على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

الصين ومصر وأفريقيا في 2019

: مشاركة
2019-01-28 13:40:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

 في حديث مع شبكة التلفزيون العالمية الصينية (CGTN)، تعليقا على كلمة التهنئة بالعام الجديد للرئيس شي جين بينغ، سؤلت عن المجال الواعد للتعاون الصيني- المصري في عام 2019، وكان ردي: التعاون معا في أفريقيا. وقلت مفصلا، إن أغراض إستراتيجية مصر في القارة السمراء تلتقي تقريبا مع الإستراتيجية الصينية، من حيث التركيز على المشروعات التي يستفيد منها أبناء الشعب وتحقق النفع لكافة الأطراف، مع الحرص على احترام اختيارات الدول الأفريقية لطرق تنميتها، واستشهدت بمشروع السد الذي تقوم بتنفيذه شركتان مصريتان على سد روفيلي في تنزانيا، والذي تبلغ سعته التخزينية 34 مليار متر مكعب من المياه ويصل حجم الطاقة الكهربائية المولدة منه عند الانتهاء من إنشائه في عام 2021 إلى 2100 ميغاوات. وأشرت أيضا إلى العديد من مشروعات البنية التحتية في مجال النقل البري والسكك الحديدية ومحطات الطاقة والمشروعات الزراعية والصحية والتقنية التي تنفذها شركات صينية في أفريقيا، ومنها السكة الحديدية بين مومباسا ونيروبي وخط أديس أبابا- جيبوتي الحديدي والسكة الحديدية بين تنزانيا وزامبيا، وغيرها من مشروعات البنية التحتية.

في الفترة من الثاني إلى السادس من يناير 2019، قام وزير خارجية الصين وانغ يي بزيارة أربع دول أفريقية هي إثيوبيا وبوركينا فاسو وغامبيا والسنغال، إضافة إلى مقر المفوضية الأفريقية في أديس أبابا، في أول جولة خارجية في العام الجديد، تكريسا لتقليد بدأته الصين قبل تسعة وعشرين عاما، بأن تكون أفريقيا الوجهة الخارجية الأولى لوزير خارجيتها كل عام. وحسب تعليق لوكالة أنباء شينخوا، فإن هذه الخطوة تؤكد مدى الأهمية التي توليها الصين لعلاقاتها مع أفريقيا ولتعاون الجنوب- الجنوب، كما تعيد التأكيد على التزام الصين بالتنمية والازدهار المشتركين. خلال جولته الأفريقية، بحث السيد وانغ مع القادة الأفارقة سبل تعزيز تنفيذ خطة العمل التي تبنّتها قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي التي عقدت في بكين في سبتمبر 2018.

في الرابع من يناير 2019، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لو كانغ، إن الصين مستعدة لتعزيز التواصل والتنسيق الثنائي والمتعدد الأطراف مع مصر التي ترأس الاتحاد الأفريقي في العام الحالي، لدفع قضية السلام والتنمية في أفريقيا بشكل مشترك. وأضاف أن الصين تولي أهمية كبيرة للعلاقات مع الاتحاد الأفريقي الذي يمثل شعارا للوحدة والتحسين الذاتي لهذه القارة، وتدعمه للعب دور إيجابي في الشؤون الدولية والإقليمية.

تتولى مصر في العاشر من هذا الشهر، فبراير 2019، رئاسة الاتحاد الأفريقي، بعد أن عادت القارة السمراء إلى محور اهتمام السياسة المصرية. لقد قام الرئيس عبد الفتاح السياسي منذ توليه السلطة في مصر عام 2014 حتى نهاية عام 2018 بإحدى وعشرين زيارة لدول أفريقيا. وفي نفس الفترة، زار الرئيس السيسي الصين خمس مرات، كان آخرها خلال مشاركته في قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي في بكين في سبتمبر 2018. وفي تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، قال سفير مصر لدى الصين أسامة المجدوب، إن العلاقات المصرية- الصينية تشهد دفعة قوية نحو تعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة، بفضل التفاهم بين قيادتي البلدين، وحرص الجانبين- في ظل آليات التعاون القائمة- على التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك خلال رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي. وحسب الوكالة المصرية، فإن وزارة الخارجية الصينية أكدت أن العلاقات بين الصين ومصر نموذج للتعاون المتبادل المنفعة بين الدول النامية، وأن العلاقات الثنائية في الوقت الراهن، تتمتع بزخم وتطور جيد، حيث تحافظ الدولتان على اتصالات وثيقة، وتعززان الثقة السياسية المتبادلة، كما حقق التعاون العملي في إطار "مبادرة الحزام والطريق"، نتائج مثمرة.

ولا شك أن مصر تمثل مكونا هاما في بناء مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، كونها تعد نقطة الالتقاء بين طريق الحرير البحري وطريق الحرير البري. ومن هنا فإن المشروعات التي تم تنفيذها أو يجري العمل فيها، ومنها قناة السويس الجديدة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء سوميد ومدينة الجلالة، وغيرها، عناصر مكملة وأساسية للمبادرة الصينية.

تؤمن الصين ومصر بضرورة احترام اختيارات الأفارقة لنهج التنمية الملائم لهم، من دون فرض رؤى معينة. وعلى مدار سنوات عديدة أرسلت الصين ومصر فرقا طبية لمساعدة الأفارقة في مكافحة الأوبئة وخبراء في الزراعة والري، وقدمتا الدعم المالي والفني في تطوير البنى التحتية الأفريقية.

لقد تعهدت الصين بتمويلات بلغت قيمتها ستين مليار دولار أمريكي خلال قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي في جوهانسبرغ عام 2015، وبالفعل تم الوفاء بها، كما أن برامج التعاون العشرة التي التزمت بها الصين في نفس القمة تحقق منافع كبيرة لشعوب القارة. ومن خلال مد شبكات الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية وبناء المطارات والموانئ البحرية والمجمّعات الصناعية في شتى أنحاء أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، تم تعزيز الترابط بين الدول داخل القارة وإطلاق العنان لطاقاتها الصناعية. وتعمل الفرق الطبية الصينية والمراكز الثقافية ومعاهد كونفوشيوس كمنصات رئيسية للتواصل من أجل تعزيز التفاهم المتبادل بين الصين وأفريقيا.

على الجانب الآخر، ينهض الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا بمهمة مشابهة. هذا الصندوق الذي يعد الأداة الحكومية المصرية لتنسيق المساعدات الحكومية المصرية للتنمية وبرامج التعاون التنموية مع الدول الأفريقية، تأسس في عام 1980، ويعمل وفق صيغة تعاون الجنوب- الجنوب ويهدف إلى مساعدة الدول الأفريقية على تحقيق التنمية المستدامة عبر برامج التعاون الفني والبرامج التدريبية لبناء قدرات الكوادر الأفريقية التي يقدمها لدول القارة في مختلف المجالات، وفي مقدمتها الزراعة والصحة والتعليم والأمن والدبلوماسية والقضاء والإعلام، وكذلك المنح المالية خاصة في مجالي الصحة والزراعة. منذ نشأته، أوفد الصندوق أكثر من ثمانية آلاف وخمسمائة خبير للدول الأفريقية في المجالات المختلفة، كما قام بتدريب نحو عشرة آلاف من الكوادر الأفريقية في مصر، إلى جانب تقديم المنح المالية والمساعدات الإنسانية خاصة في مواجهة الكوارث الطبيعية، فضلا عن إيفاد العديد من القوافل الطبية للدول الأفريقية.

وتأتي رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي في أعقاب قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي 2018، والتي أعلن فيها الرئيس شي جين بينغ أن الشعب الصيني في علاقته مع الدول الأفريقية، يلتزم بـ"خمسة لاءات"، وهي: لا يتدخل في جهود الدول الأفريقية لاستكشاف الطرق التنموية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية؛ ولا يتدخل في الشؤون الداخلية الأفريقية؛ ولا يفرض إرادته على الآخرين؛ ولا يربط المساعدات لأفريقيا بأي شرط سياسي؛ ولا يسعى لكسب مصلحة سياسية لنفسه خلال الاستثمار والتمويل في إفريقيا. وأكدت الصين على أربعة التزامات في علاقاتها مع أفريقيا، وهي: الالتزام بمراعاة العدالة والمنفعة في التعاون، مع إعلاء العدالة. تؤمن الصين بأن الطريق الحتمي للتعاون الصيني- الأفريقي يكمن في توظيف مزايا كلا الجانبين وربط التنمية في الصين بشكل وثيق بدعم التنمية في أفريقيا، وتحقيق التعاون والكسب المشترك والتنمية المشتركة؛ الالتزام بالتعاون العملي والفعال والتنمية من أجل الشعب. حيث تلتزم الصين بوضع مصالح شعوب الجانبين الصيني والأفريقي في المقام الأول، ودفع التعاون في سبيل تحقيق رفاهيتها، وجعل نتائج التعاون تفيد مصالحها؛ الالتزام بالانفتاح والشمول في التعاون. ترى الصين دائما أن تحقيق الأمن والأمان الدائمين والتنمية والنهضة في أفريقيا لا يمثل تطلعات الشعوب الأفريقية فحسب، وإنما أيضا مسؤولية المجتمع الدولي. إن الجانب الصيني على استعداد للعمل مع شركاء التعاون الدوليين على دعم السلام والتنمية في أفريقيا. وترحب الصين وتدعم كل ما يخدم مصلحة أفريقيا، كما يجب على العالم كله بذل كل ما في وسعه من الجهود الجدية لدعم ذلك.

لقد كان لافتا تساؤل: لماذا تحب أفريقيا الصين؟ الذي عنون به موقع ((www.aljazeera.com)) تحليلا نشره في السابع من يناير 2019، بادئا بالقول: "على عكس ما يعتقد الغرب، لا يرى الأفارقة أنفسهم ضحايا للاستغلال الاقتصادي الصيني. الصورة التي تعلو ما كتبه ميهاري تادلي مارو، وهو باحث في السلام والأمن والقانون والحوكمة وقضايا حقوق الإنسان والهجرة، يتوسطها الرئيس شي جين بينغ وإلى جواره الرئيس عبد الفتاح السيسي بين القادة الأفارقة الذين شاركوا في قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي 2018. ينقل الكاتب عن رئيس رواندا بول كاغامي، الذي تنتهي رئاسته للاتحاد الأفريقي في العاشر من هذا الشهر، إشادته بإستراتيجية المساعدات والاستثمارات الصينية في أفريقيا كمصدر "للتحول العميق". قال كاغامي إن التعاون بين الصين وأفريقيا يقوم على الاحترام المتبادل ولصالح الشريكين.

على الجانب الآخر، وعلى هامش منتدى "أفريقيا 2018"، الذي استضافته مصر للعام الثالث على التوالي في ديسمبر العام الماضي، أكدت الأمينة العامة لمنظمة السوق المشتركة لدول شرقي وجنوبي أفريقيا (كوميسا)، تشيلشي مبوندو كابويبوي، أن الاستثمارات والتجارة البينية بالدول الأعضاء في تجمع كوميسا سوف تشهد نموا ملحوظا مع تولي الرئيس السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي. وأشارت إلى أن استضافة مصر لمنتدى أفريقيا للعام الثالث على التوالي، يعد مؤشرا على التزامها بتعزيز العمل الجماعي بين الدول الأفريقية لتحقيق التنمية المستدامة وزيادة معدلات النمو الاقتصادي والاستثمارات المشتركة وتقليص معدلات الفقر وجذب الاستثمارات وإزالة كافة العقبات التي تعترض التجارة بين دول القارة. وأضافت أن الدول الأفريقية يمكنها الاستفادة من الخبرة المصرية في مجالات التنمية المستدامة والإصلاحات الاقتصادية ونقل التكنولوجيا والبنية التحتية.

ميهاري تادلي مارو يرى أن الصين لديها أربعة مجالات جذب رئيسية للأفارقة، وهي: القروض الميسرة غير المشروطة والوصول إلى رأس المال؛ التسليم السريع للخدمات والسلع الرخيصة؛ تمويل حفظ السلام؛ ونموذج التنمية البديلة.

في منتدى "أفريقيا 2018"، الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية، أعلن الرئيس السيسي أن مصر ستنشئ صندوق تأمين ضد المخاطر لتشجيع رجال الأعمال المصريين للاستثمار في بلدان أفريقية أخرى، وقال: "سيكون تحسين البنية التحتية الأفريقية والتركيز الواضح على التنمية محور جدول أعمالنا خلال رئاستنا للاتحاد الأفريقي."

برغم كل ذلك، مازال البعض يرى التعاون الصيني- المصري- الأفريقي من زاوية ضيقة، تأثرا بالفكر الاستعماري الساكن في عقولهم. بيد أن ما نشهده على أرض الواقع صورة رائعة لتعاون يحقق الخير لكافة الأطراف. ولا أجد هنا أفضل من قول الرئيس شي جين بينغ "إن الشمس المشرقة تبشر بمستقبل واعد". شمس الصين وأفريقيا ومصر قد أشرقت، ولن يستطيع أحد حجب نورها.  

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037