على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

ثقافة الانضباط عند الصينيين

: مشاركة
2020-05-21 11:42:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

انضبط ينضبط، انضباطا، فهو منضبط. يقال: انضبط الجندي أي خضع للأوامر. ويقال: انضبطت الساعة، أي انتظمت حركتها وتم إصلاح ما بها من خلل. هذا ما جاء في تعريف كلمة الانضباط في معاجم اللغة العربية. ويُعرِّف قاموس كامبردج "الانضباط (discipline)" بأنه التدريب الذي يجعل الناس أكثر استعدادا للطاعة أو أكثر قدرة على التحكم في أنفسهم، ويكون غالبا في شكل قواعد وعقوبات إذا تم كسر تلك القواعد، أو هو السلوك الناتج عن هذا التدريب. بعبارة أخرى، الانضباط هو ممارسة تدريب الناس على الامتثال للقواعد أو مدونة السلوك، باستخدام العقاب لتصحيح العصيان، وهذا هو الانضباط العام. أما الانضباط الذاتي فهو القدرة على جعل نفسك تفعل أشياء تعرف أنه يجب عليك القيام بها حتى عندما لا ترغب في ذلك.

في الفترة الأخيرة، اقترنت كلمة الانضباط بالصينيين، على خلفية جهود مكافحة مرض فيروس كورونا "كوفيد- 19" في كافة أرجاء الكرة الأرضية.

في السابع من فبراير، وبعد اتصال هاتفي مع الزعيم الصيني شي جين بينغ، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له: "هناك انضباط كبير في الصين، حيث يقود الرئيس شي عملية ستكون ناجحة للغاية." وفي السابع عشر من مارس كتب الصحفي المصري جلال دويدار في جريدة ((أخبار اليوم)) المصرية: "الصين قهرت كورونا بانضباط الدولة والشعب". وفي حوار مع جريدة ((الشروق)) الجزائرية في الثالث والعشرين من مارس، قال أستاذ العلوم السياسية الجزائري إسماعيل دبش: "يُعْرَف الصينيون بأنهم شعب منضبط. وفي الثالث عشر من مارس، قالت صحيفة ((نيويورك تايمز)) الأمريكية تعليقا على تعامل الصين مع تفشي كوفيد- 19: "إن الناس أبدوا قدرا هائلا من الانضباط الذاتي"، في إشارة إلى الصينيين.

الحقيقة أنه ربما لا توجد أمة على ظهر الأرض تتردد كلمة "الانضباط" في أدبياتها وخطابها السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي مثل الأمة الصينية. والحقيقة أيضا هي أن "انضباط" الصينيين الذي كثُر الحديث حوله مؤخرا ليس وليد أزمة كوفيد- 19، وإنما مفهوم أصيل له جذوره العميقة في الثقافة الصينية، ويتغلغل في كافة أوجه حياة الصينيين. يمكن القول إن الصيني يمتص فضيلة الانضباط مع الحليب الذي يرضعه من صدر أمه طفلا، مرورا بمراحل نشأته الأولى ووصولا إلى الموضع الذي يشغله طوال حياته العامة والخاصة. يمكنك بسهولة أن تلمح هذا الانضباط في مشاهد متنوعة من حياة الصينيين. في روضة الأطفال، وعندما يحين موعد طعام الغداء، يحمل الصغار أواني طعامهم ليحصل كل منهم على حصته من الطعام فيتناولها ثم يغسل وعاءه ويديه ويضع رأسه على طاولته أو سريره وينام قيلولته. انظر إلى تلاميذ المدارس الابتدائية وهم يخرجون في صفوف منتظمة بعد انتهاء اليوم الدراسي، لا هرج ولا مرج ولا خرق للنظام. بل ادلف إلى مهاجع طلاب الجامعات لترى كلا منهم وقد أطفأ مصباح غرفته في الموعد المحدد ليلا ولاذ إلى فراشه. وفي مكاتب العمل، تدهش لرؤية كل موظف لا يرفع عينيه عن ما أمامه من عمل غير منشغل بأي شيء آخر.

والانضباط، بحكم التعريف، له علاقة وثيقة بالطاعة والانصياع والتقييد. وينظر البعض، في الغرب، إلى الانضباط في الصين على أنه نقيض الحرية، بل ويربط هؤلاء بين الانضباط الصيني ونظام الحكم للحزب الشيوعي الصيني. غير أن هؤلاء يتجاهلون أن الانضباط ركن أصيل في الثقافة الصينية وأنه ليس صنوا لنظام حكم معين أو لفترة زمنية بعينها. ونشير هنا إلى التعاليم التي أرسى قواعدها معلم الصين الأول وفيلسوفها العظيم الذي كان أول من بلور الفكر الصيني في صياغات منهجية وقوالب فكرية متكاملة أُطلق عليها المدرسة الكونفوشية، التي كانت أول فكر منهجي في تاريخ الثقافة الصينية وأثّرت في مجتمع وثقافة وحياة الصينيين لفترة استمرت أكثر من ألفي عام. نقصد كونغ فو تسي، المعروف خارج الصين باسم كونفوشيوس (551- 479 ق م).

المبادئ الأساسية للكونفوشية هي الولاء وطاعة الأهل والاستقامة والسلطة المطلقة للحاكم على المحكوم وللأب على الابن وللزوج على الزوجة، إضافة إلى حب الخير والحكمة والإيمان، وقد نَفَذت تلك المبادئ في حياة وتفكير وعادات الصينيين. وتحتل التربية الأخلاقية مكانة محورية في النظام التعليمي الكونفوشي، أما التربية في المجالات الأخرى فتحتل مكانة ثانوية، حيث رأى كونفوشيوس أيضا أن الأخلاق ينبغي أن تكون الأساس لمن يريد أن يمارس العمل السياسي، بينما تأتي المهارات الأخرى في مراتب تالية للأساس الأخلاقي. كما دعا كونفوشيوس إلى مفهوم التوازن والتناغم (تشونغخه)، ويلخص كونفوشيوس هذا المفهوم في فلسفته حول مبدأ الوسطية. يعتقد كونفوشيوس أن لكل ظاهرة وجهين متعارضين يوجدان في حالة من التوازن النسبي. عندما يتجاوز التوتر بين الجانبين حدا معينا، يضطرب هذا الاعتماد المتبادل مما يسفر عن ظواهر شديدة وربما عكس الوضع الأصلي. وينبغي أن يكون هدف الإدارة الحكومية هو استعادة الحالة الأصلية للتوازن النسبي والحفاظ عليها، وهذا يتحقق بتوظيف مبدأ التوسط للتسوية بين الجانبين المتطرفين. هذا التوسط يجب أن يُؤدى بحيادية، وبروح من الاعتدال والتعاون. ومن الضروري اللجوء إلى إجراءات لا تكون لينة للغاية ولا صارمة جدا، من أجل الحفاظ على النظام ومنع مزيد من النزاعات. ربما هذا يذكرنا بالمبدأ الإغريقي القائل إن الفضيلة وسط بين رذيلتين. وتطالب الكونفوشية بإخضاع سلوك الفرد للمتطلبات الأخلاقية للمجتمع. هذا يعني أن مصلحة المجتمع مقدمة على مصلحة الفرد، وأن حرية الفرد مقيدة باحتياجات وسلامة المجتمع.

الانضباط، كما أسلفنا، مكون رئيسي للثقافة الصينية. ومن ثم، لا يجد الفرد الصيني مقاومة في نفسه للامتثال للقواعد والنظام العام. وتدل بعض الوقائع التي شهدتها الصين في خضم معركتها مع كوفيد- 19 على أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لعدد من الأجانب في الصين. فحسب صحيفة ((تشينا ديلي)) الصينية، في الثالث من إبريل، أجرت الشرطة فى قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ تحقيقا في قضية تتعلق بمريض أجنبي مصاب بكوفيد 19 قام بضرب ممرضة في مستشفى مخصص لعلاج مرضى فيروس كورونا الجديد. ووفقا لبيان أصدره مكتب الأمن العام بمدينة قوانغتشو في الثاني من إبريل، وصلت الشرطة على الفور إلى مكان الحادث وساعدت على وضع المواطن الأجنبي تحت السيطرة صباح الأول من إبريل. وفي بكين، أعلنت السلطات أنها فرضت عقوبة إدارية على مواطن أجنبي وأمرته بمغادرة البلاد لرفضه الانصياع لقوانين وأنظمة السيطرة على كوفيد- 19. وفي تشينغداو بمقاطعة شاندونغ، اعتذر ثلاثة أجانب تجاوزوا دورهم في الطابور وتشاجروا مع السكان المحليين أثناء إجراء اختبارات الحمض النووي في مركز للوقاية من الأمراض ومكافحتها. وفي مدينة شيآن حاضرة مقاطعة شنشي، غادر أجنبي صدر بحقه حكم إداري وأُمِر بمغادرة الصين في نهاية مارس.

وقد حثت السلطات الصينية الأجانب في الصين على الامتثال للقوانين واللوائح الصينية الخاصة بالوقاية من كوفيد- 19 والسيطرة عليه. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا تشون ينغ، إن الأجانب الذين يرفضون تنفيذ إجراءات الوقاية من الوباء ويعرقلون أوامر السيطرة على الوباء ويعرضون الصحة العامة والأمن للخطر في الصين سيحاسبون. وأضافت في مؤتمر صحفي في بكين في الثاني من إبريل، أن جميع المواطنين في الصين، الصينيين والأجانب على حد سواء، يعاملون على قدم المساواة من حيث إجراءات وأنظمة مكافحة الأوبئة. وقالت: "إن اللوائح تهدف إلى حماية حياة وصحة كل فرد في الصين، فضلا عن الحفاظ على السلامة العامة." وأضافت أن القوانين واللوائح، بما في ذلك قانون الوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها، يجب أن يلتزم بها بدقة جميع الأجانب في الصين.

بالطبع هناك جدل، وبخاصة في الغرب، بين الانضباط والحرية الشخصية. ولكن ما شهدناه ونشهده في كثير من الدول الغربية نتيجة عدم الانضباط في التعامل مع كوفيد- 19، ينبغي أن يجعل منتقدي "الانضباط" الصيني يعيدون النظر في منطلقاتهم، ويبحثون في الحالة الصينية برؤية أكثر عمقا.

إن تحليل الخطاب السياسي في الصين، يكشف عن المكانة البارزة للانضباط على كافة المستويات في المجتمع الصيني. في كلمة ألقاها الرئيس شي جين بينغ في مؤتمر أعمال بناء الحزب في الأجهزة المركزية للحزب والدولة في التاسع من يوليو عام 2019، طالب "الجم الغفير من أعضاء الحزب والكوادر في الأجهزة المركزية للحزب بـ"الالتزام بالانضباط السياسي بصرامة، وتقويم الانحرافات دائما، لتحقيق الاستجابة لما تدعو إليه اللجنة المركزية للحزب بحزم." وفي كلمة ألقاها في الجلسة الكاملة الثانية للجنة فحص الانضباط للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، في الحادي عشر من يناير عام 2018، ذكَّر الرشي شي بمقولة صينية قديمة مفادها أنه "طالما أن القوانين واللوائح سارية، يصبح الانضباط والأخلاق مستقيمين بشكل طبيعي، ولن يكون هناك بلد حكمه سيئ ولا شخص غير قابل للتوعية"، مستطردا بأن "الانضباط الصارم ضمانة هامة لمواصلة حزبنا تقدمه من نصر إلى نصر." وقال الرئيس شي أيضا: "عندما ترى شخصا أكثر قدرة منك، يجب أن تقوم بالفحص الذاتي وتتعلم منه لتعمل بجد مثله"، بحيث يتحول الانضباط الحديدي إلى عادة يومية ومراعاة واعية لأعضاء الحزب وكوادره." ويستمد الزعيم الصيني من مخزون الحكمة الصينية قول القدماء الصينيين: "من السهل قمع الأشياء السيئة في مهدها، ومن الصعب معالجتها عندما تتحول إلى كوارث."

الانضباط ليس نقيضا للحرية، وإنما للانحراف والحرية العشوائية والفوضى. ثقافة الانضباط أنقذت الصين من مهالك جمة عبر العصور.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037