على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

نساء الصين على خط المواجهة

: مشاركة
2020-04-29 12:48:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في سنة 1968، عندما أطلق الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ مقولته الشهيرة: "النساء يحملن نصف السماء"، أوجز في بلاغة دور النساء عموما، والصينيات على نحو خاص، في مجتمعاتهن. المرأة الصينية، وخاصة بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في سنة 1949، تشارك في بناء وطنها وصامدة في مواجهة تحدياته، كما تتقاسم منجزاته وتنعم بخيراته. والمرأة الصينية، مثل كل نساء العالم، قطعت المسيرة الطويلة للتحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، تتحمل فيه مسؤولياتها بجانب الرجل، وتحصل على حقوقها العادلة.

في الثامن من مارس 2020، والذي صادف اليوم العالمي للمرأة، ظلت المرأة الصينية تتقدم الصفوف في معركة وطنها ضد الالتهاب الرئوي الناجم عن فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19). في ذلك اليوم، الذي هو عطلة رسمية للنساء في الصين، واصلت المرأة الصينية كتابة صفحات مضيئة في سجلات مجدها ومسيرة عطائها الممتدة منذ آلاف السنين. 

المرأة الصينية استحقت عن جدارة التهنئة الخاصة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، في اليوم العالمي للمرأة لعام 2020، فقد عبر السيد شي عن خالص تحياته للنساء اللواتي يكافحن كوفيد-19 في الخطوط الأمامية وميادين أخرى. ووجه السيد شي، وهو أيضا الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، التهاني بهذه المناسبة للنساء من كافة القوميات ومختلف الأوساط الاجتماعية في البلاد. وقال إن النساء العاملات في المجال الطبي قاتلن ليلا ونهارا في خط المواجهة ضد الوباء لإنقاذ المرضى المصابين بكوفيد- 19، مما أظهر روح الخير النبيلة. وأشار الرئيس إلى أن النساء من عضوات الحزب والكادرات والشرطيات وموظفات مكافحة الأمراض والعاملات في التجمعات السكنية والصحفيات والمتطوعات يؤدين واجباتهن بإخلاص، ويعملن بتفان، ويقمن بالكثير من العمل الشاق، ويقدمن مساهمة هامة في احتواء الوباء من خلال أعمالهن. ودعا رئيس الصين النساء الصينيات العاملات إلى ترسيخ قناعة الانتصار في المعركة ضد كوفيد-19 والحفاظ على معنويات عالية وحماية أنفسهن بطريقة علمية وبذل جهود متواصلة في مكافحة الوباء بشكل صحي. وشدد على ضرورة قيام لجان الحزب والحكومات على جميع المستويات برعاية النساء اللائي يواجهن كوفيد-19 في الخطوط الأمامية والميادين الأخرى، والإعلان بقوة عن النساء النموذجيات في الخطوط الأمامية لتشجيع ودعم مئات الملايين من النساء للإسهام في الحكمة والقوة لكسب المعركة ضد الوباء.

لقد كتبتُ، على صفحات ((الصين اليوم)) كثيرا عن المرأة الصينية وقضايا لها علاقة بها. في ديسمبر عام 2002 كتبت "زوجتي صينية، وحضرتك؟" وفي مارس 2010 كتبت "الصينيات على سلم الجمال"، وفي إبريل 2011 كتبت "الطلاق في الصين"، وفي مارس 2018 كتبت "أن تكون صينيا إلا قليلا". المرأة الصينية حاضرة في كل حديث عن الصين.

في معركة الصين ضد كوفيد- 19، تلعب المرأة الصينية دورا بالغ الأهمية، ومؤثرا لاعتبارات تتعلق بطبيعة الأنثى عندما تكد وتتعب داخل أسرتها الصغيرة، وعندما تقدم التضحيات من أجل أسرتها الكبيرة، وطنها.

في اليوم العالمي للمرأة لعام 2020، قالت السيدة قوه يان هونغ، وهي مسؤولة بلجنة الصحة الصينية، إن عدد العاملات في المجال الطبي اللواتي تم إرسالهن، حتى الثامن من مارس، إلى مقاطعة هوبي بوسط الصين، بما في ذلك حاضرة المقاطعة مدينة ووهان، للمشاركة في معركة الصين ضد فيروس كورونا الجديد كوفيد- 19، بلغ 28 ألفا، أي ما يعادل نحو ثلثي العدد الإجمالي. وأضافت السيدة قوه، في مؤتمر صحفي في بكين، أن مقاطعة هوبي وصلها من أرجاء الصين حتى ذلك اليوم، 346 فريقا طبيا بإجمالي 42600 فرد، من بينهم 19 ألف فرد يعملون بوحدات الرعاية المركزة وأخصائيون في أمراض الجهاز التنفسي والأمراض المعدية والأمراض النفسية وأقسام طبية أخرى. وأضافت: "لعبت المُسعِفات في الخطوط الأمامية دورا حيويا في علاج مرضى كوفيد- 19.

هذه حقائق يجب التوقف عندها، فإذا كان النساء يمثلن نصف عدد العاملين في المجال الطبي بالصين، فإن من يشاركن منهن في مكافحة كوفيد- 19 في مقاطعة هوبي وحدها يمثلن ثلثي العدد الإجمالي لأفراد الطواقم الطبية. وجود النساء إلى جانب الرجال في هذه المعركة لم يمر ولا ينبغي أن يمر من دون ملاحظة، ليس فقط لأن طبيعة المرأة البدنية تختلف عن الرجل، وإنما أيضا لأن المرأة تتحمل في أسرتها غالبا القسط الأكبر من المسؤولية. المرأة لها احتياجاتها الخاصة وتمر بأوقات ذات ظروف مختلفة عن الرجل، ومنها على سبيل المثال فترة الحيض والحمل وإرضاع الطفل والعناية به وغير ذلك، وهي حالات موجودة بالفعل بين الفضليات الصينيات المقاتلات في ميدان مكافحة كوفيد -19. ثمة مشاهد بسيطة تناقلتها وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي لا يمكن للمرء إلا أن يتوقف أمامها، فملامح وجه الطبيبة الصينية لي لان جيوان، البالغة من العمر ثلاثة وسبعين عاما، وبعد أن أتمت جولتها في وحدة للعناية المركزة، وقد رفعت الكمامة عن محياها لتظهر آثار الكمامة واضحة جلية، صورة بألف كلمة. لا ينبغي أن يمر مشهد الطبيبة ليو لي، وهي واحدة من أفراد الطاقم الطبي للقوات البرية في جيش التحرير الشعبي الصيني، وقد بدا عليها الإرهاق بعد أيام من العمل. ليو لي، التي تم استدعاؤها في ليلة رأس السنة القمرية الصينية ما زالت مرابطة في الخطوط الأمامية لمعركة مكافحة كوفيد- 19. كيف لا ينحني المرء إجلالا أمام وانغ هونغ، الطبيبة ضمن فريق مقاطعة هيلونغجيانغ الطبي لمساعدة هوبي، وقد وقفت أمام ابنتها مودعة إياها قبل الانطلاق إلى ووهان، وهي ترتدي كمامة كتبت عليها ابنتُها عبارة "يجب تحمل هذه المسؤولية، لا يمكن التهرب منها".

مشاهد تحتاج إلى مجلدات وعشرات إن لم يكن مئات الأفلام الوثائقية، فمساهمات نساء الصين ليست في الجبهة الأمامية للمعركة ضد كوفيد- 19 فحسب، وإنما أيضا في كل موقع داخل الصين؛ في الأسرة ومكان العمل والشارع والمتجر، إلخ. تناقلت وسائل الإعلام قصصا كثيرة حول النساء في معركة كوفيد- 19، ولكن أعداد من لم نعرف عنهن شيئا أكثر بمئات الآلاف وربما الملايين.

ثمة حقائق لا ينبغي أن تُجهَل عن واقع المرأة الصينية المعاصرة ومقارنته بما كانت عليه طوال تاريخ الصين قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وبرغم أن المجتمع الصيني كان في العصور القديمة مجتمعا ذكوريا بشكل أو بآخر، برزت فيه نساء كانت لهن أدوار هامة في تاريخ الصين. نذكر هنا والدة الفيلسوف الصيني القديم منغ تسي المشهور باسم منشيوس (372- 289 ق. م.)، التي تعد نموذجا لدور المرأة في تنشئة أبنائها. عندما توفي زوجها وهو شاب تاركا لها طفلا صغيرا، كانت تعيش مع ابنها بالقرب من مقبرة، فكان الطفل يلعب بين القبور ويقلد ما يقال في الجنازات ويلهو بالقرابين التي تُقدَم للموتى. رأت الأم أن ما يفعله الابن ليس فيه احترام لقدسية الموت، وقالت إن هذا ليس مكانا لتربية ابني، وانتقلت إلى مكان آخر، بالقرب من سوق للحوم. ومرة أخرى، صار الابن يقلد الجيران، فيشكل الصلصال على هيئة خنزير ثم يضرب رأسه بحجر حاد. كان سلوكا فيه عنف، وقالت الأم مرة أخرى إن هذا ليس مكانا لتربية ابني، وقررت الرحيل إلى مكان ثالث. وبعد بحث طويل، استقرت مع ابنها بجوار مدرسة، حيث يقوم العلماء والطلاب بزيارة معبد مجاور لمناقشة تعاليم كونفوشيوس. وبطبيعة الحال، انضم منشيوس إلى المناقشات الكونفوشية الشهرية التي تقام بالمعبد وقلد الطلاب المهذبين المتعلمين. قالت الأم: "هنا بالفعل مكان لتربية ابني." ذات يوم، وبعد الانتهاء من دراسته، عاد منشيوس إلى البيت، فسألته أمه، التي كانت مشغولة في نسج القماش: "إلى أين وصلت في دراستك اليوم؟" فأجاب: "نفس الشيء كالمعتاد". أخذت الأم سكينها وقطعت القماش الذي كانت تنسجه، فشعر منشيوس بالقلق وطلب منها تفسيرا لما فعلت. قالت: "إهمال دراستك يشبه قطع القماش الذي أنسجه. الآن، المرء يدرس من أجل إثبات سمعته، ويطرح الأسئلة لتوسيع معارفه. هذه هي الوسيلة التي يحصل بها على السلام والسعادة في الداخل وتجنب الأذى عندما يذهب إلى الخارج، فإذا أهملت دراستك الآن، فلن تكون قادرا على تجنب حياة الخدمة الوضيعة وستفتقر إلى وسائل تُبعد بها نفسك عن المشكلات والصراعات، فكيف يختلف الأمر عن النسيج والغزل؟ أنا أنسج الخيوط كي يمكننا الحصول على الطعام. إن المرأة إذا تخلت عن نسجها في منتصف الطريق، فكيف لها أن توفر  اللباس لزوجها وكيف له أن ينمو ويكبر من دون حبوب يأكلها؟ وتماما مثل المرأة التي تتخلى عن أسباب عيشها، فإن الرجل إذا أهمل غرس فضائله فإنه إن لم يصبح من اللصوص، سيكون في النهاية من العبيد." كلمات الأم جعلت الابن يجتهد في دراسته وانكب على التعلم من أستاذه الفيلسوف العظيم تسي تسي- حفيد كونفوشيوس- حتى أصبح أحد العلماء البارزين في عصره.

وإذا كان البعض قد يرى أن حكاية أم منشيوس أقرب إلى الأسطورة، فإن العصر الحديث يزخر بمساهمات المرأة الصينية. خلال المسيرة الطويلة للجيش الأحمر التابع للحزب الشيوعي الصيني، في الفترة من أكتوبر 1934 إلى أكتوبر 1936، انضم إلى المسيرة التي امتدت إلى نحو 12500 كيلومتر، مئات النساء لم تصل إلا العشرات منهن إلى يانآن بمقاطعة شنشي، المحطة الأخيرة لتلك المسيرة. كان من بين رفيقات المسيرة الطويلة شابات وطالبات ومتزوجات وعازبات، ومتعلمات وأميات، من الريف ومن الحضر. حَلَقت النساء شعرهن وتنكرن كالرجال، وشاركن في المعارك، وما أشبه اليوم بالبارحة. وفي حرب المقاومة الصينية ضد العدوان الياباني في عام 1973، والتي استمرت ثماني سنوات انتهت بانتصار الصين في عام 1945، وأسفرت عن استشهاد وإصابة نحو 35 مليون صيني، تواصلت تضحيات المرأة الصينية، حتى تحررت بلادها وأقيمت جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، التي جاء تأسيسها نهاية لآلاف السنين من اضطهاد واستعباد المرأة الصينية على يد الإقطاعيين والمعتدين الأجانب.

تحية لسيدات الصين المرابطات في كل موقع من أجل أن تعود الحياة في الصين إلى طبيعتها، بل إلى أفضل مما كانت.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037