على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

جمهورية الصين الشعبية في عامها السبعين

: مشاركة
2019-09-29 16:24:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في الأول من أكتوبر عام 2019، تكون جمهورية الصين الشعبية قد أتمت عامها السبعين.

قبل سبعة عقود، وتحديدا في صباح يوم السبت غرة أكتوبر سنة 1949، وفي جو بارد وتحت شمس ساطعة، اعتلى زعيم الصين التاريخي ماو تسي تونغ منصة بوابة تيانآنمن وإلى جواره قادة الدولة الآخرين، وأعلن "أن الحكومة المركزية الشعبية لجمهورية الصين الشعبية قد تأسست اليوم"، و"أن بكين هي عاصمة جمهورية الصين الشعبية." وكان من بين ما قاله السيد ماو: "الآن، تم النصر في حرب التحرير الشعبية بشكل أساسي وتم تحرير غالبية الناس في البلاد. وعلى هذا الأساس، فقد عقدت الدورة الأولى للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، التي ضمت مندوبين من جميع الأحزاب الديمقراطية والمنظمات الشعبية في الصين، وجيش التحرير الشعبي، ومختلف المناطق والقوميات في البلاد، والصينيين المغتربين وغيرهم من العناصر الوطنية."

وأعلن الزعيم ماو أن تلك الدورة من المؤتمر قد سنت القانون الأساسي للحكومة المركزية الشعبية لجمهورية الصين الشعبية، وانتخبت ماو تسي تونغ رئيسا للحكومة الشعبية المركزية، وكل من تشو ده وليو شاو تشي وسونغ تشينغ لينغ ولي جي شن وتشانغ لان وقاو قانغ نوابا لرئيس الحكومة المركزية الشعبية، وتعيين شو أن لاي رئيسا لمجلس الدولة في الحكومة المركزية الشعبية ووزيرا للشؤون الخارجية في نفس الوقت، وماو تسي تونغ رئيسا للجنة العسكرية الثورية الشعبية التابعة للحكومة المركزية الشعبية، وتشو ده قائدا أعلى لجيش التحرير الشعبي.

بدأت القيادة الصينية مرحلة جديدة في تاريخ الصين، في وقت كانت فيه البلاد في حالة مزرية على كافة المستويات. كان 80% من سكان الصين أميين، وكانت البلاد تعاني من نقص حاد في المعلمين والمهندسين والأطباء والعمال المهرة. كان الأساس الصناعي مدمرا بسبب الحرب، وكان شبح المجاعة يهدد الصينيين بسبب نقص الإنتاج الزراعي. في شانغهاي، كان عشرون ألف شخص يموتون في الشوارع كل عام بسبب المرض والجوع. كانت هناك حاجة إلى إجراءات جبارة لتغيير الأمور، وقد حققت جمهورية الصين الشعبية الكثير من النجاح في السنوات الأولى.

كان القضاء على الملكية الخاصة الإقطاعية من الخطوات الأولى للجمهورية الشعبية، فقد تم جعل كل شيء مملوكا للشعب. تضمن إصلاح الأراضي التخلص من طبقة ملاك الأرض الذين استغلوا الفلاحين لسنوات طويلة، ثم تم إنشاء التعاونيات الزراعية.

أما الإصلاحات الاجتماعية فكانت بعيدة المدى. ألغى قانون الزواج الصادر في الثلاثين من إبريل سنة 1950، القواعد القديمة للولاء الكونفوشي داخل الأسرة وتفوق الرجل. صارت الصينيات والصينيون يتمتعون بحرية الانتقال في جميع أنحاء البلاد والزواج من الأشخاص الذين يرغبونهم، وأزيلت العديد من أشكال عدم المساواة على أساس الجنس بما في ذلك الميراث من قبل الأبناء الذكور فقط. وأنشئت المدارس حتى يتمكن الفقراء من التعليم. وتم تدريجيا استبدال الطرق القديمة لتعلم الكلاسيكيات عن ظهر قلب بطرق تعليمية أكثر تفاعلية.

كانت سنة 1976 حافلة بالأحداث، ففيها انتهت الثورة الثقافية التي دامت عشر سنوات، وتوفي شو أن لاي في الثامن من يناير، وتشو ده في السادس من يوليو وماو تسي تونغ في التاسع من سبتمبر، ووقع زلزال تانغشان في التاسع والعشرين من يوليو، وأسفر عن مقتل حوالي أربعمائة ألف شخص.

في الفترة من الثامن عشر إلى الثاني والعشرين من ديسمبر 1978، عقدت في بكين

الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني، والتي وضعت الصين على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخها الحديث؛ مرحلة الإصلاح والانفتاح المستمرة حتى الآن، والتي حققت خلالها الصين إنجازات تهز الأرض والسماء. ويمكن ببساطة شديدة إدراك التحول الهائل الذي حققته الصين خلال السبعين عاما الماضية، وخاصة منذ تبني سياسة الإصلاح والانفتاح، بمقارنة ما كان عليه الصينيون في بداية تأسيس جمهوريتهم الشعبية وما هم عليه الآن، في كافة المجالات.

في الثامن عشر من نوفمبر 2018، نشرت صحيفة ((نيويورك تايمز)) الأمريكية تحليلا تحت عنوان "الحلم الأمريكي حيُّ.. في الصين"، كتبه خافيير هرناندز وكيوكترونغ بُوِي، جاء فيه: "ما زالت الصين أكثر فقرا من الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن الصينيين لديهم زمام القيادة في المؤشر الأكثر قيمة وإن لم يكن ملموسا، ألا وهو التفاؤل. ومن الواضح أن الكاتبين يشيران إلى نتائج دراسة مسحية أجريت عبر الإنترنت في 15 دولة، وكشفت عن أن الصينيين هم أكثر شعوب الأرض في نظرتهم الإيجابية لبلدهم. هذه الدراسة التي أجرتها شركة إبسوس لأبحاث السوق بتمويل من مؤسسة بيل ومليدندا غيتس، وجدت أن 94% من الناشئين في الصين متفائلون بشأن مستقبل بلادهم، مقارنة مع 64% من نظرائهم الأمريكيين. وفي فئة البالغين، وجدت أن 88% من الصينيين لديهم نظرة إيجابية بشأن مستقبل الصين، مقارنة مع 56% من الأمريكيين لديهم نظرة إيجابية بشأن مستقبل بلادهم.

في تحليلهما، يتساءل خافيير هرناندز وكيوكترونغ بوي: ما الذي تغير؟ ويجيبان: "التوسع الاقتصادي غير المسبوق في التاريخ الحديث. لقد خرج ثمانمائة مليون صيني من براثن الفقر. هذا يعادل عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية مرتين ونصف. لا يقتصر الأمر على ارتفاع الدخل بشكل كبير داخل الأسر، ولكن الأبناء يتفوقون على آبائهم. وهذا يعني أن التوقعات آخذة في الارتفاع، خاصة بين الطبقة الوسطى المتنامية في الصين."

ولكن في هذه الأيام، وبينما تحتفل الصين بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها، يدور جدل في أروقة البحث والتفكير حول مستقبل هذه البلاد، في ظل حملة ضارية تتعرض لها الصين من جانب قوى ودول غربية، لعل أبرز ملامحها ما يحدث في الخلافات التجارية الصينية- الأمريكية وما يجري في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وفي هونغ كونغ وفي ملف حقوق الإنسان والحريات الدينية، إلخ، وفي ظل تحديات داخلية تتعلق بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وغيرها. السؤال هو: ما هي القوة التي تتحصن بها الصين الجديدة، ذات السبعين عاما، في مواجهة تلك التحديات؟

 الإجابة في تقديري هي "الروح الصينية". "الروح الصينية"، كما كتبت من قبل، تختلف عن الخصائص الصينية، ذلك أن تلك الخصائص تتباين من منطقة إلى أخرى داخل الصين، أما "الروح الصينية" فتضم الصينيين جميعا، وتعبر عن المشترك في عوالمهم الداخلية. وفي أشياء كثيرة تتجلى فيها "الروح الصينية". قد يكون من الصعب أن تقول أو تحدد ماهية "الروح الصينية" ومع ذلك لا يكون في وسعك إلا أن تشعر بها وتلمسها وتحلق في أجوائها. "الروح الصينية" هي المادة التي تجمع الصينيين معا في أوقات الشدائد، أو هي المادة التي تصهرهم في كيان واحد عندما يجد الجد.

"الروح الصينية"، التي يعيش بها الصينيون، هي شيء واضح جلي بنيويا في عقل ومزاج ومشاعر الصينيين ويميزهم عن سائر الناس، وفقا للشرح الذي قدمه الأديب الماليزي، من أصل صيني، قو هونغ مينغ (1857- 1928م) في كتاب يحمل عنوان "روح الشعب الصيني".

الروح الصينية، كما يشرحها قو هونغ مينغ، هي روح الشباب الدائم، روح الخلود الوطني. أما عن سر هذا الخلود الوطني في الشعب الصيني، فيقول السيد قو: "إن ما يعطي الإنسان الصيني الحقيقي اللطف الذي لا يمكن التعبير عنه هو امتلاك ما أسميه بالتعاطف أو الذكاء الإنساني. هذا الذكاء الإنساني هو نتاج الجمع بين شيئين هما العطف والذكاء. إنه عمل للقلب والرأس معا في تناغم. وباختصار، إنه اتحاد سعيد بين الروح والذكاء." ولعلك تتساءل: من أين أتى الصينيون بسر الخلود الوطني هذا، أي هذا الاتحاد السعيد للروح والذكاء، والذي مكنهم كجنس بشري وكأمة أن يعيشوا حياة الشباب الدائم؟ يجيب السيد قو عن ذلك بالقول: "الإجابة بالطبع هي أنهم حصلوا عليه من حضارتهم." ويضيف: "يبدو لي أن هناك اختلافا أساسيا بين الحضارة الصينية وحضارات أوروبا الحديثة." ويقتبس قو هونغ مينغ عن أحد معاصريه الغربيين، وهو الناقد والمؤرخ الفني برنارد برنسون (1865- 1959م) مقارنته للفن الأوروبي بالفن الشرقي بالقول: "فننا الأوروبي فيه ميل كارثي لأن يصبح علميا مُدركا، ومن الصعب أن نجد لدينا عملا رائعا لا يحمل علامات على أنه كان ساحة قتال لمصالح متفرقة." ويعلق السيد قو على ذلك قائلا: "في الحضارة الصينية، على الأقل في السنوات الأخيرة، لا وجود لمثل هذا الصراع، وهذا هو الاختلاف الذي أتحدث عنه."

في كلمته بالجلسة الختامية للدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في مارس 2013، قال الرئيس شي جين بينغ: "من أجل تحقيق الحلم الصيني يجب نشر الروح الصينية، أي الروح الوطنية المرتكزة على الإصلاح والابتكار. يجب علينا أن نبذل جهودا دؤوبة للنهوض بالأمة الصينية."

 

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037