على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

في يوم الأطفال العالمي..الصين تحتاج إلى المزيد منهم

: مشاركة
2019-06-03 13:52:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

تحتفل الصين، ضمن عدد من دول العالم، باليوم العالمي للطفل في الأول من يونيو، بينما تحتفل دول أخرى بهذه المناسبة في الأول من نوفمبر. في هذا اليوم، تنظم المدارس الصينية والهيئات والمؤسسات المعنية نشاطات متنوعة يدعى إليها الأطفال وأولياء أمورهم أحيانا، كما يكون ذلك اليوم مناسبة لتسليط الضوء على قضايا الأطفال.

الطفل، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، هو كل شخص دون الثامنة عشرة من العمر. بعبارة أخرى، كل الأشخاص منذ ولادتهم حتى اليوم الأخير من السنة السابعة عشرة لأعمارهم يعتبرون أطفالا. وحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، تضاعف عدد سكان العالم من عام 1950 إلى عام 2015 ثلاث مرات، فقد زاد العدد من مليارين ونصف مليار نسمة في 1950 إلى سبعة مليارات وأربعمائة مليون نسمة في 2015. وفي نفس الفترة، زاد عدد الأطفال من مليار في عام 1950 إلى مليارين وثلاثمائة مليون طفل في عام 2015. منذ سبعينات القرن العشرين، ونظرا لحجم سكان الصين وتأثير الاتجاهات الديموغرافية الصينية على المشهد الديموغرافي العالمي، بدأ عدد الأطفال في العالم ينمو بسرعة أقل من نمو العدد الإجمالي للسكان. مازالت الصين أكثر دول العالم سكانا، إذ يمثل سكانها 9ر18% من سكان العالم، ولكن عدد أطفال الصين يأتي في المرتبة الثانية عالميا، إذ يمثلون 9ر12% من عدد الأطفال في العالم. والحقيقة أن عدد الأطفال في الصين كنسبة من عدد الأطفال في العالم بدأ في الانخفاض تدريجيا بعد عام 1980، مع انتهاج "سياسة الطفل الواحد". والحقيقة أن هذه السياسة لم يتم تطبيقها في البداية على المستوي الوطني وإنما على مستوى المقاطعات. هذا يعني أن كل مقاطعة ومنطقة ذاتية الحكم ومدينة تدار من الحكومة المركزية مباشرة، تولت وضع القواعد الملائمة لها في هذا الشأن، ولكن بشكل عام كان تطبيق "سياسة الطفل الواحد" في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان أكثر صرامة من المناطق الريفية والنائية وذات الظروف الخاصة. وعلى سبيل المثال، كان يسمح للأسرة بإنجاب طفل ثان إذا كان الأب عسكريا معاقا أو أن كلا من الأب والأم من الأطفال الوحيدين أو إذا كان الطفل الأول أنثى أو معاقا جسديا أو عقليا. وإجمالا، كان هنا اثنان وعشرون مبررا للحصول على طفل ثان.

كان من نتيجة هذه السياسة تراجع معدل نمو السكان في الصين، وتشير تقديرات إلى أن هذه السياسة منعت إضافة ما يقرب من أربعمائة مليون نسمة إلى سكان الصين. ولكن ارتبط بـ"سياسة الطفل الواحد" العديد من الظواهر الاجتماعية البارزة، ومنها على سبيل المثال اتساع الفجوة بين عدد الذكور والإناث من المواليد الجدد، إذ وصلت النسبة بينهما إلى 118 ذكرا مقابل كل مائة أنثى، وبروز ظاهرة "الطفل الإمبراطور" أي الطفل المدلل للغاية، و"أسرة دينك (DINK)"، (Double Income, No Kidsويقصد بها الزوجان اللذان لكل منهما دخل ولا يريدان إنجاب طفل.

كان لا بد من إعادة النظر في "سياسة الطفل الواحد". وبالفعل، في نوفمبر 2013 ، في أعقاب الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، أعلنت الصين عن قرار تخفيف سياسة الطفل الواحد. بموجب السياسة الجديدة، يمكن للأسرة أن تنجب طفلين إذا كان أحد الوالدين طفلا وحيدا. ينطبق هذا بشكل أساسي على الأزواج في المناطق الحضرية. لقد أدركت الحكومة الاتجاه الديموغرافي المقلق، وهذا دفع إلى البدء في تخفيف تطبيق سياسة "الطفل الواحد" في ظروف معينة. وقد تم رفع الحد الأقصى إلى طفلين لجميع الأسر في عام 2016، على أمل تشجيع طفرة المواليد، وبالفعل شهد ذلك العام ارتفاعا طفيفا في عدد المواليد، ولكن معدل المواليد انخفض مرة أخرى في عام 2017، حيث ولد 2ر17 مليون طفل مقارنة مع 9ر17 في عام 2016. وعلى الرغم من ارتفاع عدد الأسر التي لديها طفل ثان، استمر إجمالي عدد المواليد في الانخفاض.

كانت تشجيانغ، وهي واحدة من أكثر المقاطعات ثراء، أول منطقة نفذت "سياسة الطفلين"، في يناير 2014. وبحلول يوليو 2014، بدأ تطبيق هذه السياسة في 29 مقاطعة ومنطقة ذاتية الحكم ومدينة تدار من الحكومة المركزية مباشرة. بموجب هذه السياسة، سُمح لحوالي 11 مليون من الأزواج في الصين بإنجاب طفل ثان؛ ومع ذلك تقدم حوالي مليون من الأزواج بطلبات لإنجاب طفل ثان في عام 2014، وهو أقل من نصف العدد الذي كان متوقعا في السنة.

في الحادي والعشرين من يناير 2019، أعلنت مصلحة الدولة للإحصاء الصينية أن إجمالي عدد المواليد في عام 2018 انخفض بنسبة 2ر15%، مقارنة مع عام 2017، وأبلغت بعض المدن والمقاطعات عن انخفاض في معدلات المواليد المحلية بنسبة تصل إلى 35%. وإذا كانت الدراسات تشير إلى أن معدل الخصوبة المطلوب للحفاظ على مستويات السكان هو 1ر2 طفل لكل امرأة، وهو الرقم الذي يعرف باسم "مستوى الخصوبة البديل"، فإن معدل الخصوبة في الصين انخفض رسميا إلى 6ر1 طفل لكل امرأة.

 في عام 2015، كان إجمالي عدد سكان الصين أكثر من عدد سكان الهند بثمانية وثمانين مليون نسمة ، لكن عدد أطفال الصين كان يعادل 65% فقط من عدد أطفال الهند، التي أصبحت الدولة التي تضم أكبر عدد من الأطفال في العالم في عام 1991، عندما تجاوز عدد أطفالها عدد أطفال الصين لأول مرة. وحسب البيان الإحصائي للاقتصاد الوطني والتنمية الاجتماعية في 2018، الذي أصدرته مصلحة الدولة للإحصاء الصينية، فإن عدد سكان الصين الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة بلغ 248 مليونا وستمائة ألف نسمة، يمثلون 8ر17% من إجمالي عدد السكان، في حين كانت نسبة هذه الفئة العمرية في دول نامية مثل الهند ومصر حوالي 35%. 

وحسب تقرير أصدرته الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في يناير 2019، فإن سياسة "الطفل الواحد" ربما حققت هدفها الأصلي المتمثل في إبطاء النمو السكاني، ولكنها أيضا فرضت تحديات جديدة للحكومة. وحذرت الأكاديمية من أن انخفاض معدل المواليد وزيادة متوسط العمر المتوقع يعني أنه سيكون هناك عدد قليل للغاية من الذين في سن العمل القادرين على إعالة عدد هائل من المسنين.

كما هو الحال في بلدان أخرى، هناك أسباب عديدة لانخفاض معدل المواليد، بما في ذلك زيادة الرخاء الاقتصادي وتوفر فرص جديدة للمرأة. كما أن النمو الاقتصادي في الصين أدى إلى خلق مجتمع يعاني فيه العديد من الأزواج الشباب حاليا من ضغوط اقتصادية، ومنها ارتفاع تكاليف التعليم والسكن، مما يجعل إنجاب طفل قرارا يحتاج إلى دراسة متأنية. ولكن يظل السبب الأعمق لتراجع معدل النمو السكاني هو سياسة "الطفل الواحد" وما أفرزته من نتائج، ومنها مثلا كما أسلفنا أن عدد الإناث أقل كثيرا من عدد الذكور. فالنساء الصينيات المولودات خلال السنوات التي تلت سياسة "الطفل الواحد" قد وصلن أو تجاوزن حاليا سن الخصوبة، ولا يوجد منهن ما يكفي للحفاظ على المستوى السكاني للصين، على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة لتشجيع الأسر على إنجاب طفلين. ويرى باحثون أن عام 2018 نقطة تحول تاريخية في عدد سكان الصين، إذ بدأ عدد سكان البلاد في الانخفاض وتزايد الشيخوخة بسرعة.

تحديات الأطفال في الصين لا تقتصر على نقص معدل الإنجاب، وإنما لها وجوه أخرى، خاصة في المناطق الريفية التي تشهد ظاهرة ما يسمى بـ"الأطفال المتروكين"، ويقصد بذلك كل طفل سافر والداه إلى خارج مسقط رأسه للعمل في المدن الكبرى وترك الطفل في رعاية جدته أو جده أو أحد أقاربه الآخرين في الغالب. هؤلاء الأطفال يمكن وصفهم بأنهم أيتام آباؤهم أحياء. في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2018، قال مسؤول بوزارة الشؤون المدنية الصينية، في مؤتمر صحفي في بكين، إن الصين بها 97ر6 ملايين "طفل متروك" في المناطق الريفية حتى أغسطس من ذلك العام، بانخفاض بلغت نسبته 7ر22% عن عام 2016، الذي بلغ فيه عدد "الأطفال المتروكين" 02ر9 ملايين طفل. وكانت الصين قد أقامت نظاما لرعاية وحماية "الأطفال المتروكين" في المناطق الريفية منذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني في عام 2012. وتحتل قضية "الأطفال المتروكين" اهتماما اجتماعيا في الصين. وحسب تقرير لشبكة تلفزيون الصين العالمية (CGTN)، لا يحصل حوالي 40% من هؤلاء الأطفال المتروكين على فرصة لرؤية والديهم أكثر من مرتين في السنة، بينما من المرجح أن يتحمل الأطفال المقيمون في المناطق الريفية النائية مخاطر بل يرتكبون جرائم مقارنة بنظرائهم في المناطق الحضرية. بل إن البعض يصفهم بـ "جيل الصين الضائع". وقد دفعت مجموعة المشكلات التي تبرز معضلة "الأطفال المتروكين"، نواب المجلس الوطني لنواب الشعب وأعضاء المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، خلال "الدورتين" في 2019، إلى تقديم اقتراحات ومقترحات لمعالجة هذه القضية، بما في ذلك بناء مكتبات إلكترونية في المناطق الريفية الفقيرة، وخلق فرص عمل للعمال الريفيين في الريف، وإنشاء مراكز للتدخل في الصحة العقلية على مستوى القرية.

الأطفال المعاقون مشكلة أخرى تواجهها الصين. وعلى الرغم من نقص البيانات الدقيقة عن الأطفال ذوي الإعاقة في الصين، ثمة تقديرات بأن الصين بها حوالي 9ر3 ملايين طفل معاق تتراوح أعمارهم بين 0 و14 سنة. حوالي ثلث هؤلاء الأطفال لا يذهبون إلى المدارس الابتدائية في بلد تقترب فيه نسبة حضور الأطفال غير ذوي الإعاقة من 100%. وهذا دفع الحكومة إلى أن تصدر في أول مايو 2017 لوائح منقحة بشأن تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة. هذه اللوائح المنقحة تؤكد أن التعليم الشامل ينبغي أن يكون الخيار الأول للأطفال ذوي الإعاقة. وحسب تقرير لوكالة ((شينخوا)) في 28 يوليو 2017، سوف يتلقى أكثر من 95% من الأطفال والمراهقين المعاقين في الصين التعليم الإلزامي بحلول عام 2020، وفقا لخطة أصدرتها وزارة التعليم بالاشتراك مع ست وزارات أخرى، تهدف إلى تحسين تغطية التعليم الإلزامي للأطفال المعاقين في الصين. وحسب الخطة، يتعين على حكومات الأحياء والمحافظات تأكيد معلومات الأطفال المعاقين في سن المدرسة والتأكد من حصولهم على التعليم الإلزامي في مدارس التعليم الخاص والمدارس النظامية ومنظمات رعاية الأطفال أو من خلال التعليم المنزلي. وبحلول عام 2020، ينبغي إنشاء مدرسة للتعليم الخاص واحدة على الأقل في المناطق التي يزيد عدد سكانها عن ثلاثمائة ألف نسمة وبها عدد كبير من الأطفال المعاقين.

ولكن، تظل المعضلة الرئيسية بالنسبة للصين هي رفع معدل الإنجاب حتى تواصل نهضتها الاقتصادية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037