على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

تُشونْغ جِي كُون (صاعد)

: مشاركة
2020-07-06 12:21:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في أحد أيام سنة اثنتين وتسعين وألف وتسعمائة الميلادية، سمعت لأول مرة اسم تُشونْغ جِي كُون (صاعد). كان الأستاذ إبراهيم حسن حماد، مدرس اللغة العربية في جامعة بكين آنذاك، يتحدث مع عدد من المثقفين الصينيين على هامش مناسبة اجتماعية، وقال: ينبغي أن يتم منح السيد صاعد درجة الأستاذية. بعد دقائق من ذلك، كنت وجها لوجه مع تُشونْغ جِي كُون فرأيت شخصا ذا بنية ملحوظة ووجه مربع وشعر كثيف خلف جبهة عريضة. هذه الملامح التي تنم عن قوة تتآلف معا في تشكيل شخصية تفيض هدوءا ورقة لواحد من أعلام اللغة العربية في الصين. عندما يثني أحد عليه أو يمتدح عملا له يبدو خجولا متواضعا ويكاد يتوارى من أمام ناظريه. تعددت اللقاءات التي جمعتني بالأستاذ صاعد، خاصة وأن صديقتي وانغ فو كانت من تلاميذه في الجامعة ومن المقربين إليه، وفي ديسمبر عام 2007، أجرت ((الصين اليوم)) معه مقابلة حول جمعية بحوث الأدب العربي بالصين التي كان يتولى رئاستها، ولاحقا عرفت أن زميلتي في ((الصين اليوم)) لي ينغ تزوره من حين لآخر، فخورة بأنهما من أبناء نفس المدينة، فصرت أشعر أنني أنتمي إلى أسرته. في الثالث عشر من إبريل سنة 2020، وصلتني رسالة تخبرني بوفاة صديقنا الأستاذ صاعد.

في سنة 1938، بشمال شرقي الصين (دونغبي باللغة الصينية)، وتحديدا في مدينة داليان، وُلِد جِي كُونْ لأسرة مثقفة، فالأب محب للأدب والأم تعمل بالتدريس. أكمل جِي كُونْ تعليمه قبل الجامعي في داليان حتى حصل على الشهادة الثانوية سنة 1956، والتحق بقسم اللغات الشرقية في جامعة بكين، وتخصص في اللغة العربية حتى تخرج في شهر يوليو سنة 1961.

درس تُشونْغ جِي كُونْ على يد آباء تعليم اللغة العربية في الصين في العصر الحديث، ومنهم العلّامة الأستاذ ما جيان (محمد مكين) والتربوي المبدع الأستاذ ليو لين رُوي (رضوان). وقد ذكر تُشونْغ جِي كُونْ أنه عندما قرر دراسة اللغة العربية قال له أستاذه ما جيان: "هذه اللغة صعبة، والأمر ليس سهلا حتى تتقنها، فإذا شرعت في دراستها فعليك أن تجتهد، حتى تخبر فنونها وتسبر أغوارها." وقد وصف تُشونْغ جِي كُونْ أستاذه ليو ليو روي بأنه "صارم رصين ومتزن في كلامه وفي حركاته." وبأنه "لا يغفل عن شاردة أو واردة في التدريس، وينقب عن كل جملة وحرف ويشرحها ببساطة ووضوح. سواء في التدريس أو تأليف المعاجم، يعمل بكل دقة وجدية". وفي أغسطس سنة 1987، عندما تأسست جمعية بحوث الأدب العربي في الصين، تولى رئاستها الأستاذ ليو لين روي، وتولى تُشونْغ جِي كُونْ منصب نائب رئيس الجمعية. وبعد وفاة الأستاذ ليو لين روي، تولى الأستاذ تُشونْغ رئاسة الجمعية.

في حوارات عديدة له، أشار الأستاذ صاعد إلى الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. في ندوة أقيمت بجامعة اللغات الأجنبية في بكين، ألقى قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر بعنوان "أنا لن أنافق"، فحلقت أمامي روح عبد الناصر في جسد تُشونْغ جِي كُونْ، الذي ما إن وصل إلى قول الشاعر "أنا لن أنافق حتى ولو وضعوا بكفي المغارب والمشارق" حتى دوت القاعة بالتصفيق.

في أحد حواراته الصحفية، قال الأستاذ تشونغ جِي كُونْ: "بعد أن تخرجت في المدرسة الثانوية دخلت جامعة بكين سنة 1956.. تلك السنة التي أعلن فيها جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ووقع بعد ذلك العدوان الثلاثي ضد مصر، حيث هب الشعب المصري للتصدي له. وكذلك في تلك السنة كانت الشعوب العربية تقف بوجه الاستعمار الغربي وحلفائه في المنطقة. في تلك السنة، عقدت العزم على دراسة اللغة العربية، وكانت أول عبارة تعلمتها باللغة العربية هي "نؤيد مصر.. وليسقط الاستعمار". كنا نهتف بهذا الشعار في شوارع بكين، وعندما يمر موكبنا أمام سفارة مصر لنعلن تأييدنا للشعب المصري، كان سفير مصر لدى الصين آنذاك حسن رجب، يخرج إلينا ويحيينا. منذ ذلك الوقت وجدت نفسي، مُنْشَدا إلى هذا العالم المكتنز بالحضارة والثقافة والتجارب الإنسانية الباهرة، ومنكبا على دراسة اللغة العربية." تُشونْغ جِي كُونْ، وٌلِد في السنة التي تخرج فيها عبد الناصر في الكلية الحربية بمصر.

تعلق جِي كُونْ منذ طفولته بالشخصيات الفذة، وكان محبا لإلقاء الشعر والتمثيل والفنون. وعندما كان طالبا في جامعة بكين ألّف وأخرج مسرحية بعنوان "فضائح البيت الأبيض". غير أن عمله بالتدريس في الجامعة التي تخرج فيها أخذه إلى عالم الأدب العربي الذي عاش ناسكا في محرابه منذ ذاك. في العام الذي تخرج فيه، ترجم من العربية إلى الصينية قصة "ماتت قريرة العين" للأديبة السورية ألفة الإدلبي ونشرتها له مجلة ((الآداب العالمية)) الصينية.

في عام 1978، كان تُشونْغ جِي كُونْ على موعد انتظره طويلا، فقد وصل إلى مصر كباحث زائر بجامعة القاهرة. خلال العامين اللذين أمضاهما في مصر، تعرف إلى كثير من الأدباء المصريين، ومنهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف الشاروني وفاروق شوشة وثروت أباظة، إلخ.

على الرغم من عمل تُشونْغ جِي كُونْ بالتدريس منذ تخرجه، تظل منجزاته في مجال الأدب العربي الملمح الأكثر بروزا في مسيرة حياته المهنية. وقد قال ذات مرة: "لو أتيح لي عمر آخر، فسوف أكرس حياتي مرة أخرى لأعمال في بحوث وترجمة روائع الأدب العربي، بل وتدريسها للصينيين". أصدر ((مختارات الشعر العربي القديم))، وهو عمل يضم أربعمائة وإحدى وثلاثين قصيدة لمائة وأربعة وثلاثين شاعرا عربيا، منها معلقة كاملة لأمرئ القيس وأخرى لزهير بن أبي سلمى. وقد نال هذا العمل ثناء بالغا من الأوساط الأكاديمية والأدبية في الصين. ألف السيد تُشونْغ أول موسوعة للأدب العربي باللغة الصينية، وهي موسوعة تقع في مجلدين من 1140 صفحة. كما ألف وشارك في تأليف: "معجم الصينية- العربية" و"معجم العربية- الصينية" و"قاموس الأمثال الصينية- العربية" و"معجم المصطلحات المبوّبة الصينية- العربية"، و"مجلّد الآداب الأجنبية في الموسوعة الصينية الكبرى" (1982)، و"معجم الآداب الشرقية" (1992)، و"معجم أعلام الآداب الأجنبية" (1989)، و"معجم الحضارات والثقافات الشرقية" (1993)، و"معجم روائع الآداب الشرقية" (1989)، و"معجم دراسة وتحليل قصائد الشعر الشهيرة في العالم" (1990م)، و"معجم تذوق الأشعار الغنائية الأجنبية" (1991)، و"موجز تاريخ الآداب الشرقية" (1987)، و"تاريخ الأدب المقارن" (1991)، و"تاريخ الآداب الشرقية" (1995)، و"فلسفة العرب الحديثة" (1996)، و"موجز الآداب الأجنبية" (1998)، و"ما بعد ألف ليلة وليلة" (2000)، و"تاريخ الأدب العربي الحديث" (2004)، و"تاريخ التواصل والتبادل الحضاري والثقافي بين الصين والبلدان الأجنبية" (2008)، و"تاريخ الأدب العربي قديما وحديثا" (2010).

انكب تُشونْغ جِي كُونْ على ترجمة الأعمال الأدبية العربية، وكرس نفسه لبحوث وتعليم الأدب العربي. وعن ذلك قال: "كنت أحاول أن أقرأ كل ما يتعلق بالأدب العربي من الكتب المحفوظة في مكتبة جامعة بكين ومكتبة العاصمة ببكين لجمع المعلومات البحثية والتعليمية بشكل منتظم، كما اخترت روائعها لتقديمها إلى القراء الصينيين." وترجم أيضا: "الصحراء جنّتي" لسعيد صلاح السعودي (1983)، و"مختارات من قصص ميخائيل نعيمة" (1981)، و"مختارات من القصص القصيرة المعاصرة في مصر" (1983)، و"ميرامار" لنجيب محفوظ (1989)، و"دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران (1984)، و"في البدء كانت الأنثى" لسعاد الصباح (1993)، و"مختارات القصص القصيرة لإحسان عبد القدوس" (1998)، و"مختارات من قصص ألف ليلة وليلة" (1998)، هذا إضافة إلى "المعلقات السبع"، وهي قصائد من العصر الجاهلي للشعراء العرب؛ امرؤ القيس وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة العامري وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد والحارث بن حلزة، و"مختارات من أعمال جبران خليل جبران" (2005) و"ألف ليلة وليلة" (2007) وغيرها.

حظي الأستاذ تُشونْغ جِي كُونْ بشهرة واسعة داخل الصين وخارجها، ونال أوسمة وجوائز عديدة، لعل آخرها جائزة "إنجاز العمر للترجمة والثقافة"، وهي أعلى وسام في الترجمة يمنح في الصين وقد حصل عليها في عام 2018. وتم تكريم تُشونْغ جِي كُونْ غير مرة في الدول العربية، فقد اختارته الهيئة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب كشخصية العام الثقافية (2010ـ 2011)، "تقديرا لما قدمه خلال نصف قرن في مجال تعليم اللغة العربية والترجمة والدراسات العلمية في اللغة العربية في دول الشرق الأقصى". وفي أكتوبر من عام 2011، كرمت أمانة جائزة خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة السيد تُشونْغ جِي كُونْ، "الذي خدم الترجمة وساهم في إثراء وتعزيز نقل الفكر والثقافة ودعم الحوار بين الحضارات".

تقلد تُشونْغ جِي كُونْ مناصب عديدة خلال حياته المهنية، أهمها أستاذ بكلية اللغة العربية في جامعة بكين، وعضو الجمعية الصينية للآداب الأجنبية، ورئيس الجمعية الصينية لبحوث الأدب العربي، وعضو الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، ونائب رئيس لجنة الآداب والفنون بالرابطة الصينية للمترجمين، ونائب رئيس لجنة الثقافة بجمعية الصداقة الصينية- العربية، وعضو اتحاد الكتاب الصينيين، وعضو شرفي باتحاد الكتاب العرب.

رحل تُشونْغ جِي كُون بعد مسيرة عطاء امتدت نحو نصف قرن، ليفقد بستان اللغة العربية في الصين زهرة ظلت يانعة حتى الرمق الأخير.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037