على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

بكين 2019.. رقمية وأنيقة ومنضبطة

: مشاركة
2019-06-03 13:58:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في طريق عودتي إلى بكين، في نهاية مارس 2019، وبينما كانت الطائرة تقترب من مطار العاصمة الدولي ببكين، أعلن قائد الطائرة أنه على الأجانب القادمين إلى الصين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 سنة و70 سنة تسجيل بصمات أصابعهم قبل الدخول إلى موظفي الجوازات للحصول على ختم الدخول إلى جمهورية الصين الشعبية.

توجهت إلى الجهاز المخصص لتسجيل البصمات، وأدخلت فيه صفحة جواز سفري المتضمنة البيانات الشخصية فنطق بالعربية، كما نطق بلغات أخرى وفقا للغة جواز السفر، وبدأ في إصدار تعليمات تسجيل بصمات الأصابع. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا، فعدد القادمين الأجانب لم يكن كبيرا، وكذلك تم إنجاز إجراءات الحصول على سمة الدخول بسرعة ثم وضع الأمتعة على أجهزة الفحص قبل الخروج من بوابة الصالة رقم 3 للمطار التي افتتحت في فبراير 2007.

في الطريق إلى مقر إقامتي في بكين، كان زميلي الصيني المرافق لي يتابع على هاتفه النقال الكثافات المرورية في مختلف الشوارع لاختيار أقلها زحاما ويوجه سائق التاكسي المنضبط جدا والذي يتلقى التعليمات صامتا. بعد الوصول إلى مكان إقامتي قام زميلي بتحويل أجرة التاكسي عن طريق هاتفه النقال إلى حساب السائق.

في محطة مُوشِيِودِيِ لمترو الأنفاق، بعد عبور الركاب بوابة التفتيش الأمني وفحص الحقائب، الغالبية منهم تقدموا إلى حواجز العبور إلى الرصيف بعد تمرير هواتفهم النقالة على تلك الحواجز التي فتحت لهم، في حين كنت أنا واحدا من عدد قليل من الركاب ليس لديهم برنامج الهاتف المطلوب، وينبغي لنا أن نشتري بطاقة ممغنطة. أرشدني موظف بالمحطة إلى جهاز، اخترت لغة الاستخدام وحددت المحطة التي أريد الذهاب إليها فأظهر الجهاز المبلغ المطلوب. أدخلت ورقة نقد من فئة عشرين يوانا، أخذ منها ثلاثة يوانات ورد الباقي وأخرج البطاقة الإلكترونية التي استخدمتها في فتح حاجز الدخول وحاجز الخروج من محطة المترو بعد ذلك.

في المساء، هاتفت أسرة صينية صديقة وطلبت أن أزروهم. اقترحت صديقتي ربة هذه الأسرة أن تأتي لتأخذني بسيارتها فقلت لها إنني سأذهب بسيارة تاكسي، وكان ردها لن تستطيع! كيف؟ يصعب الحصول على تاكسي في بكين من دون برنامج بالهاتف النقال، ببرامج مماثلة لبرامج استخدام سيارات أوبر وكريم في دول عديدة. قلت لها: سأحاول. انتظرت فترة طويلة وسيارات التاكسي تمر من أمامي ولا تتوقف، برغم أنني أشير إلى سائقيها. انتقلت إلى مكان قريب من مدخل مجمع سكني وجاءت سيارة تاكسي وتوقفت ونزل منها راكب، فقفزت في داخلها وذهبت إلى أصدقائي. عند العودة، قَبِلت عرض أصدقائي بتوصيلي بسيارتهم. عندما وصلنا إلى بوابة مكان إقامتي كان على صديقتي الصينية أن تبرز بطاقة هويتها للحارس ليتم تسجيل بياناتها قبل الدخول.

بعد عصر يوم الجمعة 29 مارس 2019، خرجت من البوابة الجنوبية للمجموعة الصينية للنشر الدولي، واتجهت يمينا في طريق بايوانتشوانغ حتى تقاطعه مع شارع تشانلانقوانغ، ومنه إلى شارع تشِقُونغتُشوانغ قاصدا إلى مكان اعتدت أن أتردد عليه. كانت آخر مرة ذهبت إلى سوق قوانيوان المشهور في شارع تشِقُونغتُشوانغ بحي شيتشنغ ببكين في فبراير عام 2018. هذه السوق المكونة من ثلاثة طوابق والذي تجد فيها كل شيء تقريبا وبأسعار معقولة، تحمل ذكريات كثيرة لي ولأفراد أسرتي منذ افتتاحه في سنة 1998. مازلت أتذكر طفلا صغيرا كنت أراه مع والدته صاحبة بسطة المشروبات والمأكولات الخفيفة في مدخل السوق. كنت أمازحه وأقدم له بعض الهدايا البسيطة، وكان يصر على أن يقدم لي ولأطفالي العصائر والبسكويت من بسطته مجانا. ظلت علاقتي بهذا الطفل حتى صار شابا يافعا وواحدا من تجار السوق. أكاد أعرف ويعرفني كل باعة سوق قوانيوان الذي كنت أوصي بها لكل زوار بكين. قوانيوان واحدة من مجموعة أسواق البيع بالجملة، والتي تبيع أيضا بالقطاعي، وهي أسواق ليست شعبية بمعنى الكلمة وليست فاخرة جدا، ومنها أيضا سوق تيانيي الذي يبعد خطوات عن مقر مجلة ((الصين اليوم)) وسوق وانتونغ الواقع في شارع فوتشنغمنواي بالقرب من الطريق الدائري الثاني، وسوق جين ووشينغ (النجوم الذهبية الخمس) على الطريق الدائري الثالث بالقرب من معبد داتشونغ (الجرس الكبير) وسوق دونغوويوان (حديقة الحيوان) وغيرها.

عندما اقتربت من مكان سوق قوانيوان لم أجد لها أثرا، فقد تم إغلاقها تماما في سبتمبر 2018، كما تم من قبل إغلاق سوق تيانيي في أغسطس 2017، وذلك في إطار جهود العاصمة الصينية للتخلص من كافة أسواق الجملة الواقعة داخل طريقها الدائري الرابع بحلول عام 2020، بهدف السيطرة على الحجم السكاني لبكين.

كثيرون مثلي لهم ارتباط عاطفي بتلك الأسواق، ومازالوا يحتفظون في بيوتهم بأغراض اشتروها منها؛ لعب أطفال، أدوات مدرسية، حقائب، زخارف وزينات، إلخ. يقول أحد الأشخاص: "أتذكر أنني في طفولتي كنت أذهب إلى تيانيي لشراء بطاقات المعايدة للعام الصيني الجديد." ويقول آخر: "منذ أن كنت في المدرسة المتوسطة وحتى التخرج في الجامعة، اشتريت أدواتي المدرسية من تيانيي." ويقول ثالث: "من بين كل ذكريات طفولتي عن اللُعَب، نصفها من تيانيي." تقريبا كل أفراد أسرتي، ومن بينهم والدتي التي زارت بكين في عام 2005، مازال لديهم أشياء كثيرة اشتروها من تيانيي وقوانيوان وجين ووشينغ ودونغوويوان. ولكن هناك أيضا من أهل بكين من أسعدهم إغلاق بعض من تلك المتاجر، وخاصة التي كانت تقع داخل تجمعات سكنية ومنها سوق تيانيي.

في الشارع الجانبي الذي اعتدت أن أسلكه من ((الصين اليوم)) إلى محل إقامتي، لم أعد أرى الأكشاك وبسطات البيع الصغيرة. كنت، وأنا أمر بها، أشتري بعض الفواكه والمشروبات والأغراض الأخرى، أحملها في يدي إلى حيث أقيم. اختفت أيضا المطاعم الصغيرة في أركان الأزقة، لم أعد أرى بسطات الطعام المؤقتة التي كانت تظهر ساعات قليلة في المساء لبيع المأكولات الخفيفة للمارة، ثم تختفي.

خلال سنوات إقامتي الطويلة في بكين، شهدت مساعي العاصمة الصينية لتخفيف الضغط، وبمعنى أدق تنظيف وسط المدينة وخفض عدد العمال- الفلاحين بها. حدث ذلك منذ أوائل التسعينات عندما تقدمت بكين بطلب لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2000، كما حدث ذلك ولكن بشكل ملحوظ أكثر في السنوات التي سبقت عام 2008، الذي استضافت فيه بكين دورة الألعاب الأولمبية. الهدف دائما هو في تقليص عدد سكان المناطق المركزية ببكين، ونقل "الوظائف غير الضرورية للعاصمة" إلى خارجها. وهذا الإغلاق الذي يتماشى مع حملة التجديد على مستوى المدينة، يأخذ بكين إلى عمق آخر في تطورها الرقمي، فقد شهدت الطريقة التي تتم بها مبيعات التجزئة تغيرا هائلا. البعض من تجار تلك الأسواق التي أغلقت، تحولوا إلى التجارة الإلكترونية، وصاروا يتواصلون مع زبائنهم عبر تطبيق ويتشات لإبلاغهم بعناوينهم الجديدة وأي أخبار أخرى وكذلك إتمام صفقات البيع.

الحقيقة أن الصين لها باع طويل في التسويق الإلكتروني، فقد بلغت مبيعات شركة علي بابا على الإنترنت خلال يوم العزاب "11/11"، العام الماضي، واحدا وثلاثين مليار دولار أمريكي.

بكين، التي تذهب تقديرات إلى أن عدد سكانها حاليا يتجاوز عشرين مليون نسمة (البعض يقول إن الرقم يصل إلى 30 مليونا)، كان عدد سكانها مليونين وثلاثين ألف نسمة قبل سبعين عاما، عندما أعلن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ من بوابة تيانآنمن، قيام جمهورية الصين الشعبية. في سنة 1949، لم يكن عدد السيارات في بكين يتجاوز 2300 سيارة، واستغرقت العاصمة الصينية ما يقرب من نصف قرن ليصل عدد السيارات بها إلى مليون في مايو 1997، وإلى مليونين في أغسطس 2003. في الفترة من عام 2010 إلى عام 2016، زاد عدد السيارات في بكين بمعدل سنوي بلغ 23ر3%، بينما زاد طول الطرق بنسبة 66ر0% فقط سنويا. وتهدف العاصمة إلى التحكم في إجمالي عدد السيارات إلى حوالي 3ر6 ملايين سيارة بحلول نهاية عام 2020. ولهذا السبب، فإن السلطات في بكين خفضت في عام 2018 عدد لوحات الترخيص للسيارات الجديدة سنويا من مائة وخمسين ألفا إلى مائة ألف. نظام حصص لوحات الترخيص، مع التوسع في المركبات التي تعمل بالكهرباء، تتبعه بكين منذ عام 2011، بهدف الحد من التلوث وتخفيف الاختناقات المرورية. ولكن من يمشي في شوارع بكين سيلاحظ أن عددا ليس قليلا من الناس يضعون كمامات على أنوفهم وأفواههم، لتفادي التلوث بالتأكيد. كمامات الوجه لا تخلو من أناقة تنسجم مع تيار الأناقة العام الذي يسود بكين، سواء على مستوى تنسيق الشوارع والحدائق العامة والمساحات الخضراء، أو أناقة أهل العاصمة الصينية في مظهرهم وملبسهم، وحتى وسائل انتقالهم. عندما صعدت الباص رقم 320 من محطة جامعة الزراعة القريبة من فندق الصداقة، وجدت شخصا، بدا لي من ملبسه أنه رجل أمن، يتولى إرشاد الركاب وإجلاس كبار السن والسيدات الحوامل وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلا عن مراقبة الوضع داخل الباص.

من أجل تحسين ظروف المرور في العاصمة، تزيد بكين من الإنفاق على نظام النقل العام، وبحلول العام القادم، 2020، سيصل إجمالي طول خطوط مترو بكين إلى 900 كيلومتر.

في كافة أرجاء بكين، لا بد أن تلاحظ أن البنايات القديمة أعيد طلاؤها وأن المساحات الخضراء مرتبة بشكل بديع، ولا بد أن تلاحظ الحرص الشديد على الأشجار والأعشاب الخضراء في المدينة والعناية الفائقة بكل مظاهر الجمال والأناقة في العاصمة التي خُططت عندما بدأ بناؤها أول مرة في سنة 1267، على شكل شبكة متسامتة ذات خطوط أفقية ورأسية متساوية الأبعاد على مساحة خمسين كيلو مترا مربعا تقريبا، وأحيطت بسور مرتفع له ثلاث بوابات؛ في الشرق والغرب والجنوب، وبوابتان في الشمال.

ربما يشعر البعض في بكين 2019، أنها فقدت شيئا من روحها، من عبق بكين القديمة التي تعج بالحياة والحيوية، والتواصل المباشر بين البشر والملامح المألوفة والتنوع في الاختيارات، ولكن من المؤكد أن بكين 2019 مدينة رقمية أنيقة وشديدة الانضباط.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037