على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

نظام الائتمان الاجتماعي في الصين

: مشاركة
2019-07-31 15:24:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

يعرف العاملون بالأجهزة الحكومية وفي كثير من المؤسسات الخاصة بالعديد من دول العالم نظام "التقرير السنوي"، الذي يقصد به تقييم أداء الفرد في العمل، ويكون هذا التقرير من بين مستندات ترقية الموظف إلى مكانة أعلى.

في عام 2014، تم الكشف عن إطار "نظام الائتمان الاجتماعي الوطني" في الصين، والذي تهدف الحكومة إلى إنجاز الأعمال المتبقية لإطلاقه بحلول عام 2020. هذا النظام يشبه "التقرير السنوي" لتقييم أداء الموظف، ولكنه هنا يخص كل مواطن وكل كيان صيني. وبعبارة أخرى، هو شهادة بالسمعة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والشركات. سيكون النظام موحدا وستكون هناك درجة ائتمان اجتماعية واحدة على مستوى النظام لكل مواطن وكل شركة.

في التاسع والعشرين من يناير 2019، كتبت صحيفة ((تشينا ديلي)) التي تصدر بالإنجليزية عن مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني، نقلا عن مسؤولين صينيين، إن الحكومة المركزية ستتخذ المزيد من الخطوات لتحسين جودة البيانات والإسراع بعملية التشريع كجزء من جهودها لإنشاء نظام ائتماني اجتماعي على مستوى البلاد. وقال مسؤول بلجنة الدولة للتنمية والإصلاح، وهي الجهة المسؤولة عن صياغة الخطوط التوجيهية لهذا النظام: "تم إنشاء البنية التحتية الأساسية لنظام الائتمان الاجتماعي على الصعيدين المركزي والمحلي. وسيتم بذل المزيد من الجهود لتحسين جودة البيانات وتعزيز التعاون مع مختلف الهيئات التنظيمية والتشريعات، والتي قد تستغرق عدة سنوات أو أكثر لإنجازها."

بموجب النظام، يمكن أن يؤدي السلوك المالي للفرد، مثل عدم دفع فاتورة بطاقة ائتمان أو إنفاق تافه وسلوك سيء مثل ركوب قطار بدون تذكرة، إلى عواقب وخيمة. تشمل العقوبات فرض قيود على الرحلات الجوية والقطارات وفرص العمل والتعليم للفرد، لكن هذا النظام يسعى أيضا إلى مكافأة الأشخاص ذوي الدرجات العالية، أي أصحاب السلوكيات الفاضلة. على سبيل المثال، يمكن للأشخاص الذين لديهم سجل ائتماني جيد الحصول على تخفيضات على فواتير الخدمات العامة وتسريع عمليات تقديم الطلبات للسفر إلى الخارج، اعتمادا على القواعد التي وضعتها مختلف السلطات المحلية. وقال المسؤول من لجنة الدولة للتنمية والإصلاح: "نحن نشجع الحكومات المحلية على بناء منهجيات خاصة بها، وليس لدينا أي نية لتوحيدها كمقاييس وطنية. الحكومات المحلية تفهم أكثر ما يناسبها". وأضاف المسؤول أنه في المستقبل، ستبذل الهيئات الحكومية المعنية المزيد من الجهود لتوقيع المذكرات مع الإدارات الأخرى، وتسريع العملية التشريعية وتحسين جودة البيانات، في الوقت الذي لا يزال فيه جمع البيانات من قبل الأشخاص يجري يدويا في بعض الأماكن البعيدة.

أثارت هذه الخطوة، ومازالت تثير، جدلا واسعا داخل الصين وخارجها، ما بين مؤيد متحمس ومعارض منتقد. وفي البداية، قد يكون من المهم أن نبين أن كلمة "الائتمان" بالصينية، وهي "xinyong" تعني قدرة الفرد على الوفاء بالتزاماته المالية والقانونية، ولكنها أيضا تعني دعم الصدق والنزاهة. وفي هذا السياق، قد تكون الكلمة الأكثر دقة لوصف هذا النظام هي "الجدارة بالثقة" أو "استحقاق الثقة". وقد أوضح مجلس الدولة الصيني في خطة خارطة الطريق لعام 2014، أن "نظام الائتمان الاجتماعي" سينهض بتقييم كافة المجالات بما في ذلك السلوكيات الفردية والشؤون الحكومية والتجارية والنظام القضائي، من أجل تعزيز ثقافة الثقة في المجتمع بأسره، مما يسمح لـ "الجدير بالثقة بالتجول في كل مكان تحت السماء".

المؤيدون لهذا النظام يعتبرونه حوكمة مبتكرة في الصين. ويقول هؤلاء إن الصين في العقود القليلة الماضية، تجاوز النمو الاقتصادي لها قدرتها على حماية نظام السوق وخلق بيئة عمل صحية. وقد هزت سلسلة من فضائح سلامة الغذاء والدواء البارزة الأمة الصينية، واضطر الصينيون إلى التنقل بين مطبات المنتجات المزيفة والاحتيال إلى الأجور غير المُسَدَدة وانتهاكات حقوق النشر. وكل ذلك يقتضي إنشاء مثل هذا النظام الذي سيبنى على أساس كمية هائلة من المعلومات تجمعها سلطات الدولة المختلفة، والخدمات المالية ومستويات الحكومة المختلفة، مما سيساعد في توفير التوجيه لأنشطة الأعمال وسد بعض الثغرات التنظيمية في اقتصاد السوق الصيني.

ويرى المعارضون له أن يفرض مراقبة على الأفراد بشكل كبير. وقد قرأت في نقد هذا النظام إشارة إلى مسلسل المرآة السوداء (Black Mirror) البريطاني الشهير الذي تدور أحداثه في إطار من الدراما والإثارة حول الجانب المظلم من الحياة والتكنولوجيا. فبرغم أن كل حلقة في المسلسل لها طاقم مختلف، إضافة إلى تغيير في التصوير والمواقع، ويبدو أنها منفصلة من ناحية الأحداث والشخصيات، فإن موضوع التقنية الحديثة وتأثيرها في النفس البشرية يربط بينها. تعرض إحدى حلقات " المرآة السوداء" مجتمعا مُصنَّفا، يصنف فيه كل شخص باستمرار من قِبل الآخرين، وتؤدي جميع أعمالهم إلى نتيجة تتبعهم في كل مكان. وبعد أن تتخذ سيدة قرارات قليلة سيئة، سرعان ما تتعرض حياتها لليأس، بفعل تلك القرارات. ما يريد المنتقدون قوله هو إن الفرد قد يقع في أخطاء بسيطة ولكن ينجم عنها تعرضه لأضرار جسيمة. السلطات الصينية تعي يقينا هذه المخاوف وتتحسب لها.  وفي هذا الإطار، يطالب المتخصصون الحكومة باتخاذ الخطوات التي تبدد هواجس البعض. قال لياو يونغ آن، نائب رئيس جامعة شيانغتان في مقاطعة هونان: "يتعين على الحكومة تحسين حماية المعلومات الائتمانية للأفراد. على عكس المعلومات الشخصية بشكل عام، المعلومات الائتمانية لها سمات قانونية فريدة يجب معالجتها على وجه التحديد في تشريعات الائتمان الاجتماعي." وقال هان جيا بينغ، رئيس معهد الائتمان والتجارة الإلكترونية بوزارة التجارة الصينية: "الصين بحاجة إلى تعزيز التشريعات الخاصة بالأنظمة الائتمانية للكيانات العامة والسوق." وأضاف السيد هان: "بدأت لجنة الدولة للتنمية والإصلاح وبنك الشعب (المركزي) الصيني إنشاء أنظمة ائتمان خاصة بهما، مع بعض التداخل والمسؤوليات في التنظيم لم يتم توضيحها بعد. ينبغي إدراج شفافية الحلول الحسابية في التشريعات المستقبلية لنظام الائتمان الاجتماعي. ويجب تحديد قواعد مثل الطريقة التي تجري بها الحكومات التحليل للوصول إلى النتيجة أو الترتيب."

على أي حال، المؤكد هو أن الصين بصدد إنشاء نظام ائتمان اجتماعي وطني بحلول عام 2020، عندما يتم جمع جميع المعلومات العامة في منصة المعلومات الائتمانية المفتوحة للجميع. في غضون ذلك، سيتم إنشاء آلية للثواب والعقاب لتنفيذ النظام الذي تحركه البيانات الضخمة.

والحقيقة أن محاولات الصين في هذا الاتجاه بدأت مبكرا، ففي عام 2006 أطلق بنك الشعب الصيني "مركز المرجع الائتماني"، ولكن بحلول عام 2015، كان هذا المركز يمكن أن يغطي 25% فقط من سكان البلاد، لأن غالبيتهم لا تغطيهم المراقبة المالية. ولتوسيع التغطية الائتمانية للمستهلكين، فوّض بنك الشعب الصيني ثماني شركات تجارية، منها تشيما للائتمان (Zhima Credit) لطرح أنظمة تسجيل الائتمان المالي الخاصة بها. وقامت جميع الشركات الثماني بتشغيل شركاتها التجريبية، لكن حتى الآن لم تحصل أي منها على ترخيص رسمي من الحكومة. يرجع ذلك إلى عدد من المخاوف بما في ذلك عدم كفاية حماية الخصوصية والإفراط في جمع بيانات المستخدم. ونشير هنا إلى أن كل مستخدم لتطبيق آليباي "Alipay" يحصل على درجة حقيقية تتأثر بأنشطته على منصات آليباي. هناك مزايا وامتيازات إذا زادت درجاتك عن المتوسط ​​من خلال وجود "عادات" مرغوبة مثل دفع الفواتير في الوقت المحدد، والحصول على أصدقاء رفيعي المستوى، وبالطبع إنفاق المزيد من الأموال على منصات الشركة. ولأن منصة الدفع عبر الإنترنت أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للصينيين، فإن الامتيازات المقدمة من خلال آليباي مفيدة للغاية. يتمتع المستخدمون أصحاب الائتمان الجيد بالعديد من المزايا، مثل الإعفاء من شرط "الوديعة" في استئجار الدراجات والسيارات وتطبيقات التأشيرات السريعة التتبع. الجيد أنه لا يوجد عقاب على الدرجة المنخفضة في "تشيما للائتمان".

بالتأكيد هناك مخاوف بشأن الخصوصية والشفافية وأمان البيانات، وعلى سبيل المثال: من الذي يقرر ما هي السلوكيات الجيدة والسيئة؟ وهل يمكن أن تكون هناك ثغرات تقنية وإدارية، وبمعنى أدق "اختراقات" وخلفيات للتلاعب بالتقييمات؟ وهل سيكون لها تأثير متزايد على حياة الناس وخلق استقطابات في المجتمع؟

من الواضح أن هناك ترحيبا واسعا من الصينيين بهذا النظام، فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 بقيادة د. جينيا كوستكا في جامعة برلين الحرة أن 80% من مستخدمي الإنترنت الصينيين يتمتعون بآراء إيجابية حول "نظام الائتمان الاجتماعي"، مع وجود درجة عالية من الموافقة بشكل خاص بين من تم استطلاع آرائهم من ذوي الدخل المرتفع ومن المناطق الحضرية ومن الجامعيين. وحسب ما نشره موقع جامعة برلين الحرة في 23 يوليو 2018، فإن ما يقرب من 60% من المشاركين يعتقدون أن"نظام الائتمان الاجتماعي"، يجب أن يُدار من قبل الحكومة المركزية، في حين أن 5ر1% فقط يقولون إن الشركات الخاصة يجب أن تديره. وفي مقطع فيديو منشور على موقع "يوتيوب" يتم سؤال أشخاص في شانغهاي عن تجربتهم مع أنظمة الائتمان التجارية وعن رأيهم في "نظام الائتمان الاجتماعي" الحكومي، ويرحب غالبية من تمت مقابلتهم بخطة الحكومة ويعبرون عن اقتناعهم بأن "نظام الائتمان الاجتماعي"، سيحمي مصالحهم كمواطنين ملتزمين بالقانون. وفيما يتعلق بمسألة الخصوصية، يعتقد الجميع تقريبا أن معلوماتهم الشخصية موجودة بالفعل، وبالتالي فإن مشاركتها مع الحكومة لن تضر بهم. ويقول أحدهم: "في هذا اليوم وهذا العصر، لا يوجد شيء اسمه الخصوصية".

أنماط الحياة تتغير وسلوكيات الناس أيضا، وهذا يفرض تحديات جديدة على الأجهزة المعنية بانضباط وسلامة وأمان المجتمع، ولكن سيظل الجدل حول ما هو شخصي وما هو عام مستمرا طالما يوجد بشر على كوكب الأرض.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037