على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

هل نهضت الصين بالأموال الأمريكية؟

: مشاركة
2019-07-01 14:58:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

فجأة، ظهر على شاشات التلفزة خبر عاجل: ترامب يأمر برفع الرسوم الجمركية على بقية الواردات الصينية. كان ذلك في الحادي عشر من مايو 2019. وجاء في تفاصيل الخبر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمر بزيادة الرسوم الجمركية على بقية الواردات الصينية، بعد أقل من 24 ساعة من رفع واشنطن التعرفة الجمركية على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار أمريكي. وقال ممثل التجارة الأمريكي روبرت لايتهايزر، في 11 مايو: "الرئيس طلب منا أيضا أن نطلق آلية لرفع الرسوم على كل الواردات المتبقية من الصين والتي تقدر قيمتها بنحو 300 مليار دولار أمريكي." وقد جاء هذا القرار مع ختام جولة من المحادثات التجارية استمرت يومين بين المفاوضين الأمريكيين والصينيين، واختتمت في ذات اليوم، والمدهش أن ترامب وصفها بأنها كانت "صريحة وبناءة"، في حين قال كبير المفاوضين الصينيين ليو خه إن "المفاوضات لم تخفق"، مضيفا أن "الطرفين سيجتمعان مرة أخرى في المستقبل".

في تلك الأثناء، تلقيت اتصالا من القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) للمشاركة في برنامج "حديث الساعة"، وكان حول هذا الموضوع. وعندما سُئلت بلهجة حاسمة عن الموقف الذي يمكن توقعه من الصين ردا على قرار ترامب، قلت: "المزيد من المفاوضات." وأشرت إلى أن المتابع للعلاقات الصينية- الأمريكية خلال الثلاثين عاما المنصرمة لا تفاجأه مثل تلك الأخبار، وذكرت بأنه حتى في تسعينات القرن الماضي، في فترة إدارة الرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون، كان هناك هذا النوع من السجال التجاري بين بكين وواشنطن، واستخدمت فيه ذات المصطلحات؛ "حرب تجارية"، "الرد بالمثل"، "هذا مقابل ذاك"، إلخ. واختتمت بالقول إن الصين ستظل حريصة على التفاوض وعدم التصعيد، وإن كان ذلك لا يمنعها من اتخاذ خطوات للرد على القرار الأمريكي، مع الوضع في الحسبان أنه لا غنى عن التفاوض والحوار والتفاهم. الجديد هو أن الأمر لم يعد يتعلق بميزان تجاري، وإنما بالسباق على قيادة التطور التكنولوجي في العالم. 

لقد ظلت العلاقة مع الصين ورقة ساخنة في السياسة الداخلية الأمريكية، ولا عجب أنه في ظل الخلاف المحتدم بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي الأمريكيين، نجد الجمهوريين والديمقراطيين على قلب رجل واحد في إلقاء اللوم على الصين بأنها السبب في كل ما تعاني منه بلادهم.

ولكن، هل الخلافات التجارية الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حرب تجارية؟ وهل تريد الصين حربا تجارية؟ إن تحليل سلوك الصين، ردا على الاستفزازات الأمريكية يبين أن بكين تسعى بكل السبل إلى تفادي الوصول إلى صراع تجاري مفتوح مع واشنطن، التي تصر من جانبها على السير في هذا الطريق، ليس مع الصين فحسب وإنما أيضا مع قوى تجارية أخرى. غير أن الصين لن تسمح بأن تدفع ثمن سياسات أمريكية خاطئة ومخالِفة لقواعد منظمة التجارة العالمية.

في الثاني من الشهر الماضي، يونيو 2019، أصدرت الصين كتابا أبيض بعنوان "موقف الصين إزاء المشاورات الاقتصادية والتجارية الصينية- الأمريكية". يلقي الكتاب الضوء على العديد من القضايا، وفي مقدمتها ما تزعمه أصوات أمريكية بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي "أعادت بناء" الصين في الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. يقول هؤلاء إن "التلاعب بالعملة" في الصين ساعدها في بناء فائض تجاري ضخم مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويزعمون أن العجز التجاري الأمريكي هو "الثروة التي تمنحها واشنطن إلى بكين"، وأن "نجاح الصين يعزى إلى حد كبير إلى الاستثمارات الأمريكية في الصين. فقد أوضح الكتاب الأبيض أن السجلات التاريخية تؤكد أن الإنجازات الصينية في الإبداع العلمي والتكنولوجي تحققت من خلال الاعتماد على الذات والعمل الدؤوب. وقال إن الولايات المتحدة هي التي تراجعت ثلاث مرات خلال المشاورات الاقتصادية والتجارية، وهي وحدها التي يتعين عليها تحمل كامل المسؤولية عن الانتكاسة الشديدة التي شهدتها المشاورات.

وقد اعتبرت صحيفة ((China Daily)) في الثامن من مايو أن التركيز على أن الصين تمثل تهديدا وجوديا للحلم الأمريكي له عواقب وخيمة، فقد أدى إلى فرض رسوم جمركية وتهديدات أمنية متصاعدة وتحذيرات من حرب باردة جديدة، بل وحديث خافت عن صدام عسكري بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة العالمية الحالية. ورأت الصحيفة الصينية التي تصدر باللغة الإنجليزية أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني من الاختلالات، تبحث عن كبش فداء. ولكن ماذا لو كانت الثرثرة الأمريكية أخطأت في كل شيء، وأن تقريع الصين نتاج للمشكلات الداخلية أكثر منه استجابة لتهديد خارجي حقيقي؟ في الواقع، هناك أسباب قوية للاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية غير الآمنة والتي تعاني من اختلالات الاقتصاد الكلي وتعاني من الخوف من عواقب تراجعها عن القيادة العالمية، قد تبنت رواية خاطئة عن الصين.

إن الإدارة الأمريكية التي استهدفت إجبار الصين على الدخول في اتفاقات تقوض سيادتها، لجأت إلى تدابير التسلط التجاري، ومن بينها زيادة الرسوم الجمركية على بضائع صينية ووضع قيود على شركات التكنولوجيا الصينية. إن الاختيار الصحيح الوحيد لحل الاحتكاكات التجارية هو إجراء مشاورات ثنائية، والصين منفتحة على المفاوضات ولكنها ستكافح أيضا حتى النهاية إذا تطلب الأمر، وفقا للكتاب. 

في هذه الأجواء، تخرج علينا أصوات أمريكية تزعم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي "أعادت بناء" الصين في الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. وهكذا، تضاف إلى نظريات "الخطر الصيني" و"انهيار الصين" و"فخ ثوسيديديس"، نظرية أخرى إلى قائمة مناهضة الصين غربيا وهي نظرية "إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية للصين". إنها نظرية تحمل الكثير من الغطرسة والجهل والعقلية المنحرفة.

حقيقة الأمر أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين هو نتيجة للمزايا النسبية للبلدين وتقسيم العمل الدولي، وهي حقيقة أنشأها الاقتصاديون الأمريكيون منذ فترة طويلة. لقد اتبعت التجارة الخارجية للصين دائما قواعد السوق وتجري بطريقة عادلة، لذلك من غير المنطقي القول إن الفائض التجاري للصين هو نتيجة "إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية للصين". واشنطن تعاني من عجز في التجارة السلعية مع أكثر من مائة دولة، فهل يعني ذلك أنها أعادت بناء هذه الدول أيضا؟ في عام 2018، كان العجز في التجارة السلعية الأمريكية مع الصين 419 مليار دولار أمريكي، من ضمن عجز كلي حوالي ثمانمائة وثمانين مليار دولار.

إن قمع واشنطن المستمر للشركات التكنولوجية الصينية الفائقة مرآة تظهر وجه النفاق الحقيقي لبعض الساسة الأمريكيين، فالليبرالية التجارية المزعومة بالنسبة لهم هي أن تكون حرا لنفسك، وعدم السماح للآخرين باختيار طريقهم. والمنافسة العادلة المزعومة هي أن تكون وحدك على الساحة وترفع الحمائية وتسحق عقيدة الحرية والانفتاح. إن مبدأ التنافس العادل في السوق الحرة عند بعض الساسة الأمريكيين هو "استغلاله عندما يكون لمصلحتهم، والتخلي عنه عند تعارضه مع مصالحهم."

التجارة الصينية الأمريكية ليست قناة تجري في اتجاه واحد تنقل من خلالها واشنطن ثروتها إلى بكين. إن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من عجز تجاري مع الصين لأنها تستورد كميات هائلة من السلع الصينية الرخيصة وذات النوعية الجيدة. وفقا لدراسات أجراها دويتشه بنك وغيره من الجهات الخارجية، اكتسبت واشنطن المزيد من الفوائد التجارية الصافية من التجارة الثنائية أكثر من بكين. التعاون الاقتصادي الصيني- الأمريكي مفيد للجانبين، وإن لم يكن الأمر كذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية التي تضع دائما مصالحها في المقام الأول، ما كانت لتختار التعامل مع الصين.

لا أحد ينكر الدور البنّاء للاستثمارات الأمريكية في تنمية الاقتصاد الصيني، لكن من المثير للسخرية أن نفترض أن الاستثمارات الأمريكية هي العامل الوحيد الذي دفع نمو الصين وجعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. منذ عام 1978، استخدمت الصين ما يزيد قليلا عن تريليوني دولار أمريكي من الاستثمارات الأجنبية، منها استثمارات أمريكية يصل حجمها إلى 80 مليار دولار أمريكي، أي نحو 4% فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المستخدمة. فكيف يمكن للاستثمار الأمريكي الضئيل البالغ 80 مليار دولار إعادة بناء الصين؟

باستخدام نفس المنطق، هل يمكننا القول إن الصين ساعدت في إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية لأن هذه الأخيرة قد جنت مكاسب سنوية بمليارات الدولارات من استثماراتها في تجارة الخدمات مع الصين؟

فرضية "إعادة بناء الصين" هي وصف مختلط للعلاقات التجارية الصينية- الأمريكية. التجارة مع جميع البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ليست سوى جزء من الإصلاح الاقتصادي القائم على السوق في الصين. والإصلاح القائم على السوق هو العامل الحاسم الحقيقي وراء التنمية الاقتصادية السريعة في الصين.

لا يمكن تطوير دولة كبيرة مثل الصين اعتمادا على "الصدقة" من البلدان الأخرى. لا توجد دولة في العالم لديها القدرة على إعادة بناء الصين. إن تطور الصين هو نتيجة مساعي الشعب الصيني تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني لتعزيز الإصلاح والانفتاح وبناء دولة حديثة وقوية ومزدهرة.

إن واشنطن مثل من يلقي الحجر فيقع على قدميه، فإذا كان الصينيون سوف يتضررون من سياساتها التجارية الحمقاء، فإن الضرر الذي سيقع على المواطن الأمريكي لن يكون أقل، بل ربما يكون أكثر على المدى البعيد. فسوف تظل الصين الرقم الأصعب في التجارة الدولية، وستظل مركزا للتجارة ولأنشطة عالمية أخرى كما ستلعب دورا قياديا فى الحوكمة العالمية. وسينتج نمو الصين المستقر المزيد من المنافع في العالم، في ظل اتجاه الصين لتعميق إصلاحها الاقتصادي وانفتاحها على العالم الخارجي.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037