخطر، لا علاقة لها بحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. لا تنوي الحكومة الصينية المركزية ولا يرغب المجتمع الصيني في إلغاء "دولة واحدة ونظامان". ولكن صيغة "دولة واحدة ذات نظامين" لا تعني صكا لقوى معينة في هونغ كونغ للتواطؤ مع قوى خارجية أو القيام بأعمال عنف تعرض سلامة وأمن هونغ كونغ وأهلها للخطر. أما عن التلويح بإجراءات ضد بر الصين الرئيسي أو هونغ كونغ، فقد أوضحت غير مرة، أنه عندما يتعلق الأمر بوحدة وسلامة الأراضي فإن الحكومة الصينية تمضي في الطريق الذي تراه صائبا لا تلوي على شيء. فضلا عن ذلك، تمتلك الصين أدوات وأوراقا قوية تمكنها من الرد بالمثل على أي إجراء من أطراف أخرى تعتبره مجحفا بحقها.

تأمل الصين أن يكون قانون الأمن الوطني لهونغ كونغ نقطة انطلاق جديدة لتلك المنطقة التي تحرص بكين على بقائها درة متألقة في آسيا بل في كل العالم. ستواصل هونغ كونغ مسيرتها في أحضان وطنها الأم، وستدهش العالم من جديد كمجتمع مفتوح متنوع تنصهر فيه الأعراق والأديان والألوان والتوجهات والأفكار.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037