على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

في اليوم العالمي للنوم.. الصينيون أكثر أرقا

: مشاركة
2019-02-26 13:56:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

عندما وصلت إلى الصين للمرة الأولى في بداية تسعينات القرن الماضي، كان من بين الأشياء التي أثارت انتباهي قدرة الصينيين على النوم في أي مكان، ونومهم مبكرا في المساء واستيقاظهم مبكرا في الصباح. كان تقريبا جميع الزملاء في ((الصين اليوم))، ينامون عقب تناول وجبة الغداء في الساعة الثانية عشرة ظهرا بمطعم واي ون جيوي "المجموعة الصينية للنشر الدولي"؛ منهم من يتمدد على سرير يُطْوَى ويُفْرَد، أو على أريكة أو حتى على مقعد. كانوا يغطون في نوم عميق حتى تقترب الساعة من الثانية بعد الظهر، فيفيقون ويستأنفون عملهم. لم يكن غريبا أن ترى شخصا نائما على مقعده في وسيلة مواصلات عامة، بل وتسمع شخيره عاليا، أو ترى شخصا نائما ممدا على أريكة في حديقة عامة، أو على بسطة البيع في سوق شعبية!

في تلك الفترة، لم يكن مستوى معيشة الصينيين المادية يقارن بما ينعمون به الآن من وفرة مادية إلى حد كبير. ومع هذا التحسن في المعيشة المادية يبدو أن هناك تراجعا في جودة نوم الصينيين، مثل شعوب كثيرة. نعم، في السنوات الأخيرة، صار الصينيون يواجهون أزمة نوم حقيقية. بالطبع، ليس الصينيون وحدهم الذين يجدون النوم حاليا مطلبا عزيزا، وإنما شعوب أخرى كثيرة. وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها إحدى الشركات العاملة في مجال الرعاية الصحية، أن 53% من المصريين لا يحصلون على ما يكفي من النوم لليلة أو ليلتين خلال الأسبوع، بينما قال 12% من الذين شملتهم الدراسة إنهم ينامون أقل من خمس ساعات كل ليلة، وقال 19% فقط إنهم ينامون للفترة الموصى بها وهي ثماني ساعات أو أكثر كل ليلة. الدراسة التي شملت 1004 أشخاص خلال الفترة بين شهري فبراير ومارس 2017، وجدت أن 23% من المصريين يعزون قلة النوم وسوء نوعيته إلى الضغوط التي يواجهونها في العمل، وقال 30% إن ليلة السبت التي تسبق بداية الأسبوع هي الأسوأ بالنسبة لهم من حيث النوم، بالمقارنة مع باقي أيام الأسبوع.

وحسب "منظمة اليابان من أجل نوم أفضل"، فإن واحدا من بين كل ثلاثة يابانيين لا يحصل على قسط كاف من النوم. وحسب مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية، فإن 12% من الأمريكيين يعانون من نوم "رديء". وتشير تقديرات دراسة أجرتها شركة فيليبس المتخصصة في التقنيات الصحية في عام 2018، إلى أن أكثر من مائة مليون شخص في العالم يعانون من انقطاع التنفس أثناء النوم، وأن 80% منهم لم يتم تشخيصهم. وعلى الصعيد العالمي، يعاني 30% من الناس من صعوبة في الخلود إلى النوم والاستمرار فيه. ومع أن النوم الجيد أمر ضروري لصحة جيدة، فإن ثلث الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم فقط يطلبون مساعدة متخصصة.

في عام 2008، أطلقت جمعية النوم العالمية "اليوم العالمي للنوم"، كحدث سنوي حدد له يوم الجمعة الثالثة من شهر مارس. الهدف من هذا الحدث هو التوعية بفوائد النوم الجيد والصحي وإلقاء الضوء على مشكلات النوم وجوانبها الطبية والتعليمية والاجتماعية، وتعزيز الوقاية من اضطرابات النوم ومعالجتها، فحسب جمعية النوم العالمية، تهدد مشكلات النوم صحة أو نوعية الحياة حوالي 45% من سكان العالم.

كان شعار "اليوم العالمي للنوم" في 2018، هو "انضم إلى عالم النوم، وحافظ على إيقاع حياتك للاستمتاع بالحياة"، ولكن تقريرا أصدرته الجمعية الصينية لأبحاث النوم في إبريل 2018، ذكر أن 56% من الصينيين الذين تم استطلاع رأيهم قالوا إنهم ينامون بشكل سيء، وفقا للتقرير الذي استند إلى مسح عبر الإنترنت شمل ألفي فرد تتراوح أعمارهم بين 18 و50 سنة في عشر مدن رئيسية بالصين. أكثر من 60% من المشاركين الذين ولدوا بعد عام 1990 قالوا إنهم يعانون من مشكلات في النوم، في حين قال حوالي 70% إن نومهم تأثر بضغوط العمل، بينما تشمل الأسباب الأخرى القضايا العاطفية والعوامل البيئية مثل الضوضاء والأمراض العامة وأسلوب الحياة، مثل الاستخدام المفرط للهواتف الذكية في الليل. وشملت المشكلات الأكثر شيوعا، الأحلام المتواترة والنوم الخفيف والتعب بعد الراحة.

الأرق يقض مضاجع كثير من الصينيين. والأرق وفقا لبعض التعريفات هو اضطراب النوم أو تقطعه أو انخفاض جودته، مما يعود سلبا على صحة المريض النفسية والجسدية. ويمكن أن يعرف بأنه الشكوى من صعوبة بدء النوم أو الاستمرار فيه، أو عدم الحصول على نوم مريح خلال الليل، أو النهوض مبكرا بغير المعتاد، وهو يؤثر على نشاط الفرد خلال النهار. الصين بها أكثر من ثلاثمائة مليون شخص يعانون من اضطرابات النوم، والعدد مستمر في الزيادة. وفي حين أن بعض اضطرابات النوم قد تكون ببساطة حقيقة مزعجة لحياة كثير من الناس، فإن بعضها الآخر، مثل عدم القدرة على النوم والاستيقاظ في وقت مبكر جدا أو متأخر جدا، قد يكون ناجما عن أمراض جسدية لم يتم تشخيصها.

وفقا للتقرير المشار إليه، قال 31% من المشاركين إنهم يحتاجون إلى أكثر من نصف ساعة للدخول في النوم. كما أن نحو 60% ممن ولدوا بعد عام 1995 يستخدمون الهواتف الذكية لمدة تصل إلى ثمانين دقيقة قبل الذهاب إلى الفراش، للقيام بأنشطة مثل الدردشة ومشاهدة الأفلام عبر الإنترنت.

وحسب دراسة مسحية أجرتها لجنة طب النوم في الجمعية الصينية للأطباء بمناسبة اليوم العالمي للنوم في عام 2018، فإن سكان بكين هم الأبكر في الاستيقاظ صباحا بين مدن الصين، ويعاني أكثر من 60% من جيل ما بعد التسعينات في الصين من قلة النوم. وأظهرت الدراسة أن المولودين بين عامي 1990 و2000 لا ينامون بشكل جيد. وفيما يتعلق بنوعية النوم، قال 30% منهم إنه "سيئ"، وقال 3ر33% إنهم "قلقون" وقال 12% إنهم "بلا نوم". فقط 1ر5% يعتقدون أن نومهم "جيد" و4ر19% يعتقدون أنه "مريح". وحول أنماط النوم، كشفت الدراسة عن أن 1ر31% من المشاركين ينامون متأخرين ويستيقظون متأخرا، بينما ينام 9ر30% متأخرين لكنهم يستيقظون مبكرا، و9ر61% يستيقظون على صوت المنبه أو بسبب الضوضاء. وقال أكثر من 28% قليلا إنهم يستيقظون بشكل طبيعي.

وأظهرت الدراسة أن سكان شانغهاي هم الأكثر تبكيرا في النوم بينما سكان شنتشن هم الأكثر تأخرا في الذهاب إلى الفراش. وبينما سكان بكين هم الأبكر في الاستيقاظ فإن أبناء تشوهاي بمقاطعة قوانغدونغ في جنوبي الصين هم الأكثر تأخرا في الاستيقاظ من بين سكان المدن الصينية.

ومن حيث المهن، فإن العاملين في مجال البرمجة وتكنولوجيا المعلومات هم الأقل نوما، ومن بعدهم يأتي العاملون أصحاب الياقات الزرقاء والعاملون في مجال المبيعات والعاملون في شركات الاستشارات. كما يفتقر أصحاب المتاجر على الإنترنت ومشاهير الإنترنت إلى نوعية النوم الجيدة. ما يبعث على القلق أكثر، أن بحثا أظهر وجود خطر متزايد للاكتئاب بين كبار السن الذين أبلغوا عن صعوبات في النوم. ويقترح البحث أن النوم الكافي يمكن أن يساعد في الحد من خطر مرض الزهايمر.

مشكلات النوم لم تعد مقتصرة على الكبار، وإنما امتدت إلى الصغار أيضا في الصين. وفقا للدكتور شين شياو مينغ، طبيب الأطفال في مركز شانغهاي الطبي للأطفال التابع لكلية الطب بجامعة جياوتونغ في شانغهاي، فإن الأطفال يعانون أيضا من المشكلة، إذ أن أكثر من 70% منهم ينامون قليلا جدا. وكانت دراسة شملت أكثر من ثلاثين ألف طفل في تسع مدن صينية؛ منها شانغهاي وقوانغتشو وشيآن ووهان وأورومتشي، وأعلنت نتائجها في عام 2011، وجدت أن الأطفال الصينيين بصفة عامة يحتاجون إلى مزيد من النوم، وأن الأطفال الذين يعيشون في المناطق الغربية من البلاد يحصلون على نوم أفضل من حيث النوعية والجودة، مقارنة مع نظرائهم في شرقي الصين. (ملاحظة: قد يكون من المفيد أن أشير هنا إلى أن مناطق غربي الصين أقل تقدما اقتصاديا بكثير من مناطق شرقي الصين). الدراسة أوضحت أن ساعات الدراسة المبكرة والواجبات المنزلية الشاقة جعلت الأطفال ينامون وقتا أقل، في حين ثبت أن الأشخاص الذين تقل لديهم ساعات النوم أكثر عرضة لضعف الذاكرة وزيادة الوزن.

معظم، إن لم يكن كل، الصينيين الذين يعانون من مشكلات النوم قد لا يكونون على دراية بها. ومعظمهم لا يذهب إلى أطباء متخصصين في مشكلات النوم. الحقيقة الأخرى هي أن الصين التي يبلغ عدد سكانها مليارا وأربعمائة مليون نسمة وتغطي مساحتها 6ر9 ملايين كيلومتر مربع لا يوجد بها إلا 1500 مركز لعلاج مشكلات النوم، معظمها في المدن الكبرى. يقول الدكتور شين شياو مينغ: "تقريبا جميع المراكز في المدن الكبيرة نسبيا تعمل الآن بكامل طاقتها والمرضى يضطرون للانتظار لأشهر لرؤية الطبيب. حتى الآن، إلى جانب بعض الأدوية التي تغطيها خطط التأمين الصحي في البلاد، يتعين على معظم المرضى دفع تكاليف علاج النوم بأنفسهم."

يُشار هنا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ عدد سكانها أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة، بها أكثر من ألفي مركز لعلاج مشكلات النوم، بينما يوجد في ألمانيا من خمسة إلى ستة أَسِرَة لعلاج النوم لكل مائة ألف شخص.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037